انتصار للطبقة الكادحة ونقد للاستغلال الرأسمالي في رواية محاولة بقاء


عمر عزيم
2026 / 9 / 18 - 21:46     

عمر بونظيف: نموذج البروليتاري المسحوق

يقدم الروائي شخصية عمر بونظيف بوصفها تجسيدًا نموذجيًا للعامل الكادح الذي لا يملك من أدوات الإنتاج شيئًا سوى جسده وعرق جبينه. فهو يتيم الأبوين، لا ميراث له ولا سند طبقي يحميه، يضطر إلى بيع قوة عمله في ورشة بناء مقابل أجر يومي زهيد لا يتجاوز سبعين درهمًا. هذا الوضع يضعه منذ البداية في موقع الطبقة المسحوقة التي لا تملك من خيارات العيش سوى الانصياع لشروط أرباب العمل، أو مواجهة التشرد والجوع.

ورشة البناء كنموذج مصغر للنظام الرأسمالي

تشكل ورشة البناء في الرواية بنية طبقية متكاملة تعيد إنتاج علاقات الإنتاج الرأسمالية بكل قسوتها: رئيس الورشة في القمة، فالمكلفون والأعوان في الوسط، وجمهور العمال الغفير في القاعدة الذين يصفهم الراوي صراحة بأنهم يمثلون "طبقة العمال المغلوبة على أمرها". هذا التراتب ليس تنظيميًا محايدًا، بل أداة هيمنة: فالعمال يُوقَّع معهم عقد لا يتجاوز نصف شهر ثم يُطردون ويُستبدلون بآخرين، وذلك تحديدًا لمنعهم من التنظم أو المطالبة بحقوقهم، وتتأخر رواتبهم عمدًا كوسيلة ضغط لإبقائهم "تحت رهن" الورشة وخوفًا من فرارهم. هذه التفاصيل الاقتصادية الدقيقة تكشف وعيًا نقديًا بآليات استغلال العمالة غير النقابية والهشة.

لغة القهر والتشييء

من أبرز أدوات الرواية في فضح الاستغلال الطبقي هو رصدها الدقيق للغة التي يخاطَب بها العمال: "كلب"، "حمار"، "سربيو البهايم"، "تحركوا". هذا الخطاب ليس تفصيلًا هامشيًا، بل جوهر العلاقة الطبقية كما تصورها الرواية؛ فرئيس الورشة الجديد، بجسده الضخم وربطة عنقه الضاغطة على بطنه "البرميلي"، يمثل صورة كاريكاتورية للبرجوازية المتخمة التي تنظر إلى العامل بوصفه أداة لا إنسانًا، ولا تتورع عن الصفع والسب متى شاءت. مشهد صفع عمر أمام المكتب المكيَّف، بينما هو يتصبب عرقًا خارج الباب، يختزل الفجوة الطبقية في صورة بصرية واحدة: الرئيس في برودة المكتب ورفاهيته، والعامل في حر الورشة وإذلالها.

التحريض العمالي وقمعه

حين يحاول عمر تعبئة رفاقه العمال ودفعهم إلى التمرد الجماعي على الرئيس الجديد، وتحديدًا حين يذكّرهم بموقف الجياللي العروبي الذي رد الصفعة بالمثل، فإنه يقوم بفعل تحريضي له دلالة طبقية واضحة: إنه محاولة لبناء وعي جمعي مضاد لسلطة رأس المال. لكن الرواية لا تقدم هذا التمرد كنجاح، بل تُظهر كيف تُجهضه آليات الوشاية والتفتت الداخلي بين العمال أنفسهم، إذ يشي بعضهم ببعض للرئيس طمعًا في رضاه أو خوفًا من فقدان لقمة العيش. هذا يعكس رؤية نقدية لهشاشة التضامن العمالي في غياب تنظيم نقابي حقيقي يحمي العامل من الانتقام الفردي، ويكشف كيف يستثمر النظام الرأسمالي حاجة العمال الاقتصادية لتفكيك أي تضامن محتمل بينهم.

الفساد الانتخابي كامتداد لمنطق الاستغلال

توسّع الرواية نقدها ليشمل الحقل السياسي، حين يستعيد عمر ذكريات الانتخابات البلدية وبيع الأصوات مقابل الحلوى والمال في طفولته. هذا المشهد يربط بشكل مباشر بين الاستغلال الاقتصادي في الورشة والاستغلال السياسي في صناديق الاقتراع: فالفقير يُستَغل مرتين، مرة حين يبيع قوة عمله بثمن بخس، ومرة حين يبيع صوته الانتخابي لأنه محتاج إلى الرشوة اليومية أكثر من حاجته إلى تمثيل سياسي حقيقي. الرواية هنا تقارب رؤية بنيوية ترى الفساد السياسي امتدادًا طبيعيًا للتفاوت الطبقي لا انحرافًا عرضيًا عنه.

السرقة: من الجريمة الفردية إلى فعل المقاومة البقائية

اللحظة الأكثر دلالة في الرواية هي حين يبرر عمر لنفسه سرقة الدراجة النارية بمقارنة صريحة وواعية: فكما تلجأ الدول الإمبريالية إلى الاستعمار كوسيلة للخروج من أزماتها، يلجأ هو إلى السرقة كوسيلة للخروج من أزمته المالية. هذه المقارنة ليست عابرة، بل هي مفتاح تأويلي للرواية بأكملها: فالراوي يضع فعل السرقة الفردي في سياق بنيوي أوسع، ويرفض إدانته أخلاقيًا بمعزل عن الظروف الاقتصادية التي أنتجته. فالجريمة هنا ليست خللًا في شخصية عمر، بل نتيجة حتمية لنظام يحرمه من العمل الكريم ويتركه بلا شبكة حماية اجتماعية بعد وفاة أمه.

كذلك، حوار الرجلين في المقهى حول قطع يد السارق، ورد عمر الداخلي بأن الأولى قطع يد من يأكل أموال اليتامى، يقلب المعيار الأخلاقي السائد رأسًا على عقب: فالجريمة الحقيقية في نظر الرواية ليست سرقة الفقير المضطر، بل نهب الأقوياء المتخفي وراء شرعية القانون.

العنوان كإعلان طبقي

عنوان "محاولة بقاء" يختزل الأطروحة المركزية للرواية: فالحياة، بالنسبة للطبقة الكادحة، ليست مشروعًا للتحقق أو الازدهار، بل معركة يومية من أجل النجاة المجردة، أي البقاء بمعناه البيولوجي الأدنى. هذا العنوان يتناغم مع بيت الشعر الافتتاحي لهاشم رفاعي الذي يصف الجريمة بأنها كانت "محاولة البقاء"، مما يمنح النص إطارًا تفسيريًا مسبقًا يرفض إدانة الضحية ويوجه الاتهام نحو البنية الاجتماعية المنتجة للفقر والجريمة معًا.

قراءة موازنة

مع ذلك، تستحق الإشارة إلى أن الرواية لا تكتفي بخطاب طبقي مباشر بل تمزجه بأبعاد أخرى: الحس الديني والصوفي (زيارة الفقيه، التوكل، الدعاء)، والبعد النفسي الفردي (شخصية عمر المتقلبة بين الكسل والطموح)، وهو ما يجعل قراءتها كنص ماركسي خالص قراءة جزئية وإن كانت مشروعة ومدعومة بنصوص صريحة داخل الرواية نفسها. فالنص يترك مساحة لتأويلات أخرى ترى في مصير عمر نتاج تراكم خيارات فردية بقدر ما هو نتاج قهر بنيوي، وهذا التعدد التأويلي هو أحد مصادر ثراء العمل الروائي.