العمال وأصحاب العمل وحوادث العمل العامل الفلسطيني بين مخاطر الحرّ والاستغلال وغياب الحماية


جهاد عقل
2026 / 9 / 23 - 17:20     

في ظل موجات الحرّ غير المسبوقة، لاحظنا ارتفاعًا في حوادث العمل، ولا سيما في قطاع البناء. فالعامل الذي يؤدي عملًا جسديًا شاقًا تحت درجات حرارة مرتفعة جدًا يجد نفسه في ظروف بالغة القسوة، خصوصًا مع احتمال تعرضه للجفاف والإجهاد الحراري، وما يرافق ذلك من فقدان التركيز وازدياد خطر وقوع حوادث العمل.

وقد رفعت النقابات العمالية في أنحاء مختلفة من العالم صوتها مطالبةً بتوفير الحماية للعمال، بعدما اجتاحت موجات حرّ شديدة وغير مسبوقة عددًا من القارات، في ظل التغيرات المناخية والاحتباس الحراري اللذين يشهدهما عالمنا.

ففي الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية وغيرها من المناطق، خاضت النقابات تحركات نضالية إثر ارتفاع عدد إصابات العمل المرتبطة بالحرارة، ومنها إصابات قاتلة. وفي فرنسا، على سبيل المثال، نُسبت إلى موجات الحرّ وفاة أكثر من ألفي شخص، فضلًا عن الإصابات التي قد تتسبب بإعاقات دائمة ومعاناة طويلة للمصابين وعائلاتهم. وهذا يفرض التعامل مع الإجهاد الحراري باعتباره خطرًا مهنيًا جديًا، يستوجب تشديد إجراءات الوقاية والحماية في مواقع العمل.

وحشية بعض أصحاب العمل

من خلال متابعتي لحوادث العمل وتزايدها، لفت انتباهي ما يتعرض له بعض العمال الفلسطينيين من استغلال ومعاملة غير إنسانية على أيدي بعض أصحاب العمل.

منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أُلغيت تصاريح العمل التي كانت تتيح للعمال الفلسطينيين العمل في إسرائيل، ولا سيما في قطاع البناء. وأمام فقدان مصدر رزقهم، اضطر بعض هؤلاء العمال إلى الدخول من دون تصاريح، في محاولة لتوفير لقمة العيش لعائلاتهم التي بقيت بلا دخل يمكّنها من العيش بكرامة.

لكن سلطات الاحتلال لاحقت هؤلاء العمال، وتعرض من أُلقي القبض عليهم للسجن وفرض الغرامات المالية، مع تمديد مدة السجن في بعض الحالات عند تعذر دفعها. كما أصيب عدد من العمال أثناء محاولتهم اجتياز جدار الفصل، سواء في أجزائه الإسمنتية أم الشائكة، فضلًا عن تعرض بعضهم لإطلاق النار من جانب جيش الاحتلال، ما أدى إلى وقوع إصابات وحالات وفاة.

وفي ظل هذه الأوضاع، استغل عدد من أصحاب العمل حاجة العمال الفلسطينيين وهشاشة وضعهم، فشغّلوهم بأجور متدنية ومن دون توفير شروط العمل والحقوق المنصوص عليها في قوانين واتفاقيات العمل. وبرّر بعضهم هذا الاستغلال بالقول إن تشغيل عامل لا يحمل تصريحًا يعرّض صاحب العمل للمساءلة إذا أُلقي القبض عليه.

لكن المأساة الأكبر تظهر عندما يتعرض هؤلاء العمال لحوادث عمل. فمن خلال رصد عدد من الحالات، اتضح أن ممارسات بعض أصحاب العمل، ومن بينهم عرب، بلغت مستوى صادمًا من القسوة وانعدام المسؤولية؛ إذ تُرك عمال مصابون في مناطق مهجورة إلى أن عثر عليهم المارة، أو نُقلوا إلى أماكن سكناهم من دون توفير العلاج الطبي اللازم لهم.

وقبل مدة وجيزة، تابعتُ حادث عمل وقع في ورشة بناء بمنطقة بيت ليد، راح ضحيته عامل فلسطيني. وعلى الرغم من محاولاتنا الحصول على تفاصيل حول الحادث وهوية العامل وظروف وفاته، فإن تلك المحاولات باءت بالفشل.

وجاءت أخيرًا قضية العامل عمر علي السدّة، من قرية جيت في محافظة قلقيلية، الذي أُعلن عن وفاته هذا الأسبوع. وبحسب ما أفادت به عائلته، كان عمر قد اتصل بوالدته قبل وفاته بأيام وأبلغها بأنه سقط عن سقالة أثناء عمله في ورشة داخل الخط الأخضر، وأن المقاول الذي عمل لديه وعده بنقله إلى المستشفى لتلقي العلاج.

غير أن تقرير التشريح الجنائي الذي يُفترض أن يحدد سبب الوفاة لم يصدر بعد؛ ولذلك لا يمكن، في هذه المرحلة، الجزم بأن وفاة العامل عمر السدّة نجمت عن سقوطه في ورشة العمل، أو ربطها بسبب آخر. كما لا يجوز إصدار أحكام قاطعة بشأن المسؤولية قبل استكمال التحقيقات الرسمية والطبية وكشف جميع ملابسات القضية.

ومع ذلك، فإن المعلومات التي نقلتها العائلة عن تعرض عمر للسقوط خلال العمل، والظروف التي سبقت العثور عليه متوفى، تثير أسئلة جدية لا يجوز تجاهلها: هل عُرض العامل على طبيب بعد سقوطه؟ هل نُقل إلى المستشفى؟ وهل تلقى العلاج الذي كانت تستدعيه حالته؟ ومن تحمّل مسؤولية متابعته بعد الإصابة؟

إن طرح هذه الأسئلة لا يعني استباق نتائج التشريح أو التحقيق، بل يؤكد ضرورة إجراء تحقيق جدي وشفاف يكشف تسلسل الأحداث منذ سقوط العامل المبلغ عنه وحتى وفاته، ويحدد ما إذا كانت هناك علاقة بين إصابته ووفاته، وما إذا وقع تقصير في إسعافه أو توفير الرعاية الطبية اللازمة له.

وتعيد هذه القضية، بصرف النظر عما ستخلص إليه التحقيقات، تسليط الضوء على الواقع القاسي الذي يواجهه العمال الفلسطينيون الباحثون عن فرصة عمل تضمن لعائلاتهم لقمة عيش كريمة، في ظروف تجعلهم عرضة للاستغلال والملاحقة وغياب الحماية القانونية والصحية.

لقد نشأ هذا الواقع المأساوي نتيجة السياسة الحكومية الإسرائيلية التي حرمت العمال الفلسطينيين من تصاريح العمل وفرص العمل اللائق. لكن ذلك لا يعفي أصحاب العمل من مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، ولا يمكن التسامح مع استغلال العامل أو التخلي عنه عندما يتعرض للإصابة.

إن حياة العامل ليست عبئًا يمكن التخلص منه، وغياب تصريح العمل لا يلغي حقه في الإسعاف والعلاج والحماية والكرامة. ومن هنا، لا بد من انتظار تقرير التشريح الجنائي، إلى جانب فتح تحقيق شامل وشفاف في ظروف وفاة العامل عمر علي السدّة، ونشر نتائجه ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو مسؤوليته، فضلًا عن تشديد الرقابة على أماكن العمل وضمان الحماية لجميع العمال، بصرف النظر عن هويتهم أو وضعهم القانوني.