عبدالله خليفة ... المبدعون لا يموتون
فاضل الحليبي
2014 / 11 / 5 - 19:39
في عام 1975 كانت تجري مباراة في بين قطبا كرة القدم في المنامة ، ناديين النسور ( الأهلي حاليا) والعربي ( النجمة حاليا ) في أستاد مدينة عيسى ، بعد هجمة 23 أغسطس 1975م على الحركة الوطنية البحرينية ( التحرير والشعبية ) ، بحوالي شهر ونصف ، لا أذكر التاريخ بالضبط ، قبل إطلاق صفارة البدء من قبل حكم المباراة ، وقف الجميع دقيقة صمت حداداً على وفاة أم أحد أعضاء نادي العربي ، في تلك المباراة التي أتينا لمشاهدتها ، لم نعرف ذلك الشخص الذي توفيت والدته ، بعد عامين وتحديدا في عام 1977، التقي بالزميل والصديق عيسى خليفة في مدرسة المنامة الثانوية للبنين ، تكونت بيننا صداقة وزمالة ( مجموعة من الطلبة ) ، أذكر منهم الرفيقين المحامي محمد سلمان و الراحل جمال مرهون ، أخبرنا صديقنا عيسى ، بان تلك الوقفة ( دقيقة الصمت حدادا ) قبل بدء المباراة بين النسور والعربي ، في عام 1975م ، كانت على والدته المتوفية ، و الشخص المعني كان شقيقه المدرس المعتقل عبدالله خليفة ضمن كوكبة من مناضلي جبهة التحرير الوطني البحرانية والجبهة الشعبية في البحرين ، الذين تم أعتقالهم في هجمة 23 أغسطس عام 1975م ، وتم حل المجلس الوطني في 26 أغسطس في عام 1975م ، وسادت في البلاد أجواء من القمع والترهيب ، وازدادت شراسة وقساوة الحملة الرجعية على الحركة الوطنية البحرينية بعد أغتيال الكاتب عبدالله المدني في عام 1976م ، عرفنا بان المناضل المعتقل عبدالله خليفة ، بأنه قصاص ( كاتب قصة قصيرة ) ، و أخبرنا الصديق عيسى خليفة ، بأن شقيقه عبدالله ، قد صدرت له مجموعة قصصيه باسم ( لحن الشتاء ) في عام 1975م ، قبل أعتقاله وحل المجلس الوطني في 26 أغسطس من عام 1975م ، المجلس المنتخب أعضاءه في 7 ديسمبر من عام 1973م ، تكونت بيننا صداقة نحن الطلبة الأربعة ، وكنا نزور صديقنا عيسى خليفة في بيته ( بيوت العمال ) في فريق اللينات القضيبية ، تلك المنطقة الفقيرة من المنامة ، التي كتب عنها كثيراً الراحل الروائي عبدالله خليفة في قصصه ورواياته ، طلبت من الصديق عيسى ، استعارة قصة ( لحن الشتاء ) ، للقراءة وأعادتها إليه ، بعد أن قرأتها شعرت بأنها قصة جميلة تعبر عن ( القصص الواقعية ) ، في أحدى قصص لحن الشتاء ، كان يخاطب ( عامل البناء ) علي بأن يعود إلى وطنه البحرين ، وأن الشرطة لا تعرفك لقد كبرت يا علي ، فيما بعد عرفت بأن ، المقصود في القصة ، هو المناضل العمالي علي مدان أحد مؤسسي جبهة التحرير الوطني البحرانية ، والذي أمتهن في شبابه لسنوات مهنة البناء وكانت مصدر رزق له في تلك الفترة ، قضى المناضل الروائي الراحل عبدالله خليفة في سجون البحرين ست سنوات ، أفرج عنه في عام 1981م ، كان السجن محطة له ليؤسس لمشروعه في كتابة الروايات الطويلة ، ولكي يبحر باشرعته في عباب البحر وأمواجه المتلاطمة و يكتب في الفلسفة و التاريخ و التراث العربي والإسلامي ، لهذا أصبح يطلق عليه من قبل العديد من المثقفين العرب بأنه موسوعة فكرية وثقافية لغزارة أنتاجه الأدبي والثقافي ، أن رحيله المبكر خسارة فادحة للفكر والثقافة في البحرين والمنطقة ، أنه مبدع وناقد شجاع ، ودائما يطرح الآراء النقدية الفكرية التي تشكل موضع خلاف وجدل في أوساط المثقفين بما فيهم الماركسيين ، كتب بتاريخ15/08/2014م ، في عموده اليومي ( أفق ) جريدة أخبار الخليج ، قائلا: تداخل اليسار في الشرق مع ولادات الرأسماليات الحكومية فيها ، كانت هذه لحظة لقاء معقدة وتركيبية ، وذات إشكاليات متعددة ، تضافر فيها اليسار الغربي مع الشمولية الشرقية ، والرغبة في القفزة النهضوية مع الاستبداد ، وتسريع الحداثة مع هياكل اقتصادية متخلفة جامدة ، وتم جلب أحدث الأفكار التقدمية لوعي شعوب تعيش في قرون سابقة .
ويضيف : أسرعت قوى سياسية في تنميط موديل سياسي يساري نهضوي رأت فيه الشفرة الموجزة والمتكاملة وجعلت من الدكتاتورية طريقة سياسية لحل كل هذه الإشكاليات .
كتب في يوليو من نفس العام مقال أخر ، عن عزوف المثقفين والسياسيين عن العمل في منظماتهم الفكرية والسياسية والأدبية ، قائلا: الأجيال الجديدة من المثقفين والسياسيين لا يجدون أطراًً يعملون بها ، ويطورون تجاربهم ، وتقوم الانشقاقات بعزلهم وإضعاف تجربتهم حتى تتردى الثقافة الوطنية ويتمكن الانتهازيون من تخريب الثقافة الوطنية .
الراحل الكبير المناضل و الروائي عبدالله خليفة ، شكل أضافة نوعية لقضايا الفكر والثقافة في البحرين والخليج والوطن العربي ، فهو كاتبا وباحثا يساريا مميزا ، يحاول تفكيك المعقد وتبسيط المفاهيم النظرية ، وفق منهجية فكرية مغايرة للسائد في الفكر الماركسي ، لهذا يثير الجدل والخلاف في أوساط المثقفين الماركسيين ، ولا تروق للعديد منهم كتاباته بالرغم من أنه مستلهما جيدا للمادية الجدلية والفلسفة والتاريخ ، وموظفاً قراءته للنظرية الماركسية في كتاباته ومؤلفاته انطلاقاً من الواقع الذي يعيشه ، لكي يتعرف ويتعمق المرء في السجال الفكري والسياسي الذي كان دائماً يطرحه ويعبر عنه في كتاباته و مؤلفاته ، يتطلب قراءة معمقة فيها ، ودعوة المهتمين في شئون الفكر والثقافة لعقد ورش عمل حولهما .
رسام الكاريكاتير البحريني الفنان خالد الهاشمي ، كتب عن وفاة الروائي عبدالله خليفة هذه العبارة ( المبدعون لا يموتون )