من سمير أمين إلى مدرستي تسينغهوا ورينمين.. الانتقال من نقد النظام العالمي إلى هندسة الدولة القومية
احمد صالح سلوم
2026 / 8 / 3 - 14:51
مقدمة
يمثل الفكر البنيوي الماركسي واحداً من أكثر المناهج الفكرية تأثيراً في تحليل النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين. غير أن هذا الفكر لم يظل أسيراً لمنظور واحد، بل شهد تحولات جذرية في مراميه وأدواته وسياقاته، تعكس تحولات الواقع الموضوعي ذاته. فإذا كان النصف الثاني من القرن العشرين قد شهد صعود نظرية التبعية بوصفها أداة نقدية لنظام عالمي قائم على الاستغلال والهيمنة، فإن العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين شهدت تحول هذا الفكر ذاته إلى أداة لإدارة الاستقرار وبناء الدولة في سياق صعود قوى جديدة على المسرح العالمي.
يتناول هذا البحث التحول الإبستمولوجي والمنهجي في الفكر البنيوي الماركسي، ممثلاً في الانتقال من مشروع سمير أمين النقدي-التحرري إلى المقاربات البنيوية التي تتبناها جامعتا تسينغهوا ورينمين في الصين المعاصرة. وينقسم البحث إلى ثلاثة محاور رئيسية: الأول يتناول التحول من "أيديولوجيا المقاومة" إلى "سوسيولوجيا الحوكمة"، والثاني يحلل إعادة تعريف علاقة "الداخل" بالخارج في سياق التنمية، والثالث يناقش تحول المنهجية من الجدل النظري إلى الهندسة الاجتماعية الكمية. ويخلص البحث إلى أن هذا الانتقال يعكس تحولاً في الفكر الماركسي من مرحلة تفسير ونقد النظام الرأسمالي العالمي إلى مرحلة التطبيق البراغماتي والهندسة الاجتماعية داخل الدولة القومية الصاعدة.
المحور الأول: التحول من "أيديولوجيا المقاومة" إلى "سوسيولوجيا الحوكمة"
سمير أمين ونظرية التبعية: نقد النظام العالمي
يُعد سمير أمين (1931-2018) واحداً من أبرز المفكرين الماركسيين في النصف الثاني من القرن العشرين، وهو الذي وُصف بأنه من أهم المفكرين وأكثرهم تأثيراً في العالم الثالث. ولد أمين في القاهرة لأب مصري وأم فرنسية، وقضى شبابه في بورسعيد، وانخرط باكراً في الماركسية إبان الحرب العالمية الثانية حيث انضم إلى المجموعة الشيوعية بين طلاب مصر المنقسمين بين شيوعية وقومية.
تمثل نظرية أمين في جوهرها امتداداً للنقد الماركسي للرأسمالية، لكنه أضاف إليها بُعداً جديداً تمثل في تحليل العلاقة بين المركز الرأسمالي والأطراف التابعة. فقد اعتُبر أمين رائداً في نظرية التبعية ونظرية المنظومات العالمية، حيث قدّم تحليلاً للتراكم على الصعيد العالمي من خلال آليات التبادل غير المتكافئ بين بلدان المركز الرأسمالي والأطراف في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وقد ثوّرت مدرسة التبعية فهمنا للعالم الثالث وأسباب تخلّفه، رابطةً هذا التخلّف بآليات تطوّر الرأسمالية على مستوى العالم كلّه.
إن مشروع أمين الفكري كان مشروعاً نقدياً بامتياز، يستهدف تفكيك البنى التي تُنتج التخلف والتبعية. فهو لم يكتفِ بوصف الواقع، بل سعى إلى كشف آليات إنتاجه، وهذا هو جوهر "أيديولوجيا المقاومة" التي حملها فكره. فالمقاومة هنا ليست مجرد موقف سياسي، بل هي إطار نظري ومنهجي يُعيد قراءة التاريخ والاقتصاد والسياسة من منظور المهمشين والمستعمَرين. وقد تجلّى هذا المنحى النقدي في نقده للمجال الليبرالي لدراسات التنمية، الذي افترض أن الاقتصادات الوطنية لها الأسبقية على الاقتصاد العالمي. وهو موقف يعكس وعياً عميقاً بأن التنمية لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية العالمية التي تُحدد موقع كل دولة فيها.
المدرسة الصينية البنيوية: من النقد إلى الحوكمة
على النقيض من المشروع النقدي الذي مثله سمير أمين، تتبنى الجامعات الصينية الكبرى - وفي مقدمتها جامعة تسينغهوا وجامعة رينمين - مقاربة بنيوية مختلفة تماماً في جوهرها ومراميها. فإذا كان همّ أمين هو تفكيك النظام العالمي وكشف عوراته، فإن همّ المدرسة الصينية هو بناء الدولة وإدارة استقرارها في سياق صعودها العالمي.
تتأسس هذه المقاربة على تحول جذري في موقع الفكر الماركسي نفسه. فالماركسية لم تعد في السياق الصيني أداة لنقد النظام القائم من الخارج، بل أصبحت إطاراً معرفياً لتوجيه بناء الدولة وإدارة تحولاتها. وهذا ما يمكن تسميته بـ"سوسيولوجيا الحوكمة" - أي تحويل البنيوية من منهج نقدي إلى منهج إداري وتطبيقي.
يتجلى هذا التحول في تركيز الجامعات الصينية على قضايا الحوكمة والتنمية والاستقرار الاجتماعي. ففي جامعة تسينغهوا، نجد اهتماماً متزايداً بتحليل هياكل الحوكمة على مستويات متعددة، من الحوكمة المؤسسية داخل الجامعة نفسها إلى الحوكمة الوطنية والدولية. وقد أشارت الدراسات إلى وجود نماذج متعددة للحوكمة في جامعة تسينغهوا، من بينها نموذج التنسيق، ونموذج التفاعل الأكاديمي-الاجتماعي، والنموذج الموجّه من الدولة. وهذا يعكس تحولاً من التفكير في "كيف يُستغل النظام" إلى التفكير في "كيف يُدار النظام".
أما جامعة رينمين، فتتبنى نهجاً مشابهاً، حيث يركّز برنامج الماجستير في التنمية والحوكمة على التكامل النظري مع الممارسات التنموية الصينية منذ الإصلاح والانفتاح. وقد أكد أحد أساتذة الاقتصاد في الجامعة على أن الفهم الفعّال للتنمية الصينية يتطلب تحولاً من الأطر الغربية إلى منظور متكامل يدرك كيف تتضافر المؤسسات الرسمية والآليات غير الرسمية الجماعية لتشكيل نظام حوكمة متكيف.
من التحرر الوطني إلى إدارة الصعود العالمي
يمكن القول إن الفرق الجوهري بين المشروعين يكمن في تحول السياق التاريخي. فقد كان سياق سمير أمين هو سياق "التحرر الوطني" في القرن العشرين، حيث كانت الدول المستعمَرة حديثاً تبحث عن سبل للخروج من دائرة التبعية والاستغلال. وكانت نظرية التبعية تعبيراً عن هذا السياق، حيث قدّمت إطاراً لفهم أسباب التخلف وسبل التحرر منه.
أما السياق الصيني المعاصر فهو سياق "إدارة الصعود العالمي"، حيث أصبحت الصين قوة صاعدة على المستوى العالمي، ولم تعد بحاجة إلى نقد النظام بقدر ما أصبحت بحاجة إلى أدوات لإدارة موقعها الجديد في هذا النظام. وهذا ما يفسر تحول الفكر البنيوي من كونه أداة نقدية إلى كونه أداة إدارية.
إن هذا التحول ليس مجرد تحول في الموضوعات، بل هو تحول في وظيفة الفكر ذاته. فالفكر لم يعد يُنتج ليفكك، بل أصبح يُنتج ليُبني ويدير. وهذا ما يفسر التحول من "أيديولوجيا المقاومة" إلى "سوسيولوجيا الحوكمة". فالمقاومة كانت تتطلب نظرة نقدية تكشف التناقضات وتفضح الهيمنة، بينما الحوكمة تتطلب نظرة بناءًة تبحث عن آليات الاستقرار والتوازن والتنمية.
المحور الثاني: إعادة تعريف "الداخل" و"الخارج" في التنمية
معادلة سمير أمين: فك الارتباط كشرط للتنمية
يمثل مفهوم "فك الارتباط" (Delinking) حجر الزاوية في مشروع سمير أمين التنموي. ففي نظره، لا يمكن لدول الجنوب أن تتطور فعلياً إذا بقيت خاضعة لقوانين السوق الرأسمالية العالمية. وبالتالي، فإن فك الارتباط ليس انكفاءً كلياً على الذات أو اقتصادات مغلقة، بل هو إخضاع إرادي للعلاقات الدولية وإعادة تكييف شروط التنمية الداخلية مع العلاقات الدولية الراهنة، وإخضاع آليات السوق لحاجيات التطور الداخلي.
يرى أمين أن فك الارتباط يمكن أن يُدمّر النظام العالمي من الخارج، وهو السبيل الوحيد الممكن لنظام عالمي مختلف يخلف الرأسمالية العالمية. وهذا يعني أن فك الارتباط ليس مجرد استراتيجية تنموية، بل هو مشروع سياسي-نظري لإعادة تشكيل النظام العالمي برمته. وهو يقوم على فكرة أن "الخارج" الرأسمالي يمتص ثروات "الداخل" عبر آليات التبادل غير المتكافئ، وبالتالي فإن أي تنمية حقيقية تستلزم قطع هذه العلاقة الاستغلالية.
غير أن أمين لم يكن يدعو إلى فك ارتباط بنسبة 100%، إذ أقر بأن ذلك يكاد يكون مستحيلاً. بل كانت دعوته إلى إعادة هيكلة العلاقة مع الخارج بحيث تُخضع آليات السوق العالمية لمتطلبات التنمية الداخلية، وليس العكس. وهي رؤية تجمع بين النقد الراديكالي للنظام العالمي والوعي بضرورة الانخراط فيه بشكل نقدي وانتقائي.
المعادلة الصينية: التكيف الهيكلي المزدوج
على النقيض من دعوة أمين إلى فك الارتباط، تتبنى الصين المعاصرة استراتيجية مختلفة تماماً يمكن تسميتها بـ"التكيف الهيكلي المزدوج". وهذه الاستراتيجية تقوم على محورين متوازيين: الأول هو إعادة هندسة البنية الاجتماعية الداخلية، والثاني هو الاندماج الذكي في العولمة مع محاولة إعادة تشكيلها.
فيما يتعلق بالمحور الداخلي، تركّز الصين على بناء "مجتمع الرخاء المشترك" كهدف استراتيجي. وهذا المفهوم يتجاوز مجرد توزيع الدخل، ليشمل معالجة التنمية غير المتكافئة وغير الكافية، وتوسيع حجم شريحة ذوي الدخل المتوسط، وتحسين الوصول إلى الخدمات العامة الأساسية. ويُعد السعي إلى الرخاء المشترك سمة مميزة للتحديث الصيني النمط تميّزه عن نماذج التنمية الغربية. وهو يمثل استجابة اشتراكية للضغوط التي أدت إلى اتساع فجوات الدخل في العديد من الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة.
وهذا التركيز على البنية الاجتماعية الداخلية - تقوية الطبقة الوسطى، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوسيع الخدمات العامة - يعكس تحولاً في فهم علاقة "الداخل" بنفسه. فالتنمية لم تعد تُفهم فقط من خلال علاقة الدولة بالعالم الخارجي، بل أصبحت تُفهم أيضاً من خلال علاقة الدولة بمجتمعها وبنيتها الطبقية. وهذا ما يمكن تسميته بـ"الهندسة الاجتماعية"، حيث تُعاد هيكلة المجتمع من الداخل ليكون أكثر تماسكاً واستقراراً وقدرة على مواجهة تحديات العولمة.
أما فيما يتعلق بالمحور الخارجي، فالصين لم تتبنَّ استراتيجية فك الارتباط، بل اختارت استراتيجية الاندماج النشط في العولمة مع محاولة إعادة تشكيلها. وتتجسد هذه الاستراتيجية في مبادرات كبرى مثل مبادرة "الحزام والطريق"، التي أصبحت بشكل متزايد ركيزة للسياسة الخارجية الصينية. وهذه المبادرة ليست مجرد مشروع اقتصادي، بل هي محاولة لإعادة تشكيل بنية العولمة نفسها، من خلال خلق مسارات جديدة للتبادل التجاري والاستثماري والثقافي تتجاوز الهيمنة الغربية التقليدية.
وهكذا، فإن المعادلة الصينية المعاصرة تختلف جوهرياً عن معادلة أمين. فبدلاً من فك الارتباط بالخارج، تختار الصين التكيف معه وإعادة تشكيله في آن واحد. وبدلاً من اعتبار الخارج مصدراً للاستغلال فقط، تعتبره مجالاً للفرص والتأثير. وهذا التحول في تصور علاقة "الداخل" بالخارج يعكس تحولاً في موقع الصين نفسها من طرف تابع إلى قوة صاعدة تسعى إلى إعادة تشكيل قواعد اللعبة العالمية.
جدلية الاندماج والفك
ما يثير الاهتمام في هذا السياق هو أن التجربة الصينية قد قُرئت من قبل بعض المحللين من خلال عدسة نظرية التبعية نفسها. فقد حاول بعض الباحثين تطبيق مفهوم فك الارتباط على الحالة الصينية، مناقشين كيف تمكنت الصين من الاندماج في العلاقات العالمية دون التخلي عن استراتيجية فك الارتباط من الإمبريالية. وهذا يشير إلى أن التناقض بين المشروعين ليس تناقضاً مطلقاً، بل هو تناقض جدلي يعكس تحول الظروف الموضوعية.
فالصين، في نظر هؤلاء المحللين، لم تتبنَّ فك الارتباط بالمعنى الأميني، لكنها تبنت شكلاً من أشكال التكيف الانتقائي مع العولمة، حيث تظل الأولوية للتنمية الداخلية وللسيادة الوطنية، مع الانخراط في النظام العالمي بشروط تأخذ في الاعتبار المصالح الوطنية. وهذا ما يفسر التناقض الظاهر بين الاندماج العميق للصين في سلاسل التوريد العالمية من جهة، وسعيها المستمر إلى بناء نظام مالي وتكنولوجي موازٍ من جهة أخرى.
غير أن الفرق الجوهري يظل قائماً: فبينما كان فك الارتباط عند أمين مشروعاً نقدياً-تحررياً يهدف إلى تفكيك النظام العالمي من الخارج، فإن التكيف الهيكلي المزدوج في الحالة الصينية هو مشروع بناء-إداري يهدف إلى تعظيم المكاسب من النظام العالمي مع تقليل مخاطره، وإعادة تشكيله تدريجياً بما يتوافق مع المصالح الصينية. وهذا الفرق في الهدف يفسر الفرق في المنهج والأداة.
المحور الثالث: المنهجية - الجدل النظري مقابل الهندسة الاجتماعية الكمية
منهج سمير أمين: الاقتصاد السياسي النقدي
تميز منهج سمير أمين بكونه منهجاً نقدياً تاريخياً، يقوم على تحليل الصراع الطبقي والتبادل غير المتكافئ على المستوى العالمي. وقد استند في ذلك إلى تقاليد الماركسية، لكنه وسّعها لتشمل تحليل العلاقات بين الأمم والشعوب، وليس فقط بين الطبقات داخل المجتمع الواحد.
يعتمد منهج أمين على التحليل التاريخي للرأسمالية، حيث يتتبع تطورها من نشأتها في أوروبا إلى توسعها الاستعماري والإمبريالي، ثم إلى تحولاتها في عصر العولمة. وقد قدّم في هذا السياق تحليلاً دقيقاً لآليات التراكم على الصعيد العالمي، وكيف تؤدي إلى إعادة إنتاج التخلف في الأطراف. وهذا التحليل لم يكن مجرد وصف، بل كان يهدف إلى كشف البنى الخفية التي تُنتج عدم المساواة على المستوى العالمي.
إن منهج أمين هو منهج "جدلي" بامتياز، بمعنى أنه ينطلق من التناقضات والصراعات لفهم الواقع. فالرأسمالية العالمية، في نظره، ليست نظاماً متناغماً، بل هي نظام قائم على التناقض بين المركز والأطراف، بين رأس المال والعمل، بين الشمال والجنوب. وهذا التناقض هو محرك التاريخ، وهو الذي يفسر إمكانية التغيير والتحرر.
غير أن هذا المنهج الجدلي، بقدر ما هو قوي في التحليل والنقد، يظل محدوداً في قدرته على تقديم حلول عملية وإداراتية. فهو يصلح لتفكيك الأوهام وكشف الهيمنة، لكنه يظل أقل قدرة على تقديم إجابات عن الأسئلة الإدارية والتنموية اليومية: كيف ندير الاقتصاد؟ كيف نوزع الموارد؟ كيف نخطط للمستقبل؟ هذه الأسئلة تتطلب أدوات مختلفة، وهذا ما يفسر التحول المنهجي في المدرسة الصينية.
منهج تسينغهوا ورينمين: السوسيولوجيا الكمية والبيانات الضخمة
على النقيض من المنهج الجدلي-النظري عند أمين، تتبنى جامعتا تسينغهوا ورينمين منهجاً علمياً تطبيقياً يعتمد على البيانات الضخمة والإحصاء والتحليل الكمي. وهذا المنهج ليس مجرد اختيار أكاديمي، بل هو استجابة لمتطلبات الحوكمة الحديثة وإدارة الدولة في عصر الرقمنة.
تتجسد هذه المقاربة في مؤسسات بحثية متخصصة، مثل "مختبر تسينغهوا للحوسبة الاجتماعية والحوكمة الوطنية"، الذي يُعنى بتطبيق أساليب الحوسبة والبيانات الضخمة على قضايا الحوكمة والسياسة. وقد عُقدت في إطاره فعاليات مثل "المنتدى الأول للسياسة الحاسوبية"، الذي ركز على الأسس السياسية للتحديث الصيني النمط.
أما جامعة رينمين، فقد أطلقت "منصة الابتكار في البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي للحوكمة الوطنية" كمنصة بحثية متطورة. وقد وُصفت هذه المنصة بأنها "شكل جديد من مختبرات العلوم الإنسانية"، حيث تعتمد على تقنيات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، وتضم فرقاً بحثية متخصصة ومهندسين، وتقدّم خدمات بيانات شاملة. وتهدف هذه المنصة إلى "دفع التحول الرقمي للفلسفة والعلوم الاجتماعية، وتحسين نظم اتخاذ القرار المعقدة لخدمة الاحتياجات الوطنية الكبرى".
هذا التحول المنهجي يعكس تحولاً في مفهوم المعرفة نفسها. فالمعرفة لم تعد تُنتج فقط لفهم الواقع، بل أصبحت تُنتج لإدارته والتنبؤ به. فالبيانات الضخمة تسمح بتحليل دقيق للظواهر الاجتماعية، ورصد التغيرات في الوقت الفعلي، وتقديم توصيات سياسية مبنية على أدلة كمية. وهذا يختلف جوهرياً عن المنهج النقدي الذي يهدف إلى كشف التناقضات وليس إلى إدارتها.
من التفسير إلى التطبيق
يمكن القول إن الانتقال من منهج أمين إلى منهج الجامعات الصينية يعكس تحولاً أوسع في وظيفة العلوم الاجتماعية. ففي المرحلة النقدية، كانت مهمة العلوم الاجتماعية هي تفسير العالم وكشف أوهامه وهياكل هيمنته. أما في المرحلة التطبيقية، فتصبح مهمتها هي إدارة العالم وهندسته.
وهذا التحول ليس مجرد تحول منهجي، بل هو تحول في العلاقة بين النظرية والممارسة. فالنظرية عند أمين كانت تهدف إلى تغيير العالم من خلال كشف تناقضاته، بينما النظرية في المدرسة الصينية تهدف إلى تغيير العالم من خلال إدارته بكفاءة. وهذا الفرق في العلاقة بين النظرية والممارسة يفسر الفرق في الأدوات المنهجية المستخدمة.
غير أن هذا التحول يطرح تساؤلات مهمة حول دور النقد في الفكر البنيوي. فهل يمكن للفكر البنيوي أن يتخلى عن وظيفته النقدية دون أن يفقد جوهره؟ أم أن التحول من النقد إلى الإدارة يمثل تشويهاً للبنيوية الماركسية نفسها؟ هذه أسئلة تبقى مفتوحة، وتعكس التوتر المستمر بين وظيفة النقد ووظيفة البناء في الفكر الاجتماعي.
الخلاصة
يمثل الانتقال من فكر سمير أمين إلى التحليل البنيوي لجامعتي تسينغهوا ورينمين انتقالاً للفكر الماركسي من مرحلة التفسير والنقد الهيكلي للنظام الرأسمالي العالمي إلى مرحلة التطبيق البراغماتي والهندسة الاجتماعية داخل الدولة القومية الصاعدة. وهذا الانتقال ليس مجرد تحول أكاديمي، بل هو تعبير عن تحولات موضوعية في بنية النظام العالمي وموقع الفاعلين فيه.
ففي مرحلة سمير أمين، كان همّ الماركسيين النقديين هو تفكيك النظام العالمي القائم على الهيمنة والاستغلال، وتقديم بدائل نظرية للتحرر من التبعية. وقد تجسّد ذلك في نظرية التبعية ومفهوم فك الارتباط، اللذين قدّما إطاراً لفهم أسباب تخلف دول الجنوب وسبل تجاوزه. وكان منهج أمين في ذلك منهجاً جدلياً تاريخياً، يقوم على تحليل الصراعات والتناقضات على المستوى العالمي.
أما في المرحلة الصينية المعاصرة، فقد تحول همّ الفكر البنيوي إلى إدارة الدولة وتعزيز استقرارها وتنميتها في سياق صعودها العالمي. وقد تجسّد ذلك في التركيز على مفاهيم الحوكمة والرخاء المشترك والاندماج الذكي في العولمة. وكان المنهج في ذلك منهجاً كمياً تطبيقياً، يقوم على البيانات الضخمة والتحليل الإحصائي بهدف تقديم توصيات سياسية دقيقة.
وهذا التحول يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الفكر البنيوي الماركسي. فهل سيواصل هذا الفكر تحوله نحو التطبيق والإدارة، أم سيعود إلى جذوره النقدية مع تصاعد الأزمات العالمية؟ وهل يمكن التوفيق بين وظيفة النقد ووظيفة البناء في إطار بنيوي واحد؟ هذه الأسئلة تبقى مفتوحة، وتعكس ديناميكية الفكر الاجتماعي واستجابته المستمرة لتحديات الواقع المتغيّر.
ما يمكن تأكيده هو أن التحول من سمير أمين إلى المدرسة الصينية ليس مجرد اختيار أكاديمي، بل هو تعبير عن تحول في موقع الماركسية نفسها في النظام العالمي. فالماركسية، التي كانت في الغالب فكر المعارضين والمهمشين، أصبحت في الصين فكر الدولة والحوكمة. وهذا التحول في موقع الفكر يفرض تحولاً في وظيفته ومنهجه وأدواته، وهو ما حاول هذا البحث رصده وتحليله.
…….
قائمة المصادر والمراجع
1. سلسلة محاضرات سمير أمين، الأكاديمية العربية للعلوم الاجتماعية، 2024-2027
2. "سمير أمين.. فك الارتباط وعولمة الماركسية"، مدى مصر، 27 سبتمبر 2024
3. سمير أمين - ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
4. "فكّ الارتباط مقابل التوسّع الرأسمالي"، مجلة بدايات
5. Macheda, F., & Nadalini, R. (2020). "Samir Amin in Beijing: delving into China s delinking policy", Review of African Political Economy, 48(167), 119-141
6. "مقالة خاصة: الصين تكثف جهودها لتحقيق الرخاء المشترك"، وكالة شينخوا، 13 مارس 2026
7. "中国人民大学国家治理大数据和人工智能创新平台揭牌"، شبكة العلوم الاجتماعية الصينية، 21 يونيو 2024
8. "第一届计算政治学论坛"، جامعة تسينغهوا، 2024
9. Nie Huihua, "On the non-Westernness of Chinese government", South China Morning Post, 2026
10.廖湘阳. "同构抑或异构:中国大学内部院系治理结构的建构路径"، 清华大学教育研究، 2025(04): 45-54