العالم كما نعرفه يتغير


مازن كم الماز
2026 / 8 / 12 - 15:44     

لا تحدث التغييرات الجذرية عادةً إلا بعد الحروب الكبرى ، تختفي دول و تظهر أخرى و حتى تتغير التوازنات الإقليمية والدولية لكننا حتى الآن أمام حروب غير شاملة و غير حاسمة و تحولات جذرية لكنها محدودة و جزئية و محلية و حتى ممسوكة جيدًا من القوى السائدة … حتى الآن تبدو القوة الكبرى في العالم قادرة على الإمساك بزمام الأمور على الأقل في الأعم و رغم هزيمتها في أفغانستان و عجزها عن حسم المعركة مع نظام الملالي و عن حماية عروش حلفائها في عواصم الخليج ، لكنها ما تزال تملك القوة العسكرية الأكبر في العالم و ذراع طويلة قادرة على الوصول إلى كل نقطة في الأرض … مع ذلك شاهدنا في اوكرانيا و الخليج حدود القوة التي رسمها تقدم تكنولوجيا المسيرات الانتحارية و الصواريخ بعيدة و متوسطة المدى التي جعلت أكبر قوتين في العالم عاجزتين عن الحسم بل على شفا الهزيمة حتى … فشل ترامب في الحسم في الخليج سيكون له آثارًا ليست بالقليلة على النظام العالمي و الإقليمي … تبدو الصين أو النظام الصيني هو الفائز الفعلي في حروب لا يخوضها ، فتورط بوتين في اوكرانيا و ترامب في إيران سيدفع الأول أكثر لعلاقة تحالف غير متكافئة مع الصين و الثاني لسياسة أقل عدوانية تجاهها مع استنزاف قدراته العسكرية و إمساك نظام الملالي بخناق مضيق هرمز و بالتالي بسلاسل التوريد في النظام الاقتصادي العالمي … ماذا يعني هذا ؟ ستصبح إيران رسميًا بلطجي الخليج بلا منازع و ستفرض الخوات على أنظمة الخليج الملكية التي سيكون عليها التعايش مع هذا البلطجي بعد فشل كل محاولات إسقاطه ، و سيدخل الصراع البطيء غير المباشر بين الصين و امريكا مرحلة من التوازن المؤقت بانتظار تجميع كل منهما للمزيد من عناصر القوة العسكرية و الاقتصادية مع نجاة بوتين من أقسى عقوبات و حصار اقتصادي لكن بدون أفق استراتيجي واضح رغم ان هذا سيترك المجال مفتوحًا أمام صعود روسي تالي إن سمحت الظروف بينما تصارع أوروبا مشكلة المهاجرين وسط محاولات لاستعادة وحدتها و عناصر قوتها المتراجعة … لن يكتمل تشكل العالم الجديد إلا بعد وقت ليس بالقصير ربما لكن بوادر هذه التغييرات في منطقتنا شاهدناها في العراق 2003 و ليبيا 2011 و اليمن 2014 و سوريا 2024 ، و في شعور الجميع في منطقتنا أنظمة و شعوبًا بأن الوضع القائم مؤقت و بإصرار الأنظمة القائمة على اختلافها و حرصها على إحكام قبضتها على كل شيء من العقول إلى الأجساد إلى الأقلام و الأفواه … ماذا يعني هذا بالنسبة لليسار الجذري ؟ لا تنتظرنا الثورات عند المنعطف لكنها قادمة بالتأكيد ، لم تكن انتفاضات الربيع العربي حاسمة و لا واضحة المعالم ، كانت عدة ثورات في ثورة ، ثورة الاسلاميين المعارضين للأنظمة و "حلفائهم" ثورة الناشطين المشبعين بثقافة الإن جي أوز التي تشبه ما سماه ماركس في دراسته عن ثورة 1848 في فرنسا ، الثامن عشر من برومير ، بالديمقراطية البرجوازية الصغيرة ، و أخيرا الناس العاديين و المهمشين الذين ما أن اكتشفوا محدودية تلك الانتفاضات و عجزها عن تلبية و لو جزء من مطالبها حتى تخلت عنها و غادرت الساحات … هل ستكون احتجاجات الربيع العربي آخر الثورات الملونة في تاريخنا ؟ هل هزمت طائفة ناشطي الإن جي أوز نهائيًا أم ما زال بإمكانها التأثير على الجماهير لصالح الطبقات العليا أو مموليها الدوليين أو لحسابها الخاص في أفضل الاحوال ؟ ما يهم هنا هو أنه لا يمكن تعريف اليسار الجذري اليوم إلا بالتصاقه بالجماهير و مصالحها في تغيير جذري يطاول أسس الاضطهاد و الاستغلال و الاستبداد … هذه المرحلة من عدم اليقين و عدم الثبات و التي قد تطول حسب الظروف هي مرحلة الإعداد النظري الضروري للبحث في هذا التغيير الجذري الضروري لتجاوز كل أشكال الاضطهاد و التهميش و القمع و الاستغلال … لقد فشلت الماركسية و ربما لن تعود إلى واجهة الأحداث مرةً أخرى لكن الجماهير لم تكن تنتظر الماركسية لتثور ، و فشلها رغم كل آثاره السلبية المؤقتة التي أدت لانهيار مؤقت في حركة الطبقة العاملة و تراجع فكري عالمي خطير شغله تنافس اليمين القومي و الديني مع يسار وسط نيوليبرالي ، فشلها هذا قد يحمل فرصة لاستبدالها ببديل أكثر تحررية و أقرب لمصالح الناس العاديين من بيروقراطية الطبقة العاملة … لدينا بعض الوقت لنستعد للثورات القادمة و لدينا خبرة غنية من انتفاضات الربيع العربي و ما تلاها في كل مكان و تهافت البدائل المزعومة لنبني عليه ، لا يبدو الحل في سلطة فوقية تفرض بديلها بقوة الأوامر ، و تدربنا مع الناس العاديين على الحوار على إدارة أمورنا و حياتنا بأنفسنا بدون قسر أو إكراه يبدو ضروريًا لنتعلم و نصل إلى تصور مبدئي عن البديل التحرري الثوري يجب أن يبقى خاضعًا للنقاش و التعديل حسب مقتضيات الواقع و نتائج التجارب الثورية الماضية و القادمة