دروس أساسية في الماركسية-اللينينية-الماوية (الجزء الثامن) ترجمة


أحمد رباص
2026 / 10 / 8 - 00:48     

الفصل الثامن
الاقتصاد السياسي الماركسي
كما رأينا سابقاً، طوّر ماركس مبادءه في الاقتصاد السياسي في تكامل وتعارض مع اقتصاديات البرجوازية والاقتصاديين الإنجليز، في آن واحد. وقد اتخذت معظم كتابات ماركس الاقتصادية في الفترة الممتدة من عام 1844 إلى عام 1859 شكل نقدٍ للاقتصاد السياسي البرجوازي؛ إذ عارض مزاعم الاقتصاديين البرجوازيين القائلة بأن الرأسمالية نظام دائم وعالمي. كما أثبت أن الرأسمالية لا يمكن أن تستمر إلا لفترة محدودة، وأن مصيرها هو الزوال والاستبدال بنظام اجتماعي أرقى. وقد ركزت تحليلاته الاقتصادية اللاحقة - ولا سيما أجزاء عمله الرئيسي "رأس المال" - على كشف القوانين الاقتصادية للرأسمالية. ومن ثم، فإن التحليل المتعمق لعلاقات الإنتاج في ظل الرأسمالية - من حيث نشأتها وتطورها واضمحلالها - يشكل المضمون الرئيسي للاقتصاد السياسي عند ماركس.
لقد بنى الاقتصاديون البرجوازيون تحليلاتهم دائماً على أساس أنها علاقة بين أشياء، مثل تبادل سلعة بأخرى. غير أن ماركس بيّن أن الاقتصاد لا يعنى في الواقع بالأشياء، بل بالعلاقات بين الأشخاص، وفي التحليل الأخير، بالعلاقات بين الطبقات. ونظراً لأن إنتاج السلع هو السمة المهيمنة في ظل الرأسمالية، فقد استهل ماركس تحليله بدراسة السلعة؛ إذ أوضح أن تبادل السلع ليس مجرد تبادل بسيط للبضائع، بل هو تعبير عن علاقة بين منتجين أفراد في المجتمع يربط بينهم السوق.
وعلى الرغم من أن السلعة كانت موجودة منذ آلاف السنين، إلا أنها لم تبلغ ذروتها إلا مع التطور الهائل للنقد ونشوء الرأسمالية، حيث ربطت الحياة الاقتصادية لملايين المنتجين الأفراد في كيان واحد: السوق. بل إن الرأسمالية تحوّل عمل البروليتاري إلى سلعة تُباع وتُشترى بحرية في السوق؛ إذ يبيع العامل المأجور قوة عمله لمالك وسائل الإنتاج، أي للرأسمالي.
ويقضي العامل جزءاً من وقت عمله في إنتاج ما يعادل أجره، أي إنتاج ما يلزم لتغطية تكاليف معيشته ومعيشة أسرته، بينما يقضي الجزء الآخر من يوم عمله في الإنتاج من أجل بقاء الرأسمالي ونمو ثروته. ولا يتقاضى البروليتاري أي أجر مقابل هذا الإنتاج الذي يعود بالكامل إلى الرأسمالي. وهذه القيمة المضافة التي ينتجها العمال - فضلا عن القيمة اللازمة لدفع أجورهم - أطلق عليها ماركس اسم "فائض القيمة"؛ وهي تُعد مصدر الربح والثروة للطبقة الرأسمالية.
أماط اكتشاف مفهوم "فائض القيمة" اللثام عن طبيعة استغلال الطبقة العاملة، كما أبرز مصدر الصراع بين البروليتاريا والبرجوازية. ويُعد هذا الصراع الطبقي المظهر الرئيسي للتناقض الأساسي في المجتمع الرأسمالي: التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والطابع الخاص للملكية. وقد وصف إنجلز اكتشاف فائض القيمة هذا بأنه ثاني أهم اكتشافات ماركس (بعد المفهوم المادي للتاريخ)، بينما اعتبره لينين حجر الزاوية في النظرية الاقتصادية لماركس.
كما حلل ماركس بالتفصيل الأزمات الاقتصادية الدورية التي كانت تعاني منها الرأسمالية بانتظام، موضحاً أن الأزمات الرأسمالية تشكل مظهراً آخر للتناقض الأساسي في هذا النظام. وبذلك، كشف زيف ادعاءات الاقتصاديين البرجوازيين في ذلك الوقت، الذين زعموا أن الرأسمالية محصنة ضد الأزمات لأن آليات السوق كفيلة بحل جميع مشكلاتها، مؤكدين أن كل ما ينتجه الرأسمالي سيُباع تلقائياً في السوق.
غير أن ماركس أثبت أن آلية عمل الرأسمالية ذاتها تؤدي حتماً إلى الأزمات؛ فقد بيّن كيف يعمد الرأسماليون - مدفوعين برغبة جامحة ومستميتة في تعظيم الأرباح - إلى زيادة الإنتاج بشكل مفرط وجنونِي.
وفي الوقت نفسه، يسعى كل رأسمالي للحفاظ على معدل ربح مرتفع من خلال خفض أجور عماله، حتى لو أدى ذلك إلى دفعهم نحو الفقر المدقع. بما أن الطبقة العاملة تشكل الجزء الأكبر من المجتمع، فإن فقر هذه الطبقة يعني تلقائياً انخفاض قدرتها على شراء السلع المتاحة في السوق.
وهكذا، تسعى الطبقة الرأسمالية - من جهة - إلى زيادة إنتاج السلع المخصصة للبيع في السوق، بينما تعمل - من جهة أخرى - على خفض القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المشترين في السوق ذاتها. ويؤدي هذا بطبيعة الحال إلى تناقض حاد بين توسع الإنتاج وانكماش السوق؛ وتتمثل النتيجة في أزمة "فائض الإنتاج"، حيث تغص السوق بمنتجات لا تجد من يشتريها. وحينها، يُفلس العديد من الرأسماليين، ويُدفع بمئات الآلاف من العمال إلى البطالة القسرية ومواجهة المجاعة، في حين تظل المتاجر مكدسة ببضائع لم يعد أحد يملك القدرة المالية على شرائها.
وقد خلص ماركس أيضاً إلى أن الفوضى المصاحبة لأزمات الرأسمالية هذه لا يمكن حلها إلا بمعالجة التناقض الجوهري في النظام الرأسمالي، والمتمثل في التعارض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والطابع الخاص للملكية. ولا يتسنى ذلك إلا عبر الإطاحة بالنظام الرأسمالي وإرساء دعائم الاشتراكية والشيوعية، مما يضفي طابعاً اجتماعياً على ملكية وسائل الإنتاج.
بيّن ماركس أن القوة الاجتماعية التي ستقود هذه الثورة قد نشأت بفعل الرأسمالية ذاتها، ألا وهي طبقة البروليتاريا؛ فالبروليتاريا هي الطبقة الوحيدة التي لا مصلحة لها في استمرار نظام الاستغلال والملكية الخاصة القائم، وهي الطبقة الوحيدة التي تمتلك المصلحة والقدرة على بناء الاشتراكية.
كما حلل ماركس الكيفية التي كانت تؤدي بها كل أزمة إلى تفاقم تناقضات النظام الرأسمالي. لقد وصف عملية تركز رأس المال في أيدي حفنة من الرأسماليين تزداد ضيقاً مع كل أزمة؛ وقد كان ذلك يحدث بالتزامن مع تفاقم البؤس والسخط في أوساط الجماهير العريضة من العمال. ومع تزايد حدة تناقضات الرأسمالية، تتعاظم قوة الانتفاضات الثورية للبروليتاريا، مما يؤدي في النهاية إلى الثورة ومصادرة رؤوس أموال الرأسماليين وبناء مجتمع اشتراكي تتسم فيه الملكية بطابع اجتماعي ينسجم مع الطابع الاجتماعي للإنتاج.
بهذه الطريقة، يكشف ماركس - انطلاقاً من الوحدة الأساسية للاقتصاد، أي السلعة - عن طبيعة القوانين الاقتصادية التي تحكم الرأسمالية؛ وبذلك، فإنه يضع الأساس الاقتصادي العلمي للثورة الاشتراكية، ويحدد في الوقت ذاته الطريق نحو الشيوعية.
(يتبع)
نفس تلمصدر