مأزق المعارضات التونسية


محمد المناعي
2026 / 8 / 20 - 20:50     

المعارضات التونسية ثلاثة مكونات أساسية.

🔵 المكون الأول ممثلًا في حركة النهضة، تقود معارضتها من منطلقين:

✅ الأول هو أن السلطة هي بديل السجون، وكلما كانت خارج السلطة كانت داخل سجونها، وهذه السلطة سُحبت منها فأعادتها خلف القضبان. لذلك عقدت منذ بدايات عودتها للمشهد السياسي في بداية الألفينات صفقات للاندماج في الحياة السياسية التونسية (18 أكتوبر 2005، المجلس الوطني لحماية الثورة فيفري 2011، الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة فيفري 2011، تحالف الترويكا مع مكون ديمقراطي (التكتل)، التحالف مع نداء تونس 2014، التحالف مع يوسف الشاهد بعد انحلال نداء تونس، دعم قيس سعيد في انتخابات 2019، جبهة الخلاص بواجهة مدنية 2021، التنسيق مع الدستوري الحر عبر مجموعة نفس 2026). ونجحت هذه التجربة في تحوّلها من مجرد جماعة منبوذة من السلطة والمعارضة معًا إلى مكوّن وحليف في عدة مناسبات، غير أن تحالفاتها كانت دائمًا لخدمة الحركة، وأضرّت في أغلب الأحيان بالحليف وبمكانته السياسية وصورته.

✅ الدافع الثاني هو وجود قيادتها في السجن، وهو ما يجعل الزمن السياسي ضاغطًا للقيام بكل ما يمكن القيام به للتسريع بإطلاق سراح مساجينها، وكل الاحتمالات مطروحة (صفقة مع السلطة، توسيع الضغط على السلطة...).

وبالتالي، ما تقوم به الحركة اليوم هو في نفس الإطار: بحث عن توسيع قاعدة الضغط على السلطة لتحويل الضغط إلى صفقة أو تغيير للسلطة.

🔵 المكون المعارض الثاني هو المكوّن الدستوري: إذ راكم رصيدًا وقدرة على التنظّم مع حزب نداء تونس ومع تجارب أكثر "نقاء" على غرار حزب المبادرة، وكان أبرز مشروع في الفترة الأخيرة ممثلًا في الدستوري الحر بقيادة عبير موسي. الرصيد الذي تمت مراكمته يقوم على التناقض مع مشروع الإسلام السياسي، وهو العنصر الذي كان محددًا في نجاح الباجي قايد السبسي في الانتخابات الرئاسية والتشريعية 2014، وضربه ساهم في هزيمة وريث نداء تونس، تحيا تونس، خلال انتخابات 2019، وكان العامل المحدد إلى درجة تهميش عامل وجود تحيا تونس في السلطة. الحزب الدستوري الحر بدوره راكم رصيدًا مبنيًا على التناقض مع مشروع الإسلام السياسي، واليوم يقف أمام مأزق سجن زعيمته واستنزافه بالمواجهة الثنائية مع الإسلام السياسي والسلطة القائمة، غير أن المأزق الأكبر هو الاتجاه نحو التخلي عن عنصر القوة الأساسي عبر التنسيق الميداني مع جبهة الخلاص بوساطة نفس.

في الأثناء يستغل مشروع ناشئ هذا الواقع الجديد والتراجع البارز للدستوري الحر كمشروع اختصر قوته في زعيمته وفتر بسجنها. هذا المشروع الناشئ تشكّل حول منذر الزنايدي في محاولة لتكرار تجربة نداء تونس أكثر منه استنساخ تجربة الدستوري الحر، والبروز كحزب أكثر انفتاحًا وباحث عن سند خارجي قوي للتحول إلى بديل لواجهة السلطة الحالية.

🔵 المكون الثالث المعارض هو: المجموعات الديمقراطية والتقدمية واليسارية ومكونات المجتمع المدني المعارضة صراحة للسلطة، والتي يمكن إحصاؤها في: الرابطة، والاتحاد، والنساء الديمقراطيات، ونقابة الصحفيين، واتحاد الطلبة، وصمود، وأحزاب المسار والاشتراكي والتيار والعمال وحق والجمهوري وآفاق والتكتل والقطب والوطد الموحد شق زياد لخضر، وعدد من الشخصيات. حاولت هذه المكونات التنظم في عدة تشكيلات أبرزها: الأحزاب التقدمية الخمسة، ومنتدى القوى الديمقراطية، والشبكة التونسية للحقوق والحريات، ومؤخرًا الرباعي (مسار، اشتراكي، تكتل، قطب)، ومجموعة نفس (صمود، والدستوري الحر، والجمهوري، والتيار، وحق...).

هذه المجموعات تختلف في قراءتها للسلطة: ✅ بين من يعتبر السلطة انقلابًا، وبين من يرى فيها حلقة أخرى من حلقات سابقة للالتفاف على الثورة وعلى الانتقال الديمقراطي.

✅ الخلاف الثاني حول المشاركة في انتخابات النظام الحالي أو مقاطعتها، وبرز هذا الانقسام في انتخابات 2024.

✅ أما الخلاف الأهم فهو بين مجموعات تؤيد التنسيق مع جبهة الخلاص وتعتبر المعركة الأساسية ضد السلطة القائمة، وهي أساسًا (الجمهوري، التيار خاصة بعد مؤتمره الأخير، صمود، حق، أصوات داخل الجمعيات والمنظمات)، وبين مجموعات ترفض التنسيق مع جبهة الخلاص والدستوري الحر بدرجة ثانية، وهي أحزاب المسار والعمال والاشتراكي والتكتل والقطب. ويبقى موقف الرابطة وبعض الجمعيات بين التعامل مع المسألة تعاملًا حقوقيًا في الدفاع عن المساجين السياسيين دون التنسيق المباشر، وغياب تام للاتحاد العام التونسي للشغل الذي يعبر عن معارضته باحتشام في بيانات دورية نقابية، وكذلك غياب الوطد الموحد شق زياد لخضر عن هذه التحالفات والعمل الميداني. وتبقى التوازنات الداخلية معرقلة لموقف نهائي لبعض المنظمات كاتحاد الطلبة ونقابة الصحفيين (أقرب للشق الثاني مع عدم التنسيق)، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (أقرب للشق الأول بعد مؤتمره الأخير واحتضانه عددًا من اجتماعات نفس).

هذه المجموعات هي واجهة لرأي عام أوسع للنخب التونسية غير المنتظمة في أحزاب أو جمعيات، تقع في مأزق معارضة السلطة مبدئيًا دفاعًا عن الحريات وعن المسألة الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، وفي ذات الوقت ضعف القدرة على التعبئة التي تتيحها توسيع التقاطعات الميدانية والسياسية. ومن ناحية ثانية، تمثل هذه التقاطعات خدمة لمكونات تحمل مشاريع هي بدورها هدف للنضال ضدها، وهي مشاريع لا تقل خطورة عن السلطة القائمة، مثقلة بإرث سياسي لا يتيح لها صياغة خطاب معارض واضح ضد السلطة الحالية، لذلك تصنع لها واجهات مستساغة (نجيب الشابي كواجهة لجبهة الخلاص التي هي بدورها واجهة لحركة النهضة؛ نفس كإطار للتنسيق بين الخلاص والدستوري الحر؛ قضية المساجين السياسيين كإطار للتحرك المشترك).

🔴 عناصر المأزق:

✅ العنصر الأول هو وهم التجميع؛ إذ زرعت القوى الكبرى في المعارضة فكرة ضرورة التفاف الجميع حولها لمقارعة السلطة، وأن كل تحليل خارج هذه السردية هو تخاذل أو يصب في مصلحة السلطة، وهذه السردية رددتها بعض المجموعات التي تم استعمالها وتحولت إلى مسلّمة. والحال أن قوة معارضة السلطة في تنوع مشاربها لا في تجمعها تحت مظلة واحدة وتحمّل وزر إرث تلك المظلة. في المقابل، يعتبر التجميع بين القوى المتشابهة هدفًا مشروعًا، وغيابه نقطة من نقاط فشل المعارضة التونسية.

✅ العنصر الثاني هو وهم الجماهيرية الذي يسكن المجموعات الديمقراطية، إذ هي مجموعات صغرى حزبية أو جمعياتية حاملة لعقدة نقص الحضور الجماهيري، لذلك يسعى بعضها لتحقيق هذا الهدف بالتظلل تحت مظلة أكبر. والحال أن قوة هذه المكونات في مبدئيتها ووضوح بوصلتها لا في العدد الذي يمكن أن تحشده، والانسياق نحو الاستعمال من طرف قوى أخرى يفقد هذه المجموعات هويتها ولا يحقق لها الجماهيرية المنشودة، والتي هي وهم أكثر منها هدف.

✅ العنصر الثالث: غياب مشروع سياسي للقوى الديمقراطية يمثل نواة تجمع النخب حولها، لذلك بقيت مشتتة تتفاعل مع المشاريع الأخرى وعرضة للتوظيف.

✅ العنصر الرابع: مرض الزعاماتية الذي ينخر المجموعات الديمقراطية ويحوّل كل مشروع التقاء أو تحالف أو جبهة من إطار للثراء والتنوع والقوة إلى حلبة للتنافس الداخلي على الزعامة وحصد محصول هذا اللقاء قبل نضجه، وهذا ما حدث في جميع التجارب بما في ذلك الظرفية الميدانية. في المقابل، تحمل القوتان الأخريان المكوّنتان للمعارضة مشروعهما وتكتيكاتهما المرحلية بأكثر تناسق ووضوح.

✅ العنصر الخامس، وهو المأزق الأكبر: غياب المشروع السياسي للسلطة القائمة، وبالتالي هذه المعارضات تعارض أجهزة ولا تعارض مشروعًا يتأثر بقوة المعارضة أو بضعفها، ويتأثر بنتائج الانتخابات وبسبر الآراء ونسب المشاركة... فالأجهزة لا تتأثر بكل هذه القصص، لذلك فإن مهمة المعارضة أصعب، إذ لا ينجر عن تحركها أي رد فعل مباشر على السلطة خارق القراءات الأمنية التي تُترجم في إثبات الحضور عبر الزيارات الميدانية.

📢 المعارضات التونسية متنوعة تنوّع منابتها وأهدافها وخططها وقدراتها وارتباطاتها؛ ومن التعسف البحث عن تجميعها تحت أي ذريعة؛ قوتها في تنوعها وحتى في معارضة بعضها بعضًا، فمعارضة السلطة ليست هدفًا في ذاتها بل جزء من مشروع بديل لها، والمعارضات ليس لها بديل واحد، وبعضها لا بديل له، والأخطر أن بعض بدائلها استنساخ لسلوك السلطة.

ويبقى من حق الجميع خوض معركته بالطريقة التي يراها مناسبة لمشروعه.