من حزب النخبة إلى الحركة الجماهيرية، كيف نبني بديلًا اشتراكيًا؟ الجزء الثاني والثالث


هيوا عمر
2026 / 9 / 26 - 13:22     


الجزء الثاني والثالث

في الجزء الأول، عرّفنا هوية "اللیبرالیة الجدیدة في إقليم كردستان" بوصفها مزيجاً خطيراً من رأسمالية الأحزاب والعائلات واحتكار السلطة السياسية. وهنا السؤال الجوهري هو: عندما يرى النظام الإنسان مجرد مستهلك أو منطقة أو "عبد أجر"، فما هي مهمة القوى اليسارية والتقدمية؟ للإجابة على ذلك، يجب أن ننتقل من الشعارات العامة نحو الهيمنة الفكرية وبرنامج العمل، وينعكس هذا في عدة مجالات حية من الحياة كمسودة لمشروع بديل يمكن أن يتحقق في الواقع.

أولاً: مواجهة المشروع اللیبرالیة الجدیدة على الصعيد المنهجي والسياسي

لكي لا نقع في نفس خطاب النظام (الذي يتحدث فقط عن تغيير الأوجه)، يجب أن نغير اتجاه الصراع والتناقض بوصفه محور اللعبة، أي أن نختار طريقاً آخر لكي لا يوصلنا إلى نفس المكان والزمان ونفس نموذج عمل النظام، ويتم ذلك بفصل الطريق لا بالتنقيص منه أو بالاكتفاء بالنقد. يكون هذا الفصل في المنهج ومنطق التفكير والهيمنة الفكرية، لا في مجرد الألوان والرموز والأسماء. وهذا يتطلب تعديل اللعبة في عدة مستويات لكي توصلنا تلك الشبكات والمسارات الفرعية إلى طريق رئيسي آخر، بهدف تعديل الواقع المفروض علينا اليوم. لقد ذكرنا مطولاً في مقال مستقل مسبقاً أن طبيعة العمل الحزبي وإشكالية مفهوم الحزب والظروف التاريخية لكردستان قد جعلت اتجاه الصراع بين التوجهات الفكرية يتحول من صراع إلى خصومة وتأحيد للشخصيات، فضلاً عن تلاشي الخطوط الفكرية الفاصلة بوضوح. لكن هذا لا ينبغي أن يستمر ولن نستطيع الاستمرار فيه، لأن واقع الحياة وطبيعة السلطة قد تغيرا أيضاً. أحد أسباب عدم جدوى الصراع التاريخي والاختلاف بين الأطراف السياسية في تجربة الحكم بإقليم كردستان هو غياب الخط الفاصل الفكري الواضح الذي ينعكس بحدة في برامجنا ومورالنا السياسي والفكري والاجتماعي.

على الصعيد السياسي: تحويل الصراع من "تنافس حزبي" إلى "صراع حقوق". يجب ألا نختزل المشكلة في الفساد كموضوع منفصل فحسب، بل يجب أن ننظر إلى "نظام العمل" باعتباره البيئة المنتجة للفساد وفاسدية غالبية المسؤولين. إن لم يتم تعديل هذا النظام، حتى وإن دخلناه سنصبح نحن أيضاً فاسدين وفاسدات على المستوى السياسي والاجتماعي والمالي، وغالباً ما كان الأمر كذلك.

المواطن الكردستاني الفاعل، كيف نجعل الناس أصحاب قرار؟ الديمقراطية والمجتمع الديمقراطي مرتبطان بمستوى المشاركة السياسية وفاعلية الجميع بشكل واسع الجذور. السياسة ليست مجرد تصويت كل أربع سنوات؛ بل يجب إنشاء لجان الأحياء والنقابات الحرة. عندما تصبح الكهرباء مشكلة في حي ما، يجب ألا يقتصر الناس على التذمر، بل أن يشكلوا ضغطاً تنظيمياً بصفتهم مواطنين أصحاب حقوق. عندما يرى الناس آلية أخرى للتنظيم الذاتي ويشعرون بقدرتهم وقوتهم، فإنهم يتحولون من حالة التذمر إلى الوعي السياسي، ويفهمون أن غلاء البنزين وعدم وجود تغذیة کافیة على مائدة الطعام وقضایا البيئة مرتبطة بذلك النظام السياسي الذي تجاهلهم. عندما يدرك الإنسان أن مشاكله الشخصية (بطالة، اكتئاب، فقر) لها جذور سياسية، ستتولد لديه إرادة المشاركة السياسية بدلاً من الشعور بالعجز والعدمية؛ بشرط أن يرى ويشعر بنموذج آخر للتفكير والعمل والأخلاق العملية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. هذا جزء من عملية بناء حياة أفضل. وكما يعلمنا شعر (مارتن نيمولر)، فإن الصمت إزاء اضطهاد الآخر يوقع الجميع في النهاية في الفخ.

تريد اللیبرالیة الجدیدة الكردية أن نكون و کأفراد متناثرین، لأن الإنسان الوحيد ينكسر سريعاً. مهمة اليسار والقوى التقدمية اليوم هي إعادة بناء "نحن- المجتمع" من جديد. مواجهة هذا النظام لا تكون بتغيير السلطة فحسب، بل بتغيير طريقة تفكيرنا ومشاركتنا حول الحقوق، الخبز، الحرية، والإدارة الذاتية. اليأس هو سلاح اللیبرالیة الجدیدة الأكبر، وعملنا هو تنظيم الأمل على شكل إدارة ذاتية سليمة وعمل جماعي وجماهيري.

ثانياً: على الصعيد الاقتصادي

تقديم نموذج اقتصادي جماهيري: بدلاً من الاكتفاء بالنقد، يجب المطالبة بـ "قانون حماية الإنتاج المحلي ودعم الصناعة والمشاريع الصغيرة" لكسر احتكار شركات الأحزاب.
إحياء ثقافة "التعاونیة والتعاونیات" في مواجهة التشتت: تقسم اللیبرالیة الجدیدة المجتمع (كلٌ لنفسه)، لكن يمكننا الاستفادة من تاريخ "التعاونیة" و"روح التضامن" التي لها جذور تاريخية واجتماعية مشتركة في قرانا. يمكن لليسار إيجاد مصادر وطرق الاستقلال الاقتصادي والمالي، وتحفيز الناس وإرشادهم لتأسيس "جمعيات تعاونية" في قطاعات الزراعة والتجارة الصغيرة، بحيث تكون الأرباح للجميع وليس لمالك واحد. هذا نوع من الدفاع الاقتصادي والشعبي.
شبكة الدعم الاجتماعي: عندما تزيل الحكومة التأمين وتتحول كل القطاعات إلى قطاعات خاصة ومدفوعة الثمن، يجب على القوى المدنية بناء شبكات تعاون لكي لا يشعر أي عامل بالطرد من العمل أو المرض بالوحدة ولا يلقى به في الشارع. هذه هي سياسة التضامن التي تعيد قوة التجمع للمجتمع بدل التسول من أجل العيش أمام أبواب الأحزاب والمصلحين.
إلغاء الخصخصة والعودة إلى "القطاع العام": القطاعات الحساسة المرتبطة بالاحتياجات الأساسية لحياتنا اليومية يجب أن تُرسم لها خطوط حمراء (الصحة، التعليم، الماء والكهرباء). ويجب العمل على إلغاء جميع الأجزاء التي خُصخصت في هذه القطاعات. يمكن أن توجد مدارس خاصة، كما في دولة مثل السويد، ولكن يجب ألا تكون مدفوعة الثمن، بل تقع مسؤوليتها على عهدة الحكومة لتخصيص ميزانية لها كما تفعل مع المدارس الأخرى. يجب أن تكون خارطة طريقنا هي: "كل أموال الضرائب وإيرادات البلاد يجب أن تذهب لتحسين جودة المستشفيات والمدارس الحكومية، وليس للقطاعات الأمنية وجيوب الأحزاب والعائلات."
الضرائب التصاعدية من أجل العدالة: إعادة النظر في السياسة الاقتصادية وإعادة توزيع الثروة؛ ففي نموذج الحكم الحالي تستند كافة المعايير والقوانين والتعليمات إلى خلق تفاوت طبقي أكبر، وهذا ما جعل عدداً قليلاً من اصحاب الملیارات اوالملاین يحتكرون غالبية ثروة المجتمع على حساب الدخل اليومي للطبقة الوسطى والعمال والفلاحين والشباب والمهمشين. أحد الآليات هو نظام الضرائب النسبية التصاعدية؛ بحيث كلما زاد دخل الشركات ورأسمالها، زادت نسبة الضريبة. يجب أن تذهب عائدات الضرائب أيضاً نحو القطاعات العامة والخدمات العامة الأساسية مثل (الصحة، التعليم، الماء والكهرباء). وهذا يتطلب إنشاء صندوق للتنمية لكي لا تذهب الضرائب المأخوذة من الشركات العملاقة والبنوك الحزبية إلى خزينة الحزب، بل تذهب إلى صندوق مستقل تُصرف على (إعانات البطالة ودعم الشباب الخريجين والقطاعات الأساسية).

ثالثاً: على الصعيد الاجتماعي تريد اللیبرالیة الجدیدة اختزال العلاقات الاجتماعیة سواء في مستوی الافراد والجماعات في المصلحة المادية البحتة. مهمة اليسار هنا هي إحياء مفهوم الكرامة والتعاون الجماعي وتعزيز الحياة المعنوية للوقوف ضد تسليع الإنسان. العمل التعاوني والمشاريع المالية المشتركة، وقبل أن تكون رابطة مالية، هي علاقة إنسانية وإحياء للتعاون والشراكة الاجتماعية، مما يعزز الشعور بالحاجة إلى الآخر وبالعمل المشترك ويفرضه كضرورة حضارية.

في الجزء الأول والثاني من هذه السلسلة من المقالات، طرحنا عدة رؤى حول هوية اللیبرالیة الجدیدة الكردية وأفكار وبرنامج اليسار البديل. ولكي تتحول النظرية والبرنامج والشعار إلى خارطة طريق عملية، فإن هذا الجزء (الجزء الثالث) يصبح جزء الفعل والتنظيم (الآلية)، حيث يُطرح فيه تقييم وعرض لعدة مسائل من هذا القبيل كمكمل للأجزاء الأخرى. أي تجربة تحتمل أخطاء ونقائص بحسب خصائصها وهو أمر طبيعي، ولكن إن أعطت نفس النتيجة في معظم الأماكن وعلى مر الزمان، ولم تنتج سوى اليأس والركود بدل الأمل والبناء، فهنا يجب وضع الأسس المشتركة التي اعتمدت عليها محل تساؤل وتعريضها للأزمة، ثم هدمها وإعادة بناءها من جديد. وهنا تعد مسألة هيكل التنظيم الجماهيري والحزبي إحدى المسائل التي تتطلب مراجعة شاملة، بهدف تعزيز المجتمع من القاعدة وفي عصر متغير. في الوقت الذي لا يبدو فيه عالم اللیبرالیة الجدیدة اليوم -رغم التطورات التقنية- أكثر إشراقاً للعمال، القوميات المضطهدة، النساء، الطبيعة والمهمشين، بل ربما أشد ظلمة من القرن الماضي. ولكن على الصعيد العملي والتنظيمي، لم يُستطَع إطلاق حركة جماهيرية يسارية واشتراكية على الأقل في هذا الجزء من كردستان. يأتي هذا في وقت أُعْتُصِرَت فيه آلية المشاركة السياسية في الفضاء العام لتقتصر على التصويت في الانتخابات كل أربع سنوات. وهذا لا يثمر سوى تعزيز السلطة المركزية وتهميش الأغلبية. وفي باقي جوانب الحياة السياسية والأحزاب، بُثَّ نفس النموذج والآلية كبوابة وحيدة للمشاركة السياسية وسُمّي بـ "الديمقراطية". وإن كان هذا أفضل آلية للقوى اليمينية لتثبيت سلطة الأقلية على الأغلبية، فهو أسوأ آلية بالنسبة للقوى اليسارية والاشتراكية التي وقعت تحت نفس الخطاب وهيمنة سردية النظام.

عدة آليات للنقاش خارج الخطاب وآليات النظام السائد:

أولاً: تغيير هيكل العمل (من الهرمي إلى الأفقي) تكمن المشكلة الكبرى للليسار الكلاسيكي في تقوقعه داخل المقرات، والهرمية الحزبية واختزال العمل السياسي في الانتخابات، مما خلق نوعاً من الحياة البيروقراطية الحزبية والسياسية. ولكي نخرج من عقلية "جلوس المقرات" واختزال المشاركة السياسية (التي تقتصر فقط على آلية التصويت)، يجب أن نعدل نظام العمل دون إضفاء الطابع الشخصي على مشاكلنا وأزماتنا.

ثانياً: المراكز المدنية بدل المقرات يجب على القوى اليسارية تحويل المقرات السياسية الكلاسيكية إلى مراكز خدمية وثقافية داخل الأحياء والقرى. مكاناً لـ: دعم الطبقات والفئات، دورات التعليم، مكتبات الأحياء ومركز لحل المشاكل اليومية، وليس مكاناً لاجتماع أعضاء الحزب فقط.

ثالثاً: المنصات الأفقية إنشاء شبكة من المجموعات الصغيرة (لجان الأحياء، مجموعات حماية البيئة، الطلاب والشباب، النساء والمبعدين وكبار السن) المرتططة ببعضها البعض، دون أن يتخذ قائد أعلى واحد القرار. هذا يجعل روابط التضامن الاجتماعي قوية من جهة ويجعل الأفراد يشعرون بإرادتهم السياسية والاجتماعية، ومن جهة أخرى يمنع أي سلطة من تعطيل الحركة باعتقال بضعة أشخاص.

رابعاً: الاشتراكية كبناء هنا تتحول الاشتراكية من لحظة السيطرة على المتاريس ورفع علم انتصار الثورة، أو كأمر ديني (كن فيكون)، إلى عملية بناء وتغيير خطوة بخطوة، كعملية متماسكة ومتداخلة. وهذا يمنع استنزاف طاقة الثورة في قضايا الهدم والإبادة، بل يتم تركيزها نحو عملية تاريخية وسياسية واقتصادية وثقافية لإعادة البناء.

خامساً: التعثر في فخ الانتخابات لا يجب أن تكون استراتيجية الحركة الاشتراكية الوصول إلى البرلمان فحسب، لأن البرلمان في نظام الرأسمالية-اللیبرالیة الجدیدة وُجد فقط "للتجميل". وعلى الرغم من أن البرلمان قد يكون إحدى قنوات المشاركة السياسية، إلا أن تعزيز قوة الجماهیر من قاعدة المجتمع إلى جانبه يخفف من شعور الاغتراب والعجز؛ لأنه عندما يتعلم التدخل والمشاركة في التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية ويرى النتائج، فإن المعنى الماركسي لـ "طبقة بذاتها" يتحول هنا إلى "طبقة لأجل ذاتها"، كما يتطور الوعي الاشتراكي والعمل الجماعي.

سادساً: تدقيق آليات حشد الناس حول مشروع البديل لكي ينزل الناس إلى الميدان في المدن والقرى والمعامل والجامعات وتتقوى القوى المختلفة، فإننا بحاجة إلى بعض التفاصيل:

• في الجامعات: العمل على التعليم المجاني، الجودة العالية، ورفض خصخصة الجامعات.

• في المعامل والقطاع الخاص: إنشاء صناديق دعم العمال (خارج سلطة الحزب). عندما يُطرد عامل ما، تدعمه هذه الصندوق وهذه الحركة، لا مجرد الشعارات.

• في القرى: تشجيع الجمعيات التعاونية لإنتاج وبيع منتجاتهم.

يجب أن نؤكد على ألا يكون العمل المشترك للقوى المعارضة والتقدمية محصوراً في قائمة الانتخابات. يجب تشكيل "جبهة الخبز والحرية" التي تُنظر فيها (أجور العمل والرواتب، العدالة، البيئة وحقوق المرأة) كحزمة واحدة لا تقبل التجزئة. وهنا، يتم تجاوز القومية المزيفة للسلطة فقط بـ "وطنية اشتراكية"؛ حيث تكون أرض الوطن للجميع، وليست لعدة شركات حزبية. يصبح الفعل السياسي هنا يومياً؛ فلا يظهر اليسار في المناسبات السياسية فحسب، بل يُرى حضور‌ه المباشر في مشاكل؛ مياه الحي، غلاء الخبز، أسعار البنزين، الوقود، الكهرباء، الصحة، الظلم الممارس على موظف في القطاع الخاص، وصولاً إلى مواجهة العقلية الشوفينية للمركز، حيث يُرى الفعل الجماعي والاشتراكي وتصبح الأفعال اجتماعية.

إن اختلاف هذه الآليات عن غيرها يكمن في زيادتها والعودة بها لتعزيز سلطة الشعب. لا اختزالها في قاعات البرلمان، بل استمداد الناس للقوة من قاعدة المجتمع من أجل أنفسهم وبأنفسهم.