من آدم سميث وريكاردو إلى ماركس : كيف انتقل الصراع الطبقي من اكتشاف برجوازي إلى نظرية الثورة البروليتارية ؟
الناصر بن رمضان
2026 / 8 / 12 - 16:50
من آدم سميث وريكاردو إلى ماركس :
كيف انتقل الصراع الطبقي من اكتشاف برجوازي إلى نظرية الثورة البروليتارية؟
1. ماركس لم يدّعِ اكتشاف الصراع الطبقي :
من المفيد أن نبدأ من هذه الحقيقة التي كثيراً ما تُغفل في الكتابات التبسيطية عن الماركسية. لم يقل ماركس قط إنه أول من اكتشف وجود الطبقات أو الصراع بينها. بل كتب بوضوح إلى جوزيف فايدماير في 5 مارس/آذار 1852: «لا يرجع إليّ الفضل في اكتشاف وجود الطبقات في المجتمع الحديث ولا الصراع بينها». وأضاف أن المؤرخين البرجوازيين كانوا قد عرضوا قبلَه التطور التاريخي لهذا الصراع، وأن الاقتصاديين البرجوازيين كانوا قد كشفوا «التشريح الاقتصادي» للطبقات.
هذه الشهادة الماركسية ذاتها تضعنا أمام السؤال الصحيح: إذا لم يكن ماركس مكتشف الصراع الطبقي، فما الذي اكتشفه إذن؟
الإجابة تكمن في الانتقال من مجرد اكتشاف أن المجتمع منقسم إلى طبقات متصارعة إلى اكتشاف الأساس المادي لهذا الانقسام، وقوانينه التاريخية، والقوة الاجتماعية التي تستطيع تحويل هذا الصراع إلى ثورة، والغاية التاريخية التي يمكن أن ينتهي إليها.
وهنا تحديداً يبدأ الفرق بين الاقتصاد السياسي الكلاسيكي والماركسية.
2. آدم سميث: المجتمع الاقتصادي ليس مجتمعاً متجانساً
كان آدم سميث، قبل ماركس بنحو قرن تقريباً، قد وضع الأساس الأول للاقتصاد السياسي الكلاسيكي الذي سينطلق منه ماركس لاحقاً.
في المجتمع الرأسمالي الذي بدأ يتشكل أمام عينيه، لم ير سميث أفراداً متساوين يتبادلون السلع فحسب، وإنما رأى فئات اجتماعية مختلفة تتلقى مداخيلها من مصادر مختلفة: أجور العمل، أرباح رأس المال، وريع الأرض.
وهذه النقطة ليست تفصيلاً تقنياً. إنها تعني أن الناتج الاجتماعي يتوزع بين فئات تمتلك مواقع مختلفة في عملية الإنتاج.
ومن هنا تظهر بذرة التحليل الطبقي الاقتصادي: العامل يعتمد على بيع قوة عمله؛ الرأسمالي يعتمد على امتلاك رأس المال؛ ومالك الأرض يحصل على الريع من ملكيته للأرض. وبقدر ما تختلف مصادر الدخل، تختلف المصالح الاقتصادية.
لكن سميث لم يحوّل هذه الملاحظة إلى نظرية في الصراع التاريخي. ظل في النهاية مفكراً في إطار المجتمع التجاري الصاعد، وكان يرى في الرأسمالية قوة هائلة لتطوير الإنتاج وتقسيم العمل والثروة.
إذن نحن أمام اكتشاف أولي للبنية الطبقية الاقتصادية للمجتمع الحديث، لا أمام نظرية ثورية في الصراع الطبقي.
3. ريكاردو: هنا يقترب الاقتصاد السياسي من حافة ماركس
مع دافيد ريكاردو تصبح المسألة أكثر عمقاً.
ريكاردو لم يكتفِ بالتمييز بين مصادر الدخل، وإنما جعل توزيع الناتج بين الطبقات الاجتماعية واحداً من المشكلات المركزية للاقتصاد السياسي.
المجتمع عنده ينقسم، في صورته الاقتصادية الأساسية، إلى العمال والرأسماليين وملاك الأراضي؛ والأجور والأرباح والريع هي الأشكال الرئيسية التي تتوزع بها الثروة.
وهنا ظهر تناقض بالغ الأهمية: ما يذهب إلى الأجور ليس مستقلاً تماماً عما يذهب إلى الأرباح. ولذلك أصبح توزيع الناتج الاجتماعي مسألة صراع بين مصالح اقتصادية مختلفة.
وهذا ما جعل التقليد الريكاردي أقرب بكثير إلى ماركس من الاقتصاد النيوكلاسيكي اللاحق الذي سيحاول النظر إلى الأجور والأرباح بوصفها مجرد عوائد لعوامل إنتاج متساوية في السوق. لقد كان الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، وخصوصاً ريكاردو، أكثر جرأة في وضع العلاقات الطبقية داخل قلب التحليل الاقتصادي.
ولكن ريكاردو توقف عند حدود الاقتصاد السياسي البرجوازي.
لقد استطاع أن يرى التناقض بين الأجور والأرباح، لكنه لم يسأل السؤال الماركسي الحاسم: لماذا توجد أصلاً علاقة اجتماعية تجعل فئة تملك وسائل الإنتاج وفئة أخرى لا تملك سوى قدرتها على العمل؟
ولم ينتقل من التناقض الاقتصادي بين العمال والرأسماليين إلى النتيجة السياسية الثورية: أن الطبقة العاملة يمكن أن تصبح القوة التي تغيّر علاقات الإنتاج ذاتها.
وهنا تبدأ القطيعة مع ماركس.
4. المؤرخون البرجوازيون الفرنسيون: اكتشاف الصراع الطبقي في التاريخ
لم يأتِ هذا الاكتشاف من الاقتصاديين وحدهم.
ففي فرنسا، وفي سياق الثورة الفرنسية وصعود البرجوازية، بدأ مؤرخون برجوازيون مثل أوغستان تييري وفرانسوا غيزو وأدولف تيير ينظرون إلى التاريخ الفرنسي من خلال الصراعات بين الطبقات والفئات الاجتماعية.
كان هذا مهماً للغاية.
فالبرجوازية الفرنسية لم تعد تريد كتابة التاريخ بوصفه سلسلة من أعمال الملوك والأمراء والقادة، بل بدأت ترى أن صعودها هي نفسها كان نتيجة لصراع تاريخي طويل.
لقد اكتشفت البرجوازية، وهي تكتب تاريخ انتصارها، أن التاريخ ليس ساكناً وأن الطبقات الاجتماعية تصارع من أجل المصالح والسلطة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى التي سيلتقطها ماركس:
البرجوازية نفسها اكتشفت قانون الصراع الطبقي، لكنها لم تكتشف أن هذا القانون يمكن أن ينقلب عليها.
لقد كانت مستعدة للاعتراف بأن البرجوازية صعدت ضد الإقطاع، لكنها لم تكن مستعدة للاعتراف بأن البروليتاريا يمكن أن تصعد ضد البرجوازية.
5. ماركس لم يضف «العمال» إلى نظرية موجودة؛ بل غيّر معنى النظرية كلها
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
لو كان إنجاز ماركس مجرد القول إن «العمال طبقة وأنهم يخوضون صراعاً ضد الرأسماليين»، لكان من الممكن اعتباره مجرد امتداد لريكاردو والمؤرخين الفرنسيين.
لكن هذا ليس ما حدث.
ماركس نقل التحليل إلى مستوى آخر تماماً.
بالنسبة إليه، الطبقة ليست مجرد مجموعة من الناس يحصلون على دخل متشابه. إنها علاقة اجتماعية مرتبطة بموقع الإنسان داخل عملية الإنتاج وبملكية وسائل الإنتاج.
وهذا يعني أن الطبقات ليست أبدية.
إذا تغير نمط الإنتاج، تغيرت الطبقات والعلاقات بينها.
وهذه هي النقطة التي أكد عليها ماركس في رسالته إلى فايدماير: الجديد الذي ينسبه إلى نفسه هو إثبات أن وجود الطبقات مرتبط بمراحل تاريخية محددة من تطور الإنتاج.
وهنا يتحول مفهوم الصراع الطبقي من وصف للتاريخ إلى مفتاح لفهم التاريخ نفسه.
6. من «الصراع بين الطبقات» إلى «قانون تطور أنماط الإنتاج»
هذه هي القفزة النظرية الحقيقية.
المؤرخ البرجوازي يقول: حدث صراع بين النبلاء والبرجوازية.
والاقتصادي يقول: توجد مصالح متعارضة بين العمال والرأسماليين.
أما ماركس فيسأل:
ما نمط الإنتاج الذي أنشأ هذه الطبقات؟
ثم:
ما التناقضات التي ينتجها هذا النمط؟
ثم:
كيف تتطور هذه التناقضات؟
وأخيراً:
هل يمكن أن يصبح الصراع بين الطبقات قوة لتغيير نمط الإنتاج نفسه؟
هكذا يصبح الصراع الطبقي عند ماركس ليس حادثاً سياسياً عرضياً، وإنما تعبيراً عن التناقضات الموجودة في علاقات الإنتاج.
فالعبيد والرومان لا يمكن فهمهم خارج نمط الإنتاج العبودي؛ والقنان خارج النظام الإقطاعي؛ والبروليتاريا خارج الرأسمالية.
ومن هنا تصبح الطبقة نتاجاً تاريخياً، وبالتالي تصبح قابلة للزوال تاريخياً.
7. البروليتاريا: من موضوع للاستغلال إلى ذات تاريخية
وهنا تظهر أعظم إضافة ماركسية.
كان العمال موجودين قبل ماركس.
وكان الفقر والاستغلال موجودين قبله.
وكانت إضرابات العمال وتمرداتهم موجودة قبله.
بل إن الاشتراكيين الطوباويين، مثل سان سيمون وفورييه وأوين، سبقوا ماركس في نقد الكثير من مظاهر البؤس الرأسمالي وفي الدفاع عن الطبقات العاملة.
لكن ماركس طرح السؤال بطريقة مختلفة:
هل تستطيع الطبقة العاملة أن تتحول من ضحية للرأسمالية إلى قوة تاريخية لتجاوز الرأسمالية؟
جوابه كان نعم.
فالبروليتاريا، بحكم موقعها في عملية الإنتاج الحديثة، ليست مجرد طبقة فقيرة؛ إنها الطبقة التي يرتبط وجودها مباشرة بالإنتاج الاجتماعي الحديث، والتي لا تملك وسائل الإنتاج، وبالتالي تضطر إلى بيع قوة عملها.
ومن هنا يمكن أن تتحول من طبقة مستغلة إلى طبقة واعية بذاتها ومصالحها التاريخية.
وهذه النقطة هي التي تجعل البيان الشيوعي أكثر من كتاب في الاقتصاد أو التاريخ.
إنه بيان سياسي لطبقة اجتماعية يُنظر إليها باعتبارها قوة تاريخية صاعدة.
8. من الصراع الاقتصادي إلى الصراع السياسي
هنا أيضاً يتجاوز ماركس ريكاردو.
الصراع حول الأجر مهم، لكنه ليس النهاية.
فالعامل الذي يطالب بزيادة الأجر يخوض صراعاً داخل النظام الرأسمالي.
أما العامل الذي يكتشف أن مصدر قوته الاجتماعية مرتبط بامتلاكه الجماعي لوسائل الإنتاج، فإنه ينتقل من المطالبة بحصة أكبر من الناتج إلى السؤال عن ملكية وسائل الإنتاج نفسها.
ومن هنا يتحول الصراع:
من صراع على الأجر → إلى صراع على ظروف العمل → إلى تنظيم طبقي → إلى صراع سياسي → إلى الصراع على السلطة → إلى تغيير علاقات الإنتاج.
وهذه السلسلة هي التي لم يقدمها الاقتصاد السياسي البرجوازي.
9. الثورة ليست «رغبة أخلاقية» عند ماركس
وهذا فارق آخر بالغ الأهمية.
ماركس لم يقل: ينبغي للعمال أن يثوروا لأن الثورة شيء جميل أو أخلاقي.
بل حاول أن يبين أن الرأسمالية نفسها تنتج الطبقة التي يمكن أن تصبح نقيضها التاريخي.
التطور الصناعي يجمع العمال في مواقع إنتاجية ضخمة، ويوسع السوق، ويعمم علاقات العمل المأجور، ويجعل العمال أكثر ترابطاً وتنظيماً.
أي أن الرأسمالية، في الوقت الذي توسع فيه قوة رأس المال، تطور أيضاً الشروط الاجتماعية لنشوء قوة مضادة.
ولهذا كانت إحدى أفكار البيان الشيوعي الأكثر جرأة هي أن البرجوازية لا تنتج الثروة فحسب؛ إنها تنتج أيضاً حفّاري قبرها.
10. لكن ماركس لا يقول إن الثورة تحدث آلياً
وهنا يجب الحذر من قراءة ميكانيكية للماركسية.
ليس معنى ذلك أن تطور الصناعة يؤدي بصورة آلية إلى الثورة.
فالطبقة العاملة لا تصبح قوة ثورية لمجرد أنها فقيرة أو مستغلة.
إنها تحتاج إلى التنظيم والوعي والصراع والخبرة السياسية والتحالفات والصراع على الدولة.
ولهذا فإن المسألة المركزية ليست وجود «طبقة عاملة» فقط، وإنما تحولها من طبقة موجودة موضوعياً إلى قوة سياسية واعية ومنظمة.
وهنا تلتقي النظرية بالممارسة.
11. وهنا تحديداً يصبح «البيان الشيوعي» وثيقة تأسيسية
صدر البيان الشيوعي سنة 1848 في لحظة كانت أوروبا تدخل فيها مرحلة من الثورات البرجوازية والديمقراطية، وكانت الصناعة الحديثة قد بدأت في تحويل بنية المجتمع.
ولذلك لم يكن ماركس وإنجلز يكتبان تاريخاً محايداً للصراع الطبقي.
كانا يقولان للبروليتاريا، عملياً:
أنتم لستم مجرد ضحايا لهذه العملية التاريخية؛ أنتم إحدى القوى التي يمكنها أن تتدخل فيها وتغير اتجاهها.
ومن هنا جاءت العلاقة بين التحليل الاقتصادي والسياسة الثورية.
الاقتصاد يشرح لماذا توجد الطبقات.
التاريخ يشرح لماذا تتصارع.
المادية التاريخية تشرح لماذا ليست هذه الطبقات أبدية.
والسياسة الثورية تطرح كيف يمكن للطبقة العاملة أن تتحول إلى قوة مستقلة.
12. وهنا نفهم عبارة ماركس عن «ديكتاتورية البروليتاريا»
في رسالة فايدماير، لم يكتف ماركس بالقول إن الصراع الطبقي موجود، بل اعتبر أن الجديد في تحليله هو إثبات أن الصراع الطبقي يقود، في تصوره، إلى ديكتاتورية البروليتاريا، وأن هذه الأخيرة ليست نهاية الطريق، وإنما مرحلة انتقالية نحو إلغاء الطبقات والمجتمع الطبقي نفسه.
وهذا يوضح مرة أخرى أن ماركس لم يكن يكتفي بالقول إن العمال «يقودون الثورة».
فالمسألة عنده هي الاستيلاء السياسي للطبقة العاملة على السلطة بوصفه مرحلة في تفكيك السلطة الطبقية ذاتها.
ومن هنا يمكن فهم لماذا يعتبر ماركس أن الطبقة العاملة تختلف جذرياً عن الطبقات الثورية السابقة.
فالبرجوازية استولت على السلطة لكي تقيم نمطاً جديداً من السيطرة الطبقية.
أما البروليتاريا، في التصور الماركسي، فتستخدم سلطتها السياسية من أجل إلغاء الشروط التي تجعل الطبقات ممكنة أصلاً.
13. الخلاصة: ما الذي أخذه ماركس وما الذي قلبه؟
يمكن تلخيص المسار التاريخي كله في أربع حركات فكرية:
سميث: توجد طبقات اقتصادية مختلفة ومصادر دخل مختلفة.
ريكاردو: توزيع الناتج يكشف تناقضاً في المصالح بين الطبقات، وخاصة بين الأجور والأرباح.
المؤرخون البرجوازيون الفرنسيون: الصراع بين الطبقات والفئات كان قوة أساسية في التطور التاريخي للمجتمع الحديث.
ماركس: يجمع هذه الاكتشافات، لكنه يقلب اتجاهها ويعيد تأسيسها مادياً وتاريخياً: الطبقات نتاج لأنماط إنتاج محددة، والصراع بينها محرك لتطور تلك الأنماط، والرأسمالية تنتج البروليتاريا باعتبارها نقيضها الداخلي، ويمكن للصراع الطبقي أن يتحول إلى صراع سياسي من أجل السلطة، وأن يصبح هذا الصراع مرحلة في إلغاء المجتمع الطبقي نفسه.
وهكذا فإن عظمة ماركس لا تكمن في أنه قال لأول مرة: «هناك صراع بين الطبقات».
بل في أنه قال، بصورة لم يقلها هؤلاء قبله:
إن الطبقات تاريخية وليست أبدية؛ وإن الرأسمالية نفسها تنتج تناقضاتها ونقيضها؛ وإن الطبقة العاملة ليست مجرد موضوع للاستغلال بل يمكن أن تصبح ذاتاً تاريخية واعية؛ وإن الصراع الطبقي لا ينبغي أن يُفهم فقط بوصفه موضوعاً لدراسة المؤرخ والاقتصادي، بل بوصفه مجالاً للممارسة السياسية؛ وإن نهاية الصراع الطبقي، في الأفق الشيوعي، لا تكون بانتصار طبقة على أخرى فحسب، وإنما بإلغاء الشروط الاجتماعية التي تنتج الطبقات نفسها.
وهذا هو الانتقال الحاسم:
من اكتشاف الصراع الطبقي إلى علم الصراع الطبقي؛ ومن علم الصراع الطبقي إلى سياسة الصراع الطبقي؛ ومن سياسة الصراع الطبقي إلى مشروع تجاوز المجتمع الطبقي.
ولذلك فإن عبارة ماركس في رسالة 1852 ليست هامشاً في تاريخ الماركسية، بل مفتاح لفهم أصالتها: ماركس لم يخترع الصراع الطبقي؛ لقد اكتشف قوانينه التاريخية، وحدد موقع البروليتاريا فيه، وحوّل المعرفة بالصراع الطبقي إلى نظرية ثورية.