السودان: من الحوار حول السلطة إلى مشروع الدولة - نحو طريق وطني للنهضة


محمود محمد ياسين
2026 / 9 / 10 - 08:16     

في المقال السابق،ˮ السودان: من يدير الحوار السوداني ومن يؤسس الدولة؟“، انتهينا إلى فكرة محورية: الحوار السياسي لا تكون له قيمة حقيقية إذا لم يكن حول مشروع للدولة لا يجد قبولا في المجتمع فحسب، يشكل ضمانة لحل الازمة السودانية؛ فالحوار المثمر ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لتوسيع قاعدة التأييد لمشروع يقتنع بجدواه عدد معتبر من السودانيين، ثم يأتي الحوار لسد الفجوات ومراجعة التفاصيل وتوسيع دائرة المشاركة فيه.
.
ومن هنا يصبح السؤال التالي أكثر إلحاحا :ما هو مضمون المشروع الذي ينبغي أن يكون موضوعاً لهذا الحوار؟

السودان لا يعاني فقط من أزمة في توزيع السلطة، ولا من نزاع بين قوى سياسية حول المواقع والمؤسسات. إن جذور أزمته أعمق من ذلك؛ فهي تتصل بالطريق الذي سلكه الاقتصاد السوداني، وبطبيعة علاقته بمراكز رأس المال العالمي، وبالسؤال الأساسي: هل تستطيع البلاد أن تبني اقتصادا وطنيا يملك تحديد أولوياته وقرار تسيره بنات وأبناء البلاد، أم يظل اقتصادا تابعا يؤدي وظيفة محددة داخل منظومة اقتصادية عالمية تحدد له ما ينتج، وكيف ينتج، ولمن ينتج؟ هذه هي المسألة التي ينبغي أن تنتقل إلى قلب النقاش السياسي.

لقد طال النقاش السوداني حول من يحكم، ومن يشارك، ومن يقصي من، ومن يملك الشرعية. لكن التجربة الطويلة تقول إن تغيير الحكومات والوجوه، من دون تغيير الأساس الذي تنتظم حوله الدولة والاقتصاد، لا يقود بالضرورة إلى تغيير حقيقي في طبيعة الدولة وحياة المواطنين.

السودان بلد تتوفر فيه بصورة هائلة موارد زراعية ومصادر مائية وثروة حيوانية وموارد معدنية؛ كما يمتلك موقعا جغرافيا متميزا وسوقا واسعة وقوة عمل قادرة على الإنتاج. ومع ذلك ظل عاجزا عن تحويل هذه الإمكانات إلى قاعدة لنهضة اقتصادية مستقرة لان الهيمنة الخارجية على البلاد التي تحدد خياراتها الاقتصادية، تفقدها القدرة (الوطنية) لتحديد كيفية استغلال إمكاناته الضخمة في اطار مشروع تنموي يضع السودانيون شروطه وأولوياته.

وهنا تأتى الحاجة لمشروع وطني، جوهره اختصارا، انتقال السودان من اقتصاد يقوم بدرجة كبيرة على تصدير المواد الأولية والاعتماد على الواردات والمساعدات والتحويلات والتمويل الخارجي المشروط، إلى اقتصاد إنتاجي متنوع يضيف القيمة (value) داخل السودان، بديلا عن تجريفها لصالح راس المال العالمي. وبالتالي التساؤل الحقيقي يدور حول ما نوع الاقتصاد الذي نريد بناءه، وما موقع رأس المال الخارجي منه، وما موقع رأس المال الوطني، وما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به الدولة؟ ويصير جوهر المسألة إذن هو البيئة الاقتصادية والاستثمارية التي تساعد على بناء رأس مال وطني قوى يضطلع بمهمة النهضة. وهنا تظهر قضية رأس المال الوطني باعتبارها قضية سياسية وليست اقتصادية فحسب. فإذا كان رأس المال الوطني ضعيفا، والقطاع الإنتاجي ضعيفا، والدولة عاجزة، يصبح الاقتصاد أكثر اعتمادا على رأس المال الخارجي. وإذا أصبح رأس المال الخارجي هو المصدر الأساسي للتمويل والخبرة والأسواق، ازدادت قدرته على التأثير في القرار الوطني.

ان الاستثمار الأجنبي ليس مشكلة في ذاته، كما أن الانفتاح على العالم ليس نقيضاً للاستقلال الوطني. المشكلة تبدأ عندما يصبح الاقتصاد الوطني عاجزا عن تحديد أولوياته بنفسه، وعندما تتحول حاجته إلى التمويل الخارجي إلى تبعية في القرار، أو عندما يجري توجيه موارده نحو وظائف تخدم مصالح خارجية أكثر مما تبني قدراته الإنتاجية الداخلية.

والدعوة إلى طريق وطني للنهضة لا تعني عزل السودان عن العالم، ولا تعني رفض التجارة الدولية، ولا الاستثمار الأجنبي، ولا التكنولوجيا والخبرة القادمة من الخارج : انفتاح من موقع القدرة، لا الانفتاح من موقع الحاجة والعجز. الدولة الوطنية الحديثة لا ترفض العالم، وإنما تندمج فيه مستصحبة إرادة سياسية وطنية قوية، ترعى مصالحها. تستقبل رأس المال الذي يضيف إلى قدرتها الإنتاجية، وتنقل التكنولوجيا التي تحتاج إليها، وتوسع أسواقها، وتبني شراكاتها الدولية؛ لكنها لا تجعل حاجتها إلى الخارج سبباً للتنازل عن حقها في تحديد أولوياتها الاقتصادية. ومن هنا فإن المشروع الوطني ليس مشروعا ضد الخارج، بل مشروعاً يمنع الخارج من أن يكون هو الذي يحدد الداخل.

وبالتالي المطلوب ليس حورا بين قوى متناقضة أهدافها بصورة جذرية لترسم ترتيبات لتقاسم السلطة ، بل القضية الأساس هي سؤال الدولة. إن السودان لا يحتاج إلى حوار آخر، ولا إلى عملية سياسية غايتها الأساسية إعادة توزيع مقاعد السلطة بين القوى السياسية. إنه يحتاج أولاً إلى مشروع واضح لبناء الدولة والاقتصاد. مشروع يقول إن الخروج من الأزمة لا يكون بترتيب جديد لإدارة الواقع المزرى كما هو، وإنما بإنتاج الثروة؛ ولا يكون بالاعتماد الدائم على الخارج، وإنما ببناء القدرة الذاتية على الإنتاج؛ ولا يكون بإلغاء العلاقات الدولية، وإنما بإعادة صياغتها على أساس المصلحة المتبادلة؛ ولا يكون بتخصيص دور الدولة لتحقيق أهداف السوق العالمي، وإنما ببناء دولة قادرة على توجيه الاقتصاد نحو التنمية.

وفي هذا الإطار يصبح إنهاء الحرب الدائرة حاليا في البلاد ومسائل الإغاثة، التي تعتبرها بعض القوى السياسية هي الأحق بإنجازها قبل الحديث عن الحوار، جزءا من مشروع الدولة. فإنهاء الحرب يجب ان يتم في نطاق مشروع الدولة الوطنية كوسيلة لتوحيد وحشد السودانيين حول طريق واضح، كما تصبح الإغاثة جسرا ضروريا لعبور الأزمة الإنسانية، لا بديلا عن التنمية.

المطلوب إذن ليس أن يجلس السودانيون إلى طاولة واحدة لكي يتفقوا على تقاسم الدولة بتوجهها الحالي؛ بل فتح أبواب النقاش واسعة في الساحة السياسية حول جدوى مشروع وطني للنهضة وتحديد اساليب العمل السياسي لتحقيقه: نقاش ثر وجاد يقنع نسبة معتبرة من السودانيين بجدواه، وعندها يمكن التحدث عن حوار ذو معنى: يوسع قاعدة التأييد، ويكشف نقاط الاختلاف ويسد الفجوات ويصحح التفاصيل ويبحث عن الصيغ السياسية والمؤسسية القادرة على تنفيذ المشروع (الوطني).

الدعوة لحوار ذو معنى من شانه ان يجيب (بشكل صحيح) عن السؤال: أين نريد أن نذهب في ضوء معطيات الواقع التي أصبحت واضحة لقطاعات واسعة من المواطنين الذين ما فتأوا يعبرون عنها بصور مختلفة وفق نظرات مختلفة (دولة 56، السيطرة الاستبدادية المطولة لحكم العسكر الخ). يجب ان يحظى هذا السؤال على الأولوية لأى حوار، بمعنى ان السودان يحتاج أولا إلى تحديد طريق جديد، يصاحبه حوار واسع حول كيفية السير فيه. المبتغى هو ان يتناقش السودانيون أولا حول أي دولة يريدون، ثم يحددوا من يملك الكفاءة والشرعية لتحقيق هذه الدولة التي تعيد قلب وإعادة تشكيل ميزان القوى لصالح الفئات الاجتماعية الوطنية بسحبها من بشأن التيار السياسي المرتبط تاريخيا بتسهيل هيمنة الخارج على البلاد. هذا التيار لا ينبغي افتراض أنه سيتنازل طوعا (voluntarily) عن سيادته السياسية على البلاد بمجرد التفاوض معه.