حق المرأة في التصويت و النضال الطبقي


روزا لوكسمبورغ
2026 / 9 / 20 - 10:40     

ترجمة : يحيى مراد
"لماذا لا نجد في ألمانيا منظمات للنساء العاملات ؟ ولماذا لا يُسمع سوى القليل عن حركة العاملات؟"
بهذه الكلمات افتتحت إيما إهرر، إحدى رائدات الحركة النسائية البروليتارية في ألمانيا، كتيبها الصادر عام 1898: "العاملات في الصراع الطبقي". مضي علي ذلك بالكاد أربعة عشر عاماً، فإذا بالحركة النسائية البروليتارية في ألمانيا قد نهضت نهوضاً قوياً واتسع مداها. فهناك اليوم أكثر من مئةٍ وخمسين ألف عاملة منظمات نقابياً يشكلن طليعة الصفوف في نضال البروليتاريا الاقتصادي. وعشرات الآلاف من النساء المنخرطات سياسياً قد إلتففن حول راية الاشتراكية الديمقراطية ، والصحيفة النسائية التابعة للاشتراكية الديمقراطية يزيد عدد مشتركيها على المئة ألف. وقد غدا مطلب منح المرأة حقّ الانتخاب مطروحاً على جدول أعمال الحياة السياسية للاشتراكية الديمقراطية.
استنادا إلي هذه الحقائق، يظن البعض أنه من السهل التقليل من دلالة النضال من أجل حق المرأة في الإنتخاب. فقد يفكرون: حتى من دون المساواة السياسية للنساء حققنا تقدماً باهراً في توعية النساء وتنظيمهن، وبالتالي فإن حق المرأة في الإنتخاب ليس أمرا ضروريا اليوم ولا في المستقبل القريب. ولكن من يفكر على هذا النحو إنما يقع في وهم كبير.
إن هذه اليقظة السياسية والبرلمانية للنساء من البروليتاريا في الخمسة عشر عاما الأخيرة كانت لأن المرأة العاملة -رغم حرمانها من الحقوق السياسية- تتحمل الجزأ الأكثر نشاطا في الحياة السياسية و النضالات البرلمانية لطبقتها. فالبروليتاريات ما زلن يعشن حتي اليوم علي ثمار حق الرجال في الإنتخاب. ويشاركن فيه فعليا ولو بصورة غير مباشرة . فقد أصبح الصراع الإنتخابي للرجال كما للنساء من أبناء الطبقة العاملة ، نضالا مشتركا. في جميع اجتماعات الناخبين الإشتراكيين الديمقراطيين تشكل النساء جمهورا كبيرا، يكون أحيانا هو الغالب عددا ، وهو دائما جمهور يقظ، متحمس، شديد الانخراط في النقاش. في جميع الدوائر الإنتخابية التي يوجد بها منظمات ديمقراطية اجتماعية راسخة، تشارك النساء في أعمال الحملات الإنتخابية، كما يعود لهن فضل كبير في توزيع المنشورات واستقطاب المشاركين في الصحافة الاشتراكية الديمقراطية، والتي تعد السلاح الأهم في المعركة الإنتخابية.
لم تستطع الدولة الرأسمالية أن تمنع النساء من التحمل والقيام بكل هذه الأعباء والواجبات في الحياة السياسية. فاضطرت هي نفسها، إلي تهيئة الظروف لهن و تأمينها عبر منحهن حق الإجتماع و إنشاء الجمعيات. غير أنها لا تريد التسليم لهن بالحق السياسي الأخير ، حق إيداع ورقة الإقتراع، والحق في المشاركة المباشرة في تقرير شؤون التمثيل الشعبي في الهيئات التشريعية والإدارية، والإنتماء لهذه الهيئات كأعضاء منتخبين. هذا الحق وحده ترفض الدولة منحه للنساء.
ولكن هنا كما في سائر مجالات الحياة يقال "تصدي للمشاكل قبل أن تتفاقم". لقد تراجعت الدولة الحالية أمام نساء البروليتاريا منذ اللحظة التي سمحت لهن فيها بحضور الإجتماعات العامة والانضمام إلى المنظمات السياسية، ولم تفعل ذلك طوعا، بل خضوعا لضرورة ملحة تحت الضغط الذي لايقاوم للطبقة العاملة الصاعدة. وأخيرا كان التقدم العاصف للبروليتاريات هو ما أرغم الدولة البوليسية الألمانية علي التخلي عن -القسم النسائي الشهير- في الجمعيات السياسية، وفتح أبواب المنظمات السياسية على مصراعيها أمام النساء. وهكذا تسارعت وتيرة الأحداث. إن التقدم المتواصل للنضال الطبقي البروليتاري دفع النساء العاملات إلى دوامة الحياة السياسية. وبفضل استغلالهن لحق الإجتماع و تأسيس الجمعيات، انتزع البروليتاريات لأنفسهن أكبر نصيب ممكن في الحياة البرلمانية والحملات الإنتخابية. واليوم، لم يعد هذا إلا نتيجة محتومة لا يمكن إنكارها للحركة، وهي أن ملايين النساء البروليتاريات يهتفن بكل ثقة: أعطونا نحن النساء الحق في التصويت والانتخاب.
في السابق، في الأيام الخوالي من الحكم الاستبدادي الذي سبق ثورة مارس، كان من الشائع أن يقال على الشعب العامل إنه لايزال غير مستعد لممارسة حقوقه السياسية. أما اليوم لا يمكن أن يقال ذلك عن نساء البروليتاريا، لأنهن اثبتن جاهزيتهن لممارسة حقوقهن السياسية. فالجميع يعرف أنه من دونهن، وبدون المساعدة الحماسية من النساء البروليتاريات، لما كانت الاشتراكية الألمانية قد حققت في الثاني عشر من يناير ذلك الانتصار الباهر بحصولها على أربعة ملايين وربع المليون صوت.
ولكن رغم ذلك: كان على الشعب العامل دائما ان يثبت استعداده لنيل الحرية السياسية عبر نهوض جماهيري ثوري منتصر. فعندما كان الحاكم المعين من قبل الله علي العرش و أنبل و أفضل أبناء الأمة، يشعرون بقبضة البروليتاريا القاسية علي أعينهم، وركبتها على صدورهم، حينها فقط لمع في أذهانهم فجأة الإيمان "بنضج وجاهزية" الشعب السياسي.
اليوم جاء دور نساء البروليتاريا ليجعلن الدولة الرأسمالية تعي جاهزيتهن. سيتحقق ذلك من خلال حركة جماهيرية قوية ومستدامة ، تُستخدم فيها جميع وسائل النضال والضغط البروليتاري.
إن حق المرأة في الإنتخاب هو الهدف المنشود، ولكن الحركة الجماهيرية من أجله ليست شأنا نسوياً فقط. بل هي مسألة طبقية، مشتركة بين نساء و رجال البروليتاريا. إن حرمان المرأة من الحقوق في ألمانيا اليوم ليس سوى حلقة في سلسلة الرجعية التي تكبّل حياة الشعب، وهو مرتبط بشدة بالركيزة الأخرى لهذه الرجعية: الملكية. في ألمانيا الرأسمالية الصناعية اليوم ، في القرن العشرين في عصر الكهرباء و الطائرات، فإن حرمان المرأة من حقوقها السياسية يصبح بقايا رجعية تمامًا كسيطرة "حق الحكم الإلهي" على العرش.
هاتان الظاهرتان: الأداة السماوية بوصفها القوة المهيمنة في الحياة السياسية، والمرأة التي كانت تجلس بعفة عند موقد البيت، بعيدة عن عواصف الحياة العامة، عن السياسة وصراع الطبقات .هاتان الظاهرتان كلتاهما متجذرتان في أوضاع الماضي المتعفنة، في زمن القنانة في الريف والطوائف الحرفية في المدن. في تلك الأزمنة كانتا مفهومتين وضروريتين. أما اليوم، كلتا الظاهرتين: الملكية وحرمان المرأة من حقوقها قد اقتلعتهما من جذورهما التطورات الرأسمالية الحديثة، و أصبحا من الماضي. ومع ذلك فهما مستمرتان في المجتمع الحديث، ليس لأن الناس نسوا إلغائهما، ولا بسبب مجرد العناد أو خمول الأوضاع. لا، إنهما لا تزالان قائمتين لأن كلتاهما قد أصبحتا أدوات قوية لمصالح معادية للشعب. فخلف العرش والكنيسة، وكذلك خلف استعباد المرأة السياسي، يتحصّن اليوم أسوأ وأكثر ممثلي استغلال البروليتاريا وإستعبادها. لقد أصبحت الملكية وحرمان المرأة من الحقوق من أهم أدوات سيطرة الطبقة الرأسمالية.
إن الدولة الحالية لا تهتم سوى بأن تحرم النساء العاملات من حق الإنتخاب فهي تخشى منهن، على جميع المؤسسات العتيقة لحكم الطبقات: على العسكرة، الذي لا بدّ لكل بروليتارية واعية أن تكون عدوتها، وعلى الملكية، وعلى نظام السلب القائم على الرسوم والضرائب على أقوات الناس، وما إلى ذلك. إن حق النساء في الانتخاب هو رعب للدولة الرأسمالية اليوم، لأن من ورائه تقف ملايين النساء اللواتي سيقوين العدو الداخلي، أي الاشتراكية الديمقراطية الثورية.
ولو كان الأمر بيد نساء البرجوازية، لما كان للدولة الرأسمالية أن تنتظر منهن سوى تأييد كامل للرجعية.
فأكثر النساء البرجوازيات اللواتي يثرن ضجيجًا في معركتهن ضد "امتيازات الرجال"، سيتحولن، إذا امتلكن حقّ الانتخاب، إلى حملان وديعة تسير مع ركاب الرجعية المحافظة ورجعية رجال الدين. بل إنهن بلا شك سيكنّ أكثر رجعية من رجال طبقتهن أنفسهم. وإذا استثنينا القلة القليلة منهن اللواتي يمارسن عملا مهنيا، فإن نساء البرجوازية لا يشاركن في الإنتاج الاجتماعي، إنهن مجرد مستهلكات لفائض القيمة الذي يعتصره أزواجهن من البروليتاريا، إنهن طفيليات للطفيليات على جسد الشعب. وغالبًا ما يكون هؤلاء أشد قسوة في الدفاع عن حقهم في الوجود الطفيلي أكثرمن الحاملين المباشرين لحكم الطبقة واستغلالها. لقد أثبت تاريخ كل المعارك الثورية الكبرى ذلك إثباتاً مروعًا. فعندما سقط حكم اليعاقبة في الثورة الفرنسية الكبرى، وسيق روبسبير مكبلاً على العربة إلى ساحة الإعدام، أدت نساء البرجوازية العاريات، المخمورات بالنصر، رقصات فرح عارمة حول بطل الثورة الساقط في شوارع المدينة. وعندما هُزمت كميونة باريس العمالية البطولية بمدافع الرشاشات سنة 1871، تجاوزت نساء البرجوازية الغاضبات حتى رجالهن الوحشيين في انتقامهن الدموي من البروليتاريا المهزومة. إن نساء الطبقات المالكة ستظل دائما مدافعات عن استغلال واستعباد الشعب العامل وإخضاعه، فهن يتلقين منه الوسائل اللازمة لوجودهن الغير مفيد اجتماعيا.
اقتصاديًا واجتماعيًا، لا تمثّل نساء الطبقات المستغِلّة طبقةً مستقلة في المجتمع. فهن لا يؤدين سوى الوظيفة الاجتماعية بوصفهن أدوات للإنجاب الطبيعي لصالح الطبقات الحاكمة. أما نساء البروليتاريا فمستقلات اقتصاديا، يؤدّين عملا منتجا للمجتمع كما يفعل الرجال تماما. وليس المقصود هنا أنهن يساعدن الرجل عبر العمل المنزلي على تدبير القوت اليومي للأسرة بالأجر الضئيل وتربية الأطفال؛ فمثل هذا العمل غير منتج في نظر النظام الرأسمالي القائم اليوم، مهما تجسد في آلاف المتاعب الصغيرة وما ينطوي عليه من تضحية وبذل هائلين. إنه ليس سوى شأن خاص للعامل، سعادته وبركته، ولذلك يعد فارغ القيمة بالنسبة للمجتمع الراهن. لا يعد أي عمل مُنتجاً ــ ما دامت هيمنة رأس المال ونظام الأجور قائمين ــ إلا ذلك العمل الذي يخلق فائض قيمة، الذي يدر ربحاً رأسماليا. ومن هذا المنظور، تُعد الراقصة في صالة الرقص ، التي تجني الربح إلى جيب رب عملها بساقيها، عاملة منتجة، بينما تُحسب كل مشقات النساء والأمهات البروليتاريات، داخل جدران بيوتهن، نشاطا غير منتج. قد يبدو هذا الكلام فظا و عبثيا، لكنه يطابق تماما وحشية النظام الرأسمالي القائم اليوم وعبثيته ، وإدراك هذه الحقيقة الفظة هو الضرورة الأولى للنساء البروليتاريات.
من هذا المنظور بالتحديد أصبح الآن حق العاملات البروليتاريات في المساواة السياسية قائما على أساس اقتصادي واضح. فهناك ملايين النساء البروليتاريات ينتجن اليوم الربح الرأسمالي تماما مثل الرجال في المصانع، والورش، والزراعة، والصناعات المنزلية، والمكاتب، والمتاجر. وهن بذلك منتجات بالمعنى العلمي في المجتمع الحديث. كل يوم يزداد عدد النساء اللواتي يستغلهن النظام الرأسمالي، وكل تقدم جديد في الصناعة والتقنية يفتح مجالا جديداً لعمل النساء في آلية تحقيق الربح الرأسمالي. وبهذا يضيف كل يوم، وكل تقدم صناعي، حجرا جديدا إلى الأساس المتين للمساواة السياسية للمرأة.
لقد أصبحت الحاجة الإقتصادية نفسها إلى تعليم النساء وإلى تدعيم قدرتهن الفكرية أمرا ضروريا الآن. فالمرأة المحدودة، البعيدة عن العالم، المنتمية إلى "موقد المنزل" لا تصلح اليوم لمتطلبات الصناعة الكبرى والتجارة، ولا لمتطلبات الحياة السياسية. صحيح أن الدولة الرأسمالية قد أهملت واجباتها في هذا الشأن أيضاً. وحتى الآن قامت المنظمات النقابية والإشتراكية الديمقراطية بمعظم وأفضل ما تم إنجازه لإيقاظ وعي النساء وتثقيفهنّ. فكما كان الاشتراكيون الديمقراطيون في ألمانيا قبل عقود معروفين بأنهم أفضل العمال و أكثرهم كفاءة و ذكاء، كذلك أصبحت نساء البروليتاريا اليوم، عبر الاشتراكية والنقابات، منقذات من الهواء الخانق لوجودهن الضيق، ومن تفاهة الحياة المنزلية وضيق أفقها وانعدام روحها. لقد وسع النضال الطبقي البروليتاري من آفاقهن، ونمى قدرتهن على التفكير، وأعطى تطلعاتهن أهدافاً عظيمة. وقد أحدثت الاشتراكية النهضة الفكرية لكتلة النساء البروليتاريات، وجعلتهن دون شك عاملاتٍ منتجات أكفاء لرأس المال.
بعد كل هذا، تصبح الحالة التي تعيشها النساء البروليتاريات من انعدام للحقوق السياسية ظلما أكثر دناءة، لأنها أصبحت في الحقيقة نصف كذبة. فالنساء يشاركن فعلا وبأعداد كبيرة وبنشاط في الحياة السياسية. ومع ذلك فإن الاشتراكية الديمقراطية لا تناضل في هذا الصدد بحجة المظلومية. إنّ الاختلاف الجوهري بيننا وبين الاشتراكية الطوباوية السابقة يقوم تحديدا على أننا لا نعتمد على عدالة الطبقات الحاكمة، بل نعتمد فقط على القوة الثورية للعمال، وعلى مسار التطور الاجتماعي الذي يهيئ الأرض لتلك القوة. وهكذا فإن الظلم بحد ذاته ليس حجة كافية لإسقاط المؤسسات الرجعية. ولكن، إذا طغى شعور الظلم على دوائر واسعة من المجتمع – كما يقول إنجلز، الشريك في تأسيس الاشتراكية العلمية – فإن ذلك يكون دائما علامة أكيدة على أن تحولات عميقة قد طرأت على الأسس الاقتصادية للمجتمع، وأن الأوضاع القائمة أصبحت متعارضة مع تقدم التنمية والتطور.
إن الحركة الحالية القوية لملايين النساء البروليتاريات اللواتي يعتبرن بأن حرمانهن من الحقوق السياسية ظلم صارخ، هي دليل واضح بأن الأسس الاجتماعية للنظام السياسي القائم قد ضعفت بالفعل، وأن أيامه أصبحت معدودة.
كتب الفرنسي شارل فورييه، أحد أوائل دعاة المبادئ الاشتراكية العظام هذه الكلمات الخالدة قبل مائة عام: في كل مجتمع يكون مدى تحرر المرأة (حريتها) هو المقياس الطبيعي للتحرر العام. وهذا ينطبق تماما على المجتمع الحالي . فالنضال الجماهيري الراهن من أجل المساواة السياسية للمرأة ليس سوى تعبير وجزء من نضال التحرر العام للبروليتاريا، وفي ذلك تكمن قوته ومستقبله. إن حق الانتخاب العام والمباشر والمتساوي للنساء سيُحرك – بفضل البروليتاريا النسائية – الصراع الطبقي البروليتاري إلى الأمام بشكل كبير، وسيقويه. ولهذا السبب تخشى البرجوازية حق المرأة في التصويت، ولهذا السبب نطالب نحن به، وسننتصر لهذا الحق.
ومن خلال النضال من أجل حقّ المرأة في الانتخاب، نريد أيضاً أن نعجل بالساعة التي سينهار ويتهاوى فيها المجتمع الحالي تحت وطأة ضربات البروليتاريا الثورية.