الصحة النفسية للعمال والموظفين أولويّة في مراحل التعافي والتنمية


سلامه ابو زعيتر
2026 / 8 / 13 - 17:30     

إن تفاقم الأزمة الإنسانية في فلسطين نتيجة العدوان، وإغلاق المعابر، والحصار الاقتصادي الممتد، وحرمان العمال من حقهم الأصيل في العمل ولا سيما في قطاع غزة، وألقى بظلاله الثقيلة على كافة مناحي الحياة، ليغدو العمال والموظفون الفئة الأكثر هشاشة وعرضة للتهميش؛ إذ لم يتوقف هذا الأثر القاسي عند حدود الحرمان الاقتصادي وفقدان مصدر الرزق لشرائح واسعة منهم، بل امتد ليزلزل البناء النفسي والاجتماعي للعامل ولأسرته على حد سواء، ويزيد من عمق هذه المأساة ما تعرّض له آلاف العمال الذين كانوا يعملون في الداخل المحتل من تجريد تعسفي من تصاريحهم، وسلب لحقوقهم المالية ومستحقاتهم، واعتقال وملاحقة ونزوح، مما ضاعف الشعور بالظلم والقهر والانتهاك الحقوقي الصارخ.
وإن هذا الحرمان الممتد، أو الاضطرار للانخراط في مهن هامشية ومؤقتة ذات أجور زهيدة لا تسد أدنى الاحتياجات أمام غلاء الأسعار الفاحش وبيئة النزوح والدمار، يولد شعوراً عميقاً بالعجز؛ حيث يتشكل لدى العامل إحساس أليم بفقدان الكرامة والقدرة على الإعالة، مما يوقعه في شباك القلق المزمن، والإجهاد الصدمي، والاكتئاب، وتتضاعف هذه الأعباء بصورة جليّة على النساء العاملات والمعيلات للأسر، اللاتي يجدن أنفسهن في مواجهة طاحنة تدمج بين أعباء الرعاية المنزلية القاسية داخل مخيمات النزوح، وبين السعي المستمر لتأمين القوت اليومي، مما يعرضهن لإنهاك نفسي وجسدي مضاعف يتطلب رعاية وحماية خاصة، ولأن الإنسان كائن يتأثر ويؤثر في محيطه، فإن هذا الضغط النفسي الهائل لا يقف عند حدود ذات العامل أو العاملة، بل يتسرب ليسمم أجواء الأسرة التي تُعد خط الدفاع الاجتماعي الأخير؛ فتزداد حالات التوتر والعنف الأسري، وتتراجع جودة الرعاية الموجهة للأطفال الذين قد يُدفعون قسراً لسوق العمل الموازي، مما يهدد بتفكك النسيج المجتمعي بأكمله، ويمس في عمق الأمن الاجتماعي واستقرار الجبهة الداخلية وصمودها.
واتصالاً بهذا المشهد المؤلم، لم تسلم حتى القوة العاملة التي ما زالت تحتفظ ببقايا فرص عمل في القطاعات الحيوية أو الخدمات الإغاثية والصحية من هذه التداعيات النفسية العميقة؛ إذ يجد العامل والموظف المشتغل نفسه خائضاً في صراع يومي مجهد بين تأدية واجبه المهني والوطني، وبين القلق المستمر على سلامة أسرته وتأمين احتياجاتها الأساسية في ظل ظروف الحرب والنزوح ومتطلبات الإعاشة القاسية داخل مخيمات ومراكز الإيواء، وإن هذا الصراع النفسي الداخلي والضغوط المستمرة، إلى جانب مشاعر الذنب والإنهاك العصبي، تنعكس بصورة مباشرة على القوة الإنتاجية وجودة الأداء؛ حيث تتجلى في ظاهرة الحضور الشكلي المقترن بالتشتت الذهني، والتي تؤدي بدورها إلى تراجع مستويات التركيز، وارتفاع معدلات الأخطاء التشغيلية، وفقدان الدافعية والابتكار، وصولاً إلى زيادة مخاطر التعرض لإصابات العمل في البيئات الميدانية المليئة بالمخاطر.
وأمام هذه التحديات المركبة، تبرز الحاجة الماسة إلى بلورة خطط تدخل عاجلة وحاسمة تضع هذه القضية المحورية في صدارة الأولويات؛ ليس فقط كواجب إنساني وأخلاقي، بل كضرورة استراتيجية لحماية شريحة تُعد حجر الزاوية في التعافي والاستقرار المجتمعي، وهذا يتطلب توجيه أنظار المؤسسات والمنظمات الدولية، والجهات المانحة، والاتحادات النقابية، والنقابات القطاعية والمهنية وعلى رأسها الأخصائيون الاجتماعيون والنفسيون والمؤسسات العاملة في مجال الصحة النفسية، نحو ضرورة إعادة صياغة برامج الاستجابة الإغاثية والتنموية، لتتجاوز النمط التقليدي المقتصر على المساعدات العينية، وتنتقل نحو الاستثمار في حماية صمود العامل، وكرامته، وصحته الشاملة، واشتراط دمج مكون الصحة النفسية كبند تمويلي أساسي في كافة مشاريع الإعمار والتشغيل المؤقت.
إن الارتقاء بالصحة النفسية للعمال والموظفين من كلا الجنسين ليس مجرد رفاهية أو خياراً إغاثياً ثانوياً، بل هو الركيزة الأساسية والأولوية المطلقة لدوران عجلة التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة؛ فالنضال النقابي والمهني يفرض علينا اليوم التصدّي بحزم لتداعيات الحرب والأزمة على القوة العاملة، والانتقال الواعي من منطق الاستجابة لظروف الطوارئ إلى بناء منظومة حماية متكاملة تضمن للعمال كرامتهم وصمودهم، ويتأتى ذلك من خلال مأسسة الدعم النفسي ضمن منظومة السلامة والصحة المهنية عبر دمج برامج الرعاية النفسية والاجتماعية كعنصر وجوبيّ في بيئات العمل كافة، واعتبار السلامة النفسية جزءاً لا يتجزأ من اشتراطات السلامة البدنية والوقاية من مخاطر العمل، مع التركيز على تدريب الكوادر الإدارية والمشرفين الميدانيين على مهارات الإسعاف النفسي الأولي والرصد المبكر للضغوط.
كما يتطلب الموقف تفعيل الدور النقابي في إنفاذ الحق في العمل اللائق عبر تكثيف دور الرقابة والمتابعة من النقابات القطاعية والأطر المهنية لضمان أجور عادلة تتماشى مع معدلات الغلاء الفاحش، ومكافحة كافة أشكال الاستغلال في المهن المؤقتة، وضمان بيئة عمل آمنة تحفظ الكرامة الإنسانية والمهنية، ومتابعة الملفات الحقوقية للعمال الذين سُلبت حقوقهم وتصاريحهم تعسفيا، ويتوازى مع ذلك أهمية تأمين مظلة حماية اجتماعية شاملة ضد المخاطر تتجلى في إنشاء صندوق حماية اجتماعية وتأمين ضد الحوادث وإصابات العمل، يغطي العمال المشتغلين، ويضمن الحد الأدنى من الأمان المالي والكرامة للعمال الذين فقدوا مصدر رزقهم نهائياً، لحين إنشاء صندوق الضمان الاجتماعي وتطبيق القانون، فضلاً عن تعزيز التضامن المجتمعي وتأهيل بيئات العمل عبر تعميق الشراكة بين المؤسسات الحكومية، والنقابات، ومؤسسات المجتمع المدني لبناء شبكات أمان مجتمعية تساند أسر العمال والنساء المعيلات، وتحد من ظواهر التفكك الأسري وعمالة الأطفال، وتسهم في إعادة بناء الإنسان بالتوازي مع إعادة بناء ما دمّرته الأزمة، والتدخل لتعزيز الصحة النفسية والاجتماعية ضمن برامج وخطط مُعدّة لخدمة هذا الهدف.
وتأسيسًا على ذلك كله، تتجلى الحقيقة الراسخة في أن الصحة النفسية للعمال والموظفين لم تعد مجرد شأن جانبي أو استجابة انفعالية للأزمات، بل أضحت اليوم ضرورة وطنية، وحاجة إنسانية، وتطبيقاً مهنياً يستوجب التجسيد الميداني لحماية القوى العاملة وحفظ توازنها النفسي والاجتماعي، وإن تمكين العمال من مواجهة الضغوط والصدمات، والتعامل مع مستجدات الواقع المعقد بمهنية عالية، هو الخطوة الاستباقية الأولى للوقاية من إصابات العمل وتدهور الأداء، والضمانة الحقيقية لحفظ التوازن واستقرار علاقات العمل وحماية البناء الأسري والمجتمعي.
أخيراً، يتوجب علينا الترجمة العملية لهذه الرؤية من خلال خطوات استباقية وملموسة؛ وفي مقدمتها وضع خطط للتدخل النفسي والاجتماعي للعمال ومأسستها وضمان وجود الأخصائي النفسي والاجتماعي داخل ميادين ومواقع العمل المختلفة، ليكون عيناً راعية ترصد المخاطر المبكرة التي تمس سلامة العمال النفسية والاجتماعية والمهنية، ويداً تساند وتحمي صحتهم الشاملة، مما يمهد الطريق لنشأة بيئة عمل لائقة، ويؤسس لمرحلة جديدة من التعافي الشامل والتنمية المستدامة التي تجعل من كرامة العامل وصحته المحرك الأساسي لبناء المجتمع وإعادة إعماره.