الرقسماليه أعلى مراحل الأمبرياليه.... ج١٠
ليث الجادر
2026 / 8 / 3 - 20:24
مستقبل المجتمع الإنساني في عصر صعود الرقسمالية
مع التطور المتسارع لأتمتة الإنتاج( لدرجه ان جزء كبير من ابتكارات هذه الأتمته لم تلج الواقع التطبيقي) ، واتساع الاقتصاد الرقمي، والتقدم غير المسبوق في الذكاء الاصطناعي، مع بقاء أسلوب الإنتاج الرأسمالي وهيمنة البرجوازية على السلطة الاقتصادية والسياسية، لم يعد السؤال عن مستقبل المجتمع الإنساني سؤالًا فلسفيًا تأملي أو تصورًا نظريًا بعيدًا، بل أصبح أحد أكثر الأسئلة التاريخية إلحاحًا.
فقد ارتبط تاريخ المجتمعات البشرية، منذ نشوء الحضارة، بتطور قوى الإنتاج. وكانت كل قفزة في وسائل الإنتاج تؤدي إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية وعلاقات السلطة وأشكال التنظيم الاقتصادي. غير أن جميع هذه التحولات، على اختلافها، اشتركت في حقيقة واحدة، وهي أن الإنسان ظل يمثل العنصر الأساسي في العملية الإنتاجية، مهما تغيرت أدواته أو ارتفعت إنتاجيته.
أما الرقسمالية فتدفع البشرية إلى عتبة تاريخية مختلفة. فالتقدم في الأتمتة، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي، والخوارزميات، لا يهدف إلى زيادة إنتاجية الإنسان، بل يتجه تدريجيًا إلى الاستغناء عن جزء متزايد من العمل البشري المباشر. وبهذا لا تتغير وسائل الإنتاج وحدها، بل تتغير الوظيفة التاريخية التي أدى بها الإنسان دوره الاقتصادي طوال القرون الماضية.
وفي الوقت نفسه، لا يحدث هذا التحول داخل علاقات إنتاج جديدة، وإنما داخل البنية الرأسمالية ذاتها، حيث ما تزال البرجوازية تحتكر ملكية وسائل الإنتاج وتوجه التطور التكنولوجي وفق منطق التراكم. ومن هنا ينشأ تناقض لم تعرفه الإنسانيه منذ نشأتها...
فالرأسمالية الصناعية، رغم ميلها الدائم إلى رفع الإنتاجية، كانت تحتاج إلى توسيع قاعدة العمل المأجور، لأن عملية التراكم كانت تعتمد في نهاية المطاف على تشغيل أعداد متزايدة من العمال. أما الرقسمالية، فإن نجاحها في تطوير التكنولوجيا يدفعها، بصورة متزايدة، إلى تقليص الحاجة إلى العمل البشري ذاته. وكلما ازداد رسوخ الاقتصاد الرقمي، أصبح الإنتاج أكثر قدرة على النمو دون توسع مماثل في استخدام قوة العمل.
وهنا ينتقل السؤال من الاقتصاد إلى المجتمع نفسه.
فإذا أصبح القسم الأكبر من الإنتاج يعتمد على أنظمة مؤتمتة وشبكات ذكية، فما الموقع الذي سيحتله الإنسان داخل هذا النظام؟ وإذا أصبحت البرجوازية قادرة على تحقيق التراكم عبر منظومات رقمية لا تحتاج إلا إلى عدد محدود من العاملين، فما مصير الملايين الذين كانت مشاركتهم في الإنتاج تمثل أساس اندماجهم الاقتصادي والاجتماعي؟ واذا ذهبنا إلى التفسير النهائي فيمكننا ان نقول مشاركتهم في الإنتاج هي شرط وجودي...
إن القضية هنا لا تتعلق بمجرد تغير في البنية الطبقية، بل بإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والإنتاج. فالمجتمعات الحديثة قامت، منذ الثورة الصناعية، على افتراض ضمني مفاده أن أغلبية البشر ستشارك، بصورة أو بأخرى، في عملية الإنتاج، وأن العمل سيكون المصدر الرئيسي للدخل، وللاندماج الاجتماعي، وللمكانة الاقتصادية. أما إذا أصبح الاقتصاد قادرًا على إنتاج ثروة متزايدة دون الحاجة إلى القسم الأكبر من قوة العمل، فإن هذا الافتراض التاريخي يفقد أساسه الموضوعي.
وعند هذه النقطة يبرز مفهوم جديد لم تعرفه الرأسمالية الصناعية بهذا الاتساع، وهو فائض البشر من منظور النظام الإنتاجي. والمقصود بذلك ليس أن الإنسان يفقد قيمته الإنسانية، ولا أن وجوده يصبح بلا معنى، وإنما أن منطق التراكم الرأسمالي لا يعود بحاجة إلى دمج القسم الأكبر من السكان في عملية الإنتاج كما كان يفعل في المراحل السابقة.
وهذا يفتح تناقضًا تاريخيًا بالغ العمق. فإذا كانت أغلبية البشر تعتمد في معيشتها على بيع قوة عملها، بينما يتجه النظام الإنتاجي إلى تقليص الحاجة إلى تلك القوة، فإن المجتمع يواجه معضلة لا يمكن حلها بمجرد رفع الإنتاجية أو إدخال تقنيات جديدة. المشكلة لم تعد في كيفية إنتاج الثروة، بل في الكيفية التي ستنظم بها الحياة الاجتماعية عندما يصبح الإنتاج منفصلًا، بدرجة متزايدة، عن الحاجة إلى العمل البشري.
هنا لا يعود السؤال المركزي: كيف ستتغير الطبقات؟ وهو السؤال الذي يشغل بال من يمركس مفردات الاقتصاد الرقمي بل يصبح: كيف سيعاد إنتاج مفهوم المجتمع نفسه؟
فإذا بقيت ملكية وسائل الإنتاج الرقمية محتكرة من قبل البرجوازية، واستمر توجيه التطور التكنولوجي وفق منطق التراكم، فإن المجتمع يشهد اتساع الفجوة بين أقلية تملك وسائل الإنتاج الجديدة وتتحكم بمخرجاتها، وبين أغلبية تتراجع أهميتها الاقتصادية داخل العملية الإنتاجية. وعندها لن يكون التحدي هو إدارة سوق العمل، بل إدارة مجتمع لم يعد سوق العمل قادرًا على استيعاب القسم الأكبر من أفراده.
وهذا لا يعني أن الرقسمالية وصلت إلى نهايتها، ولا أن انهيارها أصبح حتميًا، فالنظم التاريخية تمتلك قدرة كبيرة على إعادة إنتاج نفسها وابتكار أدوات جديدة لإدارة تناقضاتها. غير أن السؤال الذي تفرضه الرقسمالية يختلف عن جميع الأسئلة التي طرحتها المراحل السابقة من الرأسمالية. فالقضية لم تعد تتعلق بكيفية زيادة الإنتاج أو توسيع الأسواق، بل بكيفية الحفاظ على التماسك الاجتماعي في ظل تراجع الحاجة الاقتصادية إلى الإنسان بوصفه قوة عمل.
ومن هنا فإن مستقبل المجتمع الإنساني لن يتحدد بمدى تطور الذكاء الاصطناعي أو الأتمتة وحدهما، بل بالطريقة التي ستعاد بها صياغة العلاقة بين التكنولوجيا، والعمل، والثروة، والسلطة. فإذا بقيت التكنولوجيا أداة لتعظيم التراكم داخل الإطار الرأسمالي، فإن المجتمع سيجد نفسه أمام تحديات تتجاوز حدود الاقتصاد إلى تعريف الإنسان نفسه ودوره في الحضارة.
وبذلك تفتح الرقسمالية سؤالًا لم يسبق أن واجهته البشرية بهذا الوضوح: هل يستطيع مجتمع تأسس تاريخيًا على العمل المأجور أن يستمر عندما يصبح العمل البشري، بفعل التطور التكنولوجي، أقل أهمية في إنتاج الثروة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل الرأسمالية وحدها، بل قد تحدد مستقبل المجتمع الإنساني بأسره، لأن القضية لم تعد تتعلق بمصير نظام اقتصادي فحسب، وإنما بمصير الإنسان داخل حضارة أصبحت تمتلك القدرة على الإنتاج بقدر متزايد دون الحاجة إلى معظم منتجيها.
المآلات الطبقية في مجتمعات المراكز الرقسمالية
وإذا كان هذا التحول يطرح سؤال مستقبل المجتمع الإنساني بصورة عامة، فإن آثاره لن تتجلى بالدرجة نفسها في جميع المجتمعات. فالمجتمعات التي تتركز فيها الرقسمالية، وتبلغ فيها الأتمتة والاقتصاد الرقمي أعلى درجاتهما، ستكون أول من يواجه النتائج الطبقية والاجتماعية لهذا التناقض. ومن هنا يصبح من الضروري النظر في الاتجاهات المحتملة لإعادة تشكل البنية الطبقية داخل هذه المجتمعات.
فالتناقض الذي جرى تناوله في الصفحات السابقة لا يتمثل في مجرد إحلال الآلة محل الإنسان، بل في اتساع الفجوة بين القدرة المتزايدة على إنتاج الثروة، وبين التراجع التدريجي للحاجة إلى العمل البشري بوصفه المصدر الرئيس للتراكم. وهذه الظاهرة لا تعني أن العمل سيختفي، وإنما تعني أن موقعه التاريخي داخل عملية الإنتاج سيتراجع بصورة لم تعرفها الرأسمالية الصناعية.
ولهذا فإن مجتمعات المراكز الرقسمالية ستكون أول من يواجه نتائج هذا التحول البنيوي. فهناك، حيث تتمركز المنصات الرقمية، وشركات الذكاء الاصطناعي، والبنى التحتية للاقتصاد الرقمي، ستصبح القدرة على إنتاج الثروة أقل ارتباطًا بتوسيع قاعدة العمل المأجور، وأكثر ارتباطًا بامتلاك التكنولوجيا والبيانات والخوارزميات. وعندئذ لن يقتصر التغير على سوق العمل، بل سيمتد إلى الأساس الذي قامت عليه البنية الاجتماعية الحديثة.
ولا يعني ذلك أن هذه المجتمعات ستدخل في انهيار مباشر، أو أن الرقسمالية ستفقد قدرتها على إعادة إنتاج نفسها، بل إن المرجح هو أنها ستسعى إلى ابتكار صيغ جديدة لإدارة هذا التناقض وهي بالفعل بدأت بهكذا من خلال اعاده توازن القوى على الصعيد العالمي . وهذا يؤشر على أن نجاحها في إدارة التناقض لا يلغي وجوده، بل قد ينقله من المجال الاقتصادي إلذاتي الى المجال الاجتماعي والسياسي على مستوى الإنسانيه برمتها...
وهنا تظهر بوادر وصول مجتمعات المركز مرحلة جديدة من الصراع الطبقي، ولكن ليس بالصيغة التي عرفتها الرأسمالية الصناعية. فالصراع التقليدي كان يدور داخل عملية الإنتاج، بين من يملك وسائل الإنتاج ومن يبيع قوة عمله. أما في الرقسمالية، فإن التناقض يتجه تدريجيًا إلى تجاوز حدود المصنع وسوق العمل، ليصبح صراعًا حول الحق في الوجود الاقتصادي والاجتماعي داخل مجتمع لم يعد يحتاج، من الناحية الإنتاجية، إلى دمج أغلبية أفراده بالقدر الذي احتاج إليه في المراحل السابقة.
إن جوهر هذا الصراع لن يكون المطالبة برفع الأجور أو تحسين شروط العمل فحسب، بل الدفاع عن المكانة الاجتماعية للإنسان ذاته. فالعمل لم يكن، طوال العصر الصناعي، مجرد وسيلة للحصول على الدخل، وإنما كان أساس الاندماج في المجتمع، ومصدرًا للهوية والمكانة والاعتراف الاجتماعي. وإذا أخذ هذا الأساس بالتآكل، فإن ملايين البشر سيجدون أنفسهم أمام تحدٍّ يتجاوز البطالة المؤقتة إلى التساؤل عن موقعهم داخل النظام الاجتماعي نفسه.
ومن المرجح، في ظل هذه التحولات، أن تتجه البنية الطبقية في مجتمعات المركز نحو مزيد من الاستقطاب. فمن جهة، ستزداد قوة الأقلية المالكة لوسائل الإنتاج الرقمية والبنى التحتية والخوارزميات، وستتعاظم قدرتها على توجيه عملية التراكم. ومن جهة أخرى، ستتراجع المكانة الاقتصادية لقطاعات واسعة من السكان مع تقلص الحاجة إلى العمل البشري المباشر، حتى وإن بقي كثير منهم يمارس أعمالًا جزئية أو مؤقتة أو منخفضة القيمة الاقتصادية.
وبذلك لن يكون التناقض الرئيس في مجتمعات المراكز الرقسمالية مجرد تناقض بين رأس المال والعمل داخل عملية الإنتاج، بل بين رأس المال الرقمي ومجتمع يتزايد فيه عدد البشر الذين لم يعد النظام بحاجة إلى دمجهم اقتصاديًا، في الوقت الذي لا يستطيع الاستغناء عنهم بوصفهم مكونات أساسية للاستقرار الاجتماعي والسياسي. وهنا تنتقل الأزمة من حدود الاقتصاد إلى حدود المجتمع نفسه، وتصبح قضية إعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان والثروة والعمل إحدى القضايا المركزية التي ستحدد اتجاه التطور التاريخي خلال العقود القادمة.
ومن ثم، فإن مستقبل مجتمعات المراكز الرقسمالية لن يتوقف على سرعة تطور الذكاء الاصطناعي أو اتساع الأتمتة وحدهما، بل على قدرتها على إنتاج صيغة تاريخية جديدة تعيد التوازن بين التقدم التقني واستمرار الاندماج الاجتماعي. فإذا أخفقت في ذلك، فإن التناقض الذي بدأ داخل عملية التراكم سيتحول تدريجيًا إلى صراع اجتماعي وسياسي واسع، تدفعه قطاعات متزايدة من المجتمع دفاعًا عن حقها في الوجود الاقتصادي والاجتماعي، لا باعتباره مطلبًا أخلاقيًا فحسب، بل بوصفه شرطًا وجوديًا لاستمرار المجتمع... وهنا يلوح عوده النظام في مراكز الرأسمال إلى دور الدوله الراعيه المنظمه للاقتصاد كشرط أساسي لكفالة الأمن الوجودي الاجتماعي..الذي يرتكز على تدخلها في توفير ألحاجات الضروريه والملحه للفئات والطبقات المحرمه...
وإذا كانت هذه التداعيات ما تزال تمثل اتجاهًا تاريخيًا يتبلور تدريجيًا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل بدأت هذه التحولات تجد تعبيرها في الواقع السياسي لمجتمعات المراكز الرقسمالية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تستند إلى التنبؤ، بل إلى رصد المؤشرات التي أخذت تظهر في قلب المجتمع الأمريكي، بوصفه المركز التاريخي للرقسمالية المعاصرة
فهل يمكن رصد مؤشرات أولية تدل على أن هذا التناقض بدأ يجد تعبيره في الواقع؟
إن الإجابة لا تُبنى على حادثة منفردة، ولا على تصريح سياسي بعينه، وإنما على قراءة الاتجاهات التي بدأت تتشكل داخل المجتمع الذي يمثل المركز التاريخي للرقسمالية المعاصرة، أي الولايات المتحدة الأمريكية.
وتكتسب الحالة الأمريكية أهمية خاصة، ليس لأنها الدولة الأكثر تقدمًا في الاقتصاد الرقمي فحسب، بل لأنها ظلت، طوال عقود، تمثل الحصن الأيديولوجي الأبرز للرأسمالية الليبرالية، وكانت تنظر إلى الخطاب الاشتراكي أو الشيوعي بوصفه نقيضًا لهويتها السياسية والاقتصادية. ومن هنا، فإن التحول الذي تشهده الحياة السياسية الأمريكية اليوم لا تكمن أهميته في الأشخاص أو الأحزاب، وإنما في طبيعة القضايا التي أصبحت تحتل مركز الصراع السياسي.
فمن جهة، عاد الخطاب الداعي إلى العدالة الاجتماعية، والحد من التركز الشديد للثروة، وإعادة توزيع الدخل، وفرض قيود أكبر على نفوذ الشركات العملاقة، ليحظى بحضور واسع داخل النقاش السياسي الأمريكي، بعد أن كان مثل هذا الخطاب لعقود طويلة هامشيًا أو محدود التأثير. ومن جهة أخرى، أخذت القيادات المحافظة، وفي مقدمتها الرئيس دونالد ترامب، تجعل من مهاجمة اليسار، والتحذير من الاشتراكية والشيوعية، محورًا متكررًا في خطابها السياسي، مقدمة هذه التيارات بوصفها خطرًا يهدد الولايات المتحدة ونظامها الاقتصادي.
إن أهمية هذه الظاهرة لا تكمن في صحة هذا الخطاب أو خطئه، ولا في تقييم هذا التيار أو ذاك، وإنما في دلالتها التاريخية. فحين تصبح المسألة الطبقية، والحديث عن إعادة توزيع الثروة، ومستقبل النظام الاقتصادي، موضوعًا للصراع في أعلى مستويات الخطاب السياسي داخل الولايات المتحدة، فإن ذلك يشير إلى أن التناقضات الاجتماعية لم تعد كامنة تحت سطح الاستقرار الذي ميّز المرحلة النيوليبرالية، بل بدأت تفرض نفسها على المجال السياسي بصورة متزايدة.
ومن هذا المنظور، فإن الاستقطاب المتصاعد بين خطاب يدعو إلى مزيد من العدالة الاجتماعية، وخطاب يرى في تلك الدعوات تهديدًا وجوديًا للنظام الرأسمالي، لا ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد تنافس انتخابي أو اختلاف أيديولوجي عابر، بل بوصفه أحد المؤشرات المبكرة على انتقال التناقض البنيوي الذي تخلقه الرقسمالية من المجال الاقتصادي إلى المجال السياسي.
ولا تُقدَّم هذه الوقائع باعتبارها دليلًا قاطعًا على صحة طرحنا هذا، وإنما بوصفها إشارات تاريخية أولية تتسق مع الاتجاه العام الذي يناقشه هذا الطرح. فالنظرية لا تُثبتها التصريحات السياسية، لكنها تستطيع أن تجد فيها انعكاسًا مبكرًا عندما تبدأ التحولات البنيوية بالظهور في وعي المجتمع وصراعاته. وإذا كانت الرقسمالية تعيد بالفعل تعريف العلاقة بين الإنسان والعمل والثروة، فمن الطبيعي أن يكون أول تعبير سياسي عن هذا التحول هو عودة المسألة الطبقية إلى قلب الصراع في المجتمع الذي يمثل المركز التاريخي للرأسمالية العالمية.
الجدلية المغلقة للرقسمالية
إن التناقض الذي تفتحه الرقسمالية لا ينحصر في إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والعمل، بل يمتد إلى طبيعة الاقتصاد الرقمي نفسه. فالنشاط الرقمي، في جوهره البنيوي، لا يقوم على إنتاج السلع المادية التي توسع القاعدة الإنتاجية للمجتمع، بقدر ما يقوم على السيطرة على شبكات الإنتاج والتبادل والتواصل والبيانات، والاستحواذ على القيمة المتولدة في مختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، وإعادة تركيزها داخل المنصات الرقمية الكبرى. ومن هذا المنظور، فإن التراكم في الاقتصاد الرقمي يكتسب طابعًا ريعيًا واحتكاريًا متزايدًا، لأنه يقوم على احتكار البنية الرقمية التي تمر عبرها حركة المجتمع، أكثر مما يقوم على إنتاج قيمة مادية جديدة.
وفي الوقت نفسه، تعمل الرقسمالية، من خلال الأتمتة والذكاء الاصطناعي، على تقليص الحاجة إلى العمل البشري المباشر بوصفه عنصرًا من عناصر العملية الإنتاجية. وهنا يتولد تناقض تاريخي بالغ العمق؛ فالنظام الذي يراكم الثروة عبر الاستحواذ على القيمة الاجتماعية، هو ذاته النظام الذي يعمل تدريجيًا على تقليص القاعدة البشرية التي كانت، تاريخيًا، مصدر إنتاج تلك القيمة، ومصدر الدخل والاستهلاك والاستقرار الاجتماعي.
وبذلك تدخل الرقسمالية في جدلية مغلقة. فكلما ازداد نجاحها في توسيع الأتمتة وتعظيم التراكم الرقمي، اتسعت في المقابل الفجوة بين القدرة على إنتاج الثروة وبين قدرة المجتمع على إعادة إنتاج شروطه الاجتماعية. ويغدو التقدم التقني، الذي يمثل مصدر قوة الرقسمالية، مصدرًا لتفاقم تناقضها الداخلي في الوقت نفسه. فالنظام، كلما ازداد نجاحًا في تحقيق أهدافه الاقتصادية، اقترب أكثر من تقويض الأساس الاجتماعي الذي يقوم عليه استقراره.
هذا التناقض لا يجد حله داخل حدود مجتمعات المراكز الرقسمالية وحدها. فاستمرار تراكم رأس المال الرقمي يتطلب بقاء هذه المراكز محتكرة لأصول الاقتصاد الرقمي العالمية؛ من المنصات، والبنية التحتية للشبكات، والخوارزميات، والبيانات، والمعايير التقنية، وحقوق الملكية الفكرية. فهذه السيطرة ليست مجرد تعبير عن التفوق التكنولوجي، بل تصبح شرطًا بنيويًا لاستمرار تدفق القيمة من الاقتصاد العالمي إلى مراكز التراكم الرقمي، بما يؤجل انفجار التناقضات الداخلية التي يولدها هذا النمط من التراكم.
وعليه، فإن الرقسمالية لا تدفع مجتمعات المركز إلى إعادة تشكيل بنيتها الطبقية فحسب، بل تدفعها أيضًا إلى تعميق هيمنتها على الاقتصاد العالمي. فكلما اشتد التناقض الداخلي بين التراكم الرقمي وتراجع الحاجة إلى العمل البشري، ازدادت أهمية السيطرة على الفضاء الرقمي العالمي بوصفه المصدر الرئيس لاستمرار التراكم. وبهذا المعنى، يصبح الاحتكار الرقمي العالمي ليس خيارًا سياسيًا يمكن العدول عنه، وإنما ضرورة بنيوية يفرضها منطق الرقسمالية ذاته.
ومن هنا، يمكن فهم كثير من الصراعات الدائرة حول التكنولوجيا، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، وشبكات الاتصالات، والبيانات، والملكية الفكرية، بوصفها أكثر من مجرد منافسة اقتصادية. فهي تعبر عن صراع على السيطرة على الأساس الذي يقوم عليه التراكم الرقمي العالمي، لأن فقدان هذه السيطرة لا يعني تراجع النفوذ الدولي لمجتمعات المركز فحسب، بل يعني أيضًا تسارع انتقال تناقضاتها الداخلية من المجال الاقتصادي إلى المجال الاجتماعي والسياسي. وبهذا المعنى، فإن الرقسمالية، كلما ازدادت تقدمًا من الناحية التقنية، ازدادت اعتمادًا على توسيع نطاق هيمنتها العالمية للحفاظ على توازنها الداخلي، وهو ما يجعل التناقض بين المركز والأطراف جزءًا لا ينفصل عن التناقضات التي تعيد تشكيل مجتمعات المركز نفسها.
هوامش الدلائل
“ما سبق طرحه نظريًا لا يهدف إلى التنبؤ بحتمية انهيار العمل، بل إلى إبراز الاتجاه البنيوي الذي تدفع إليه الرأسمالية الرقمية داخل الاقتصادات المتقدمة. الفقرات التالية تكتفي بسرد مؤشرات وإحصاءات من تقارير دولية، لتوضيح أن السؤال عن ‘فائض البشر من منظور النظام’ ليس سؤالًا تجريديًا، بل له ما يسنده من معطيات رقمية أولية.”
1) التعرض الكلي للذكاء الاصطناعي في سوق العمل
تقدّر تقارير صندوق النقد الدولي أن نحو 40% من الوظائف عالميًا معرّضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، سواء عبر الاستبدال الجزئي أو التحويل الجذري لطبيعة المهام. وفي الاقتصادات المتقدمة، ترتفع النسبة إلى نحو 60% من الوظائف، بينما تصل إلى نحو 40% في الاقتصادات الصاعدة و26% في البلدان منخفضة الدخل. هذه الفجوة تعكس أن “الرقسمالية” تتركز تأثيراتها أولًا في القلب الرأسمالي المتقدم، وهو ما يتوافق مع فكرة “فائض البشر من منظور النظام” في هذه الاقتصادات.
2) هل الأتمتة تعني “إلغاء العمل” أم “إعادة تركيبه”؟
تحليلات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لـ 21 بلدًا من بلدانها قدّرت أن 9% فقط من الوظائف كانت “قابلة للأتمتة” بمعناها الضيق (أتمتة شاملة للمهام)، لكن 25% إضافية كانت معرضة “لتغيير كبير” في طبيعتها. هذا يعني أن المشهد ليس “اختفاءً كليًا للعمل”، بل إعادة توزيع للمهام وتحويل وظائف كاملة بدل إلغائها، ما يعزز فكرة “تراجع مركزية العمل المأجور” لا “موت العمل”.
3) التحول القطاعي: من الصناعة إلى الخدمات
بيانات سوق العمل العالمي تُظهر أن الخدمات شكّلت 50.32% من التوظيف العالمي في 2024، مقابل 23.60% للصناعة و26.07% للزراعة. هذا يشير إلى أن الاقتصاد العالمي أصلًا يتحرك نحو قطاعات أكثر قابليةً للرقمنة، وأقل اعتمادًا على العمل اليدوي التقليدي، ما يسهّل عملية “فصل الإنتاج عن الحاجة إلى العمل المباشر”.
4) اللا مساواة: من سيستفيد ومن سيُهمَّش؟
تقرير صندوق النقد الدولي يربط صعود الذكاء الاصطناعي بزيادة عدم المساواة داخل البلدان وبينها، لا بمجرد رفع الإنتاجية. ضمن الوظائف المعرضة في الاقتصادات المتقدمة، يُتوقع أن نحو النصف قد يستفيد من التكامل مع الذكاء الاصطناعي، بينما النصف الآخر قد يتضرر عبر انخفاض الطلب على العمل والأجور. هذه النتيجة تمنح سندًا قويًا لفرضية “توسع الفجوة بين أقلية تملك وسائل الإنتاج الرقمية وأغلبية تتراجع أهميتها الاقتصادية” في النص.
5) اتجاهات الأتمتة الصناعية كخلفية بنيوية
تقارير عن سوق أتمتة المصانع تشير إلى نمو قوي ومتوقع في قيمة هذا السوق بمعدل سنوي مركب يقارب 8.6% خلال 2024–2032. هذا لا يعني أن “كل المصانع صارت بلا عمال”، لكنه يؤكد أن المنطق الاستثماري يتجه بوضوح نحو تقليل الاعتماد على العمالة البشرية في عمليات الإنتاج الأساسية.
6) التوظيف القطاعي عالميًا (منظمة العمل الدولية / البنك الدولي)
قواعد بيانات البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية تُظهر تراجعًا مطّردًا في حصة العمالة الزراعية، وارتفاعًا في حصة الخدمات، مع تباين كبير بين الاقتصادات المتقدمة والنامية. هذه الخلفية تعزز فكرة أن “فائض البشر من منظور النظام” لا يظهر بنفس الشكل في كل مكان، بل هو ظاهرة مركّزة في الاقتصادات التي تشهد أعلى درجات الأتمتة والرقمنة.