غسان صليبا.. النقابي الأممي الذي جعل التضامن جسراً بين العمال والشعوب


جهاد عقل
2026 / 8 / 15 - 02:47     

حين اجتمع نقابيون ورفاق وأصدقاء وعائلة المناضل النقابي اللبناني غسان صليبا في بيروت، في 14 آب/أغسطس 2026، لتكريمه برعاية وزير العمل اللبناني الدكتور محمد حيدر، لم يكن اللقاء مجرد مناسبة وفاء لرجل رحل قبل أشهر، بل كان استعادة لمسيرة نقابية وأممية امتدت بين لبنان وإسبانيا، وبين الحركة العمالية الكتالونية وقضايا العمال اللبنانيين والفلسطينيين.
فالنقابي غسان صليبا، الذي غيّبه الموت في مطلع شباط/فبراير 2026 في مدينة برشلونة إثر نوبة قلبية، ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين لم ينظروا إلى العمل النقابي باعتباره محصورًا في حدود مكان العمل أو الدولة، بل باعتباره جزءًا من معركة أوسع من أجل العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية وحقوق الشعوب.
كان لبنانيًا حمل قضايا عمال بلاده معه إلى الاغتراب، وشيوعيًا ظل متمسكًا بانتمائه الطبقي والفكري، ونقابيًا أمميًا وجد في برشلونة وطنًا ثانيًا وساحة أخرى للنضال.

- من لبنان إلى برشلونة
بدأ المرحوم غسان صليبا نشاطه في صفوف الحركة التقدمية واليسارية اللبنانية، وظل مرتبطًا بالحزب الشيوعي اللبناني، وشغل لاحقًا مسؤولية منظمة الحزب في إسبانيا، وكان عضوًا في قيادة منظمات الحزب في الخارج ونائبًا لرئيس لجنة السلم والتضامن اللبنانية.
لكن الجانب الأكثر تميزًا في تجربته كان قدرته على الجمع بين الانتماء السياسي والعمل النقابي اليومي.
في كتالونيا، ارتبط صليبا بالحركة النقابية الإسبانية، ولا سيما اللجان العمالية CCOO، وتولى مسؤوليات مرتبطة بقضايا العمال المهاجرين، متابعًا أوضاعهم القانونية والاجتماعية وحقوقهم وحقوق عائلاتهم.
وهنا تظهر واحدة من أهم سمات تجربته.
فالعامل المهاجر بالنسبة إليه لم يكن مجرد ملف للهجرة، بل عاملًا كامل الحقوق. ولم تكن جنسية العامل أو أصله سببًا لتقليص حقه في الأجر والكرامة والحماية النقابية والاجتماعية.
ولهذا وصفه رفاقه بعد رحيله بأنه عمل على تحويل النقابة إلى بيت للحماية والدعم بالنسبة إلى العمال الذين كانوا يلجأون إليها.

- النقابي الذي بنى الجسور
ربما كانت كلمة "الجسر" أكثر الكلمات حضورًا في وصف تجربة غسان صليبا.
فقد كان جسرًا بين لبنان وكتالونيا، وبين الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان "فيناسول" والحركة النقابية الكتالونية، وبين العمال العرب والمهاجرين والنقابات الإسبانية، وبين التضامن السياسي والممارسة العملية، وفق ما جاء في نعي الحزب الشيوعي اللبناني الصادر في الثاني من شباط الماضي :”لم يكن الرفيق غسان مناضلاً نقابياً فحسب، بل كان جسراً متيناً يربط بين نضال شعبنا اللبناني والفلسطيني والشعب الإسباني. كمؤسس ورئيس للجمعية الكاتالونية – اللبنانية، عمل بلا كلل على تعميق روابط الصداقة والتعاون، ونقل معاناة وقضية شعبنا اللبناني والفلسطيني إلى المحافل الدولية عبر نشاطات سياسية وفنية وثقافية مكثفة، ونسج شبكة واسعة من العلاقات مع الهيئات الديمقراطية والنقابية والنسائية في لبنان.
انطلاقاً من خلفيته الفكرية الشيوعية وموقعه النقابي، سخّر الرفيق غسان صليبا علاقاته الكاتالونية والإسبانية والدولية الواسعة لدعم صمود شعبنا ومقـ.ـاومته الوطنية ضد الاحـ.ـتلال الصهـ.ـيوني. لم يتأخر لحظة عن رسم وتنفيذ استراتيجيات دعم المشاريع التنموية والصحية والنقابية في لبنان، بالتعاون مع بلديات برشلونة ومؤسسات كاتالونيا وهيئات التضامن الأممية”.
ولم يكتف ببناء العلاقات واللقاءات والبيانات التضامنية.
بحسب ما استعاد الأمين العام للاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان "فيناسول" كاسترو عبد الله في حفل التكريم، لعب صليبا دورًا في بناء جسور التعاون بين الاتحاد الوطني ونقابات CCOO، وفي تحويل التضامن إلى مبادرات ومشاريع عملية دعمت العمال والفئات الشعبية والبلديات والمناطق الأكثر حاجة في لبنان وفلسطين،وهذه نقطة أساسية لفهم شخصيته النقابية.
فالتضامن الأممي عند غسان صليبا لم يكن شعارًا، كان عليه أن يتحول إلى علاقة بين نقابتين، أو مشروع اجتماعي، أو مساعدة طبية، أو دعم لمنطقة منكوبة، أو حملة من أجل شعب يتعرض للحرب والاحتلال، أو دفاع عن عامل مهاجر يحتاج إلى من يقف إلى جانبه.

- فلسطين في قلب الأممية
احتلت فلسطين مكانًا مركزيًا في نشاط غسان صليبا السياسي والنقابي،ومن خلال علاقاته الواسعة في كتالونيا وإسبانيا، عمل على نقل قضايا الشعبين اللبناني والفلسطيني إلى الحركة النقابية والمجتمع المدني والبلديات والقوى الديمقراطية الأوروبية،وكان حاضرًا في التحركات والتظاهرات التضامنية مع فلسطين ولبنان، وفي المبادرات الهادفة إلى توفير المساعدات الطبية والغذائية والإنسانية، ولم يكن هذا الارتباط وليد السنوات الأخيرة. ففي الثمانينيات كان حاضرًا في الحراك الشعبي الأوروبي الداعم لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، واستمر لاحقًا في بناء شبكات التضامن مع لبنان وفلسطين،هكذا التقت في تجربته الأممية العمالية والتضامن مع الشعوب الواقعة تحت الاحتلال والحرب.
فالأممية التي آمن بها لم تكن إلغاءً للوطن أو لقضايا الشعوب، وإنما توسيعًا لدائرة التضامن: العامل في برشلونة، والعامل اللبناني، والعامل الفلسطيني، والعامل المهاجر، جميعهم ينتمون إلى عالم تتشابك فيه معارك العمل والكرامة والحرية.

- تكريم بعد الرحيل
بعد نحو ستة أشهر على وفاته، أعاد الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان "فيناسول"، في 14 آب/أغسطس، تجربة غسان صليبا إلى الواجهة من خلال حفل تكريمي أقيم برعاية وزير العمل اللبناني الدكتور محمد حيدر، الذي مثله رئيس دائرة النقابات في الوزارة ماهر الغول، وبحضور عائلته وممثلي هيئات نقابية وحزبية ونسائية وأصدقاء الراحل.
ولم يكن بلا دلالة أن يركز ممثل وزير العمل في كلمته تحديدًا على جانب العمال المهاجرين في مسيرة صليبا،فقد اعتبر أن صليبا ترك بصمة واضحة من خلال حضوره في قضايا هؤلاء العمال ودفاعه عن حقوقهم، وإيمانه بأن الحقوق العمالية لا تتجزأ، وأن كرامة العامل يجب أن تكون مصونة أيًا كان جنسه أو جنسيته أو موقعه في سوق العمل،وهي فكرة تختصر جانبًا كبيرًا من فلسفة العمل النقابي التي جسدها الراحل.
كما استُخدمت المناسبة لطرح أسئلة الحاضر اللبناني. فقد أشار ممثل وزير العمل إلى البطالة والهجرة وتراجع القدرة الشرائية وتبدل طبيعة فرص العمل، مؤكدًا الحاجة إلى الحوار الاجتماعي والشراكة بين الدولة والعمال وأصحاب العمل والنقابات.
أما النقابي كاسترو عبد الله، فربط الوفاء لغسان صليبا بمواصلة الدفاع عن العمال والفقراء، وبناء حركة نقابية مستقلة وديمقراطية، والتمسك بقضايا التحرر والعدالة الاجتماعية.

- لماذا تبقى تجربة غسان صليبا مهمة؟
تكمن أهمية استعادة ذكرى النقابي غسان صليبا اليوم في أن تجربته تقدم إجابة عملية عن سؤال يشغل الحركة النقابية في عصر العولمة والهجرة والشركات العابرة للحدود:كيف يمكن أن يكون النقابي محليًا وأمميًا في الوقت نفسه؟ لقد أجاب النقابي غسان صليبا عن ذلك بالممارسة.
أن تكون نقابيًا أمميًا لا يعني الابتعاد عن العامل وقضاياه اليومية، بل أن تبدأ منها: من الأجر، والإقامة، والحماية الاجتماعية، وحقوق المهاجر، وحق العامل في التنظيم، ثم تربط هذه المعارك بنضالات العمال الآخرين أينما كانوا.
وأن تكون أمميًا لا يعني الاكتفاء بإعلان التضامن مع شعب بعيد، وإنما بناء شبكة تستطيع تحويل التضامن إلى فعل.
وأن تكون نقابيًا ملتزمًا لا يعني الفصل بين الحقوق الاقتصادية والحريات والديمقراطية وحقوق الشعوب، وإنما إدراك أن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ،وهذا بالضبط ما جعل تجربة النقابي غسان صليبا تتجاوز سيرة شخص.

- إرث النقابي الأممي
ترك غسان صليبا خلفه تجربة تستحق أن تُحفظ في ذاكرة الحركة النقابية العربية.
إنها تجربة اللبناني الذي عاش في برشلونة ولم ينفصل عن قضايا وطنه، والشيوعي الذي جعل الانتماء الطبقي ممارسة يومية، والنقابي الذي جعل من الدفاع عن العمال المهاجرين جزءًا من الدفاع عن الطبقة العاملة كلها، والأممي الذي رأى في فلسطين قضية حرية وعدالة، والمنظم الذي سعى إلى تحويل علاقاته الدولية إلى أدوات ملموسة للتضامن.
ولذلك فإن أجمل ما قيل في تكريمه هو أن الوفاء له لا يتحقق بالكلمات وحدها،فالوفاء الحقيقي لمسيرة نقابي من هذا النوع يكون ببناء حركة نقابية أكثر استقلالًا وديمقراطية، وبالدفاع عن حق العمال في التنظيم والمفاوضة، وبحماية المهاجرين من الاستغلال والتمييز، وبإعادة الاعتبار للتضامن العمالي الدولي في عالم تتجاوز فيه حركة رأس المال الحدود بسهولة، بينما يدفع العمال ثمن الحروب والأزمات والهجرة والفقر.
لقد جاء في خاتمة نعي حزبه ما يلي:”ترك رحيل الرفيق غسان صليبا فراغاً كبيراً في صفوف الحركة النقابية التقدمية وفي قلب الحزب الشيوعي اللبناني والحركة الأممية. لكن إرثه النضالي وإنجازاته ستبقى شعلة تنير درب النضال من أجل التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية”.
رحل النقابي غسان صليبا في برشلونة، وطنه الثاني، لكن الجسر الذي أمضى سنوات طويلة في بنائه بين العمال والنقابات والشعوب لم يرحل معه،وتلك، ربما، هي القيمة الأعمق التي يتركها النقابي بعد رحيله:
أن تتحول سيرته من ذكرى إلى تجربة، ومن التجربة إلى معرفة، ومن المعرفة إلى فعل نقابي يواصل الطريق.