رؤية لإسناد عمال قطاع غزة من الإغاثة العاجلة إلى سياسات التشغيل الصامدة


سلامه ابو زعيتر
2026 / 9 / 13 - 14:03     

يعيش قطاع غزة ظروفاً اقتصادية وإنسانية غير مسبوقة، كان لعمال القطاع النصيب الأكبر من آثارها الثقيلة؛ إذ تسببت الحرب والعدوان المستمر، وحالة الدمار الشامل وتوقف عجلة الإنتاج في فقدان مئات الآلاف من العمال لمصادر رزقهم، وقد أدى ذلك إلى تدهور حاد في مستويات المعيشة، وانضمام شرائح واسعة منهم إلى صفوف البطالة والفقر المدقع، في ظل موجات متتالية من النزوح والتهجير وتدمير الممتلكات والورش والمزارع والمدارس والمؤسسات الصحية..الخ، وأمام هذا الواقع المعقد، وفي ظل غياب الدور الرسمي المنظم لإسناد العمال ضمن خطط وسياسات وطنية واضحة، تبرز الحاجة الماسة إلى صياغة استراتيجية شاملة تتجاوز الحلول الإغاثية المؤقتة لتصل إلى التمكين والدمج الاقتصادي.
إن الخطوة الأولى في مسار هذا التدخل لصالح العمال يجب أن تبدأ بـ الاستجابة الإغاثية والمالية المباشرة؛ إذ يتطلب الوضع الراهن اعتماد شبكات أمان اجتماعي وصناديق طوارئ تمولها الجهات الرسمية والمنظمات الدولية لتقديم مخصصات مالية نقدية ثابتة للعمال المتضررين، مع إيلاء أولوية خاصة لفئات العمالة غير المنظمة (عمال المياومة والأعمال الحرة) الذين يفتقرون للسجلات الرسمية، ويرافق ذلك تقديم المساعدات العينية الموجهة التي تلبي الاحتياجات الأساسية لأسرهم وتضمن لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة، إلى جانب إعفائهم كاملاً من الرسوم والالتزامات المالية، لا سيما المتعلقة بالتعليم والرعاية الصحية والمعاملات الإدارية الرسمية، خاصة وأنهم فقدوا مصادر دخلهم الوحيدة وممتلكاتهم.
ومع أهمية الإغاثة النقدية والعينية، فإن الاعتماد عليها وحده لا يحل الأزمة من جذورها، وهنا يأتي دور تطوير سياسات التشغيل والدمج في سوق العمل، وينبغي التركيز على إعادة توجيه المهارات عبر برامج تدريب وتأهيل سريعة تتناسب مع متطلبات المرحلة الحالية، مع التوجه نحو فتح آفاق العمل الرقمي وعن بُعد والعمل الحر للشباب والخريجين لكسر القيود الجغرافية والجسر بين السوق المحلي والأسواق الإقليمية والدولية، كما يجب وضع سياسات تشغيلية تضمن دمج الفئات الأكثر هشاشة، كالعمال الذين تعرضوا للإصابات، وذو الإعاقة منهم، والنساء المعيلات للأسر، ولا سيما في القطاعات التي تحقق الاستدامة والتوسع بفتح مزيد من فرص العمل الجديدة، ويقترن ذلك بتقديم حوافز ومواقف إسناد للمنشآت الصغيرة والمتوسطة ولأصحاب العمل والمشغّلين، لتمكينهم من إعادة فتح أبوابهم واستيعاب العمالة المحلية مجدداً بحفظ كرامتها وعبر عمل لائق ومناسب.
وفي هذا السياق، تمثل برامج الدعم النقدي مقابل العمل الجسر الأهم للربط بين الإغاثة والتنمية؛ إذ تسهم هذه البرامج في إشراك العمال والموظفين والخريجين مباشرة في مشاريع إغاثية ومجتمعية حيوية، مثل إدارة مراكز الإيواء، وترميم المرافق الحيوية، وتأهيل البنية التحتية، ودعم القطاع الزراعي المحلي، فضلاً عن مجالات التعافي والخدمات الاجتماعية والنفسية والصحية والتعليمية، وتكمن أهمية هذه الآلية في أنها تعيد للعامل دوره الإنتاجي وتوفر له دخلاً يضمن كرامته بدلاً من الاقتصار على تلقي المساعدات.
أخيراً، ينبغي أن تترافق هذه الجهود مع سياسات وطنية ذات حماية قانونية ورعاية شاملة ترعاها النقابات العمالية القطاعية والاتحادات والجهات الرسمية، لحصر المتضررين من العمال وضمان تحصين وحماية حقوقهم، مع وضع أطر حوكمة شفافة وموحدة للتمويل تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه دون ازدواجية، فإن النهوض بقطاع العمال في غزة ليس مجرد واجب إنساني فرضته الظروف، بل هو استثمار حقيقي في الإنسان الذي يمثل رأس المال الاجتماعي والمقوم الأساسي للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار؛ مما يستدعي جهداً وطنياً ودولياً متكاملاً ينتقل بالعمال من دائرة الاحتياج إلى رحاب الصمود والمشاركة الفاعلة.

#إسناد_عمال_غزة #من_الإغاثة_إلى_التشغيل #الدكتور_سلامة_أبو_زعيتر #سوق_العمل_في_غزة #التمكين_الاقتصادي #غزة"