من الحر القاتل إلى إسكات النقابات: لماذا وضع العالم الولايات المتحدة على قائمة المراقبة؟
جهاد عقل
2026 / 7 / 31 - 09:12
مقدمة
لم يكن إدراج الولايات المتحدة على “قائمة المراقبة” في مؤشر الحقوق العالمي للنقابات لعام 2026 مجرد ملاحظة عابرة في تقرير دولي، بل رسالة تحذير غير مسبوقة من الحركة النقابية العالمية بأن أكبر اقتصاد في العالم يشهد تراجعاً مقلقاً في الحقوق والحريات النقابية. فحين يضع الاتحاد الدولي للنقابات (ITUC) الولايات المتحدة إلى جانب دول تواجه انتقادات بسبب انتهاكات حقوق العمال، فإن ذلك يعكس قناعة متزايدة بأن ما يجري لم يعد يتعلق بخلافات سياسية داخلية، بل بمسار يؤثر في مستقبل الديمقراطية في مواقع العمل.
وقد جاءت هذه الرسالة مدعومة بمقال مشترك للأمين العام للاتحاد الدولي للنقابات لوك تراينغل، ومديرة المكتب الدولي في الاتحاد الأمريكي للعمل والكونغرس الصناعي (AFL-CIO) كاثي فينغولد، أكدا فيه أن العالم بات يراقب الولايات المتحدة وهي تتراجع عن مبادئ لطالما دعت الآخرين إلى احترامها، وفي مقدمتها حرية التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية وسيادة القانون.
غير أن خطورة هذا التراجع لا تكمن في المؤشرات والتصنيفات الدولية وحدها، بل في انعكاساته المباشرة على حياة العمال. ففي الوقت الذي تتعرض فيه الحقوق النقابية للتقييد، يواجه ملايين العمال الأمريكيين مخاطر متزايدة في أماكن العمل، من بينها العمل في موجات الحر الشديدة التي أصبحت تهدد صحة العمال وحياتهم مع تفاقم آثار التغير المناخي. وفي المقابل، تخوض الحركة النقابية الأمريكية معركة مزدوجة: الدفاع عن حق العمال في التنظيم، والدفاع عن حقهم في العودة سالمين إلى منازلهم بعد انتهاء يوم العمل.
ومن هنا، لا تبدو قضية الحر القاتل منفصلة عن قضية الحريات النقابية، بل تكشف العلاقة الوثيقة بينهما. فكلما ضعفت النقابات، تراجعت قدرة العمال على فرض معايير السلامة والصحة المهنية، وانتزاع التشريعات التي تحميهم من المخاطر المتزايدة في بيئة العمل. لذلك، فإن النقاش الدائر اليوم في الولايات المتحدة لا يتعلق فقط بحق إنشاء النقابات، وإنما أيضاً بحق العمال في بيئة عمل آمنة تحفظ حياتهم وكرامتهم.
في هذا المقال نحاول قراءة هذه التطورات بوصفها جزءاً من مشهد واحد، يجمع بين تراجع الحقوق النقابية، وتصاعد المخاطر المهنية، والدور الذي تؤديه الحركة النقابية في الدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ليس داخل الولايات المتحدة فحسب، بل لما لذلك من تأثير على الحركة العمالية في مختلف أنحاء العالم.
أولاً: لماذا وُضعت الولايات المتحدة على قائمة المراقبة؟
شكل إدراج الولايات المتحدة على “قائمة المراقبة” في مؤشر الحقوق العالمي للنقابات لعام 2026 تحولاً لافتاً في تقييم أوضاع الحريات النقابية في أكبر اقتصاد في العالم. فهذه هي المرة الأولى التي يوجه فيها الاتحاد الدولي للنقابات (ITUC) تحذيراً بهذا الوضوح بشأن التراجع في احترام الحقوق الأساسية للعمال داخل الولايات المتحدة، الدولة التي طالما قدمت نفسها نموذجاً للديمقراطية وسيادة القانون.
ويستند مؤشر الحقوق العالمي للنقابات إلى تقييم سنوي لأوضاع العمال في أكثر من 150 دولة، اعتماداً على 97 مؤشراً مستمداً من اتفاقيات منظمة العمل الدولية، والمعايير الدولية، والاجتهادات القانونية ذات الصلة. ولا يقتصر المؤشر على رصد النصوص القانونية، بل يقيس أيضاً مدى احترام الحقوق النقابية في الواقع العملي، وما إذا كانت الحكومات وأصحاب العمل يوفرون بيئة تضمن حرية التنظيم والمفاوضة الجماعية والحق في الدفاع عن المصالح العمالية.
وبحسب التقرير، فإن إدراج الولايات المتحدة على “قائمة المراقبة” جاء نتيجة نمط متصاعد من التراجع خلال العام الأخير، تمثل في مجموعة من الإجراءات والسياسات التي مست بصورة مباشرة الحقوق النقابية الأساسية، من أبرزها:
حرمان أكثر من مليون موظف فيدرالي من حقهم في المفاوضة الجماعية، بما يشكل واحدة من أكبر الضربات التي تعرض لها هذا الحق في تاريخ الإدارة الفيدرالية الحديثة.
إضعاف دور المجلس الوطني لعلاقات العمل (NLRB)، وهو المؤسسة المسؤولة عن حماية حق العمال في التنظيم النقابي، الأمر الذي انعكس على قدرته في إنفاذ قوانين العمل ومعالجة النزاعات العمالية.
إنهاء أو تقليص برامج الحماية القانونية التي استفاد منها عشرات آلاف العمال المهاجرين، بما أدى إلى فقدان كثير منهم أوضاعهم القانونية وحقوقهم في العمل والتنظيم.
استخدام سياسات الهجرة وإجراءاتها بصورة اعتبرها الاتحاد الدولي للنقابات وسيلة للضغط على العمال والنقابيين، من خلال احتجاز بعض الناشطين أو إلغاء تأشيراتهم بسبب مشاركتهم في الاحتجاجات أو التعبير عن آرائهم.
ولا ينظر الاتحاد الدولي للنقابات إلى هذه التطورات باعتبارها إجراءات منفصلة، بل يراها مؤشرات على تراجع أوسع في احترام الحريات العامة داخل أماكن العمل، لأن الحق في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية لا يمثلان مطالب مهنية فحسب، بل يشكلان ركيزة من ركائز المشاركة الديمقراطية، ووسيلة أساسية لتمكين العمال من الدفاع عن مصالحهم وتحسين ظروف عملهم.
ومن هذا المنطلق، اعتبر الأمين العام للاتحاد الدولي للنقابات، لوك تراينغل، ومديرة المكتب الدولي في الاتحاد الأمريكي للعمل والكونغرس الصناعي (AFL-CIO)، كاثي فينغولد، أن العالم لم يعد يراقب الولايات المتحدة بوصفها دولة تدعو إلى احترام الحقوق الديمقراطية، بل بوصفها دولة مطالبة اليوم بإثبات التزامها بهذه المبادئ داخل حدودها، وفي مقدمتها احترام الحقوق النقابية وحقوق الإنسان في العمل.
ثانياً: عندما تتحول موجات الحر إلى اختبار حقيقي لحقوق العمال
قد يبدو للوهلة الأولى أن إدراج الولايات المتحدة على قائمة المراقبة بسبب تراجع الحقوق النقابية يختلف عن الجدل الدائر حول حماية العمال من موجات الحر الشديدة، إلا أن الواقع يكشف أن القضيتين ترتبطان ارتباطاً وثيقاً. فالنقابات لا تدافع فقط عن الأجور وساعات العمل، بل تؤدي دوراً أساسياً في حماية حياة العمال وصحتهم داخل أماكن العمل.
ومع تصاعد آثار التغير المناخي، أصبحت الحرارة الشديدة واحدة من أخطر المخاطر المهنية التي تواجه ملايين العمال في الولايات المتحدة، ولا سيما العاملين في البناء والزراعة والنقل والخدمات اللوجستية والتوصيل، إضافة إلى العاملين في المستودعات والمصانع والعديد من مواقع العمل المكشوفة. ولم تعد موجات الحر أحداثاً استثنائية، بل تحولت إلى واقع متكرر يفرض تحديات جديدة على تشريعات السلامة والصحة المهنية.
وفي هذا السياق، قادت الحركة النقابية الأمريكية، وعلى رأسها الاتحاد الأمريكي للعمل والكونغرس الصناعي (AFL-CIO)، حملة واسعة للمطالبة بإقرار معيار وطني ملزم يصدر عن إدارة السلامة والصحة المهنية (OSHA)، يفرض على أصحاب العمل اتخاذ إجراءات وقائية واضحة، تشمل توفير مياه الشرب، وفترات الراحة، ومناطق الظل أو التبريد، وتنظيم ساعات العمل بما يحد من التعرض للإجهاد الحراري، إلى جانب تدريب العمال على التعرف إلى أعراض الإصابات المرتبطة بالحرارة والاستجابة لها.
غير أن هذه المطالب واجهت معارضة سياسية وتشريعية، تجلت في محاولات لمنع إدارة السلامة والصحة المهنية من إصدار أو تطبيق معيار وطني خاص بالحماية من الحرارة. وهنا تتقاطع قضية السلامة المهنية مع قضية الحريات النقابية؛ فحين تُضعف المؤسسات التي تمثل العمال، أو تُقيد قدرتها على التفاوض والضغط، تصبح عملية انتزاع تشريعات تنقذ الأرواح أكثر صعوبة.
إن الحق في بيئة عمل آمنة ليس امتيازاً تمنحه الحكومات أو أصحاب العمل، بل هو أحد الحقوق الأساسية التي ناضلت النقابات من أجل ترسيخها عبر عقود طويلة. ولذلك فإن الدفاع عن حرية التنظيم النقابي لا ينفصل عن الدفاع عن إجراءات السلامة المهنية، لأن النقابة القوية هي القادرة على تحويل المخاطر التي يواجهها العمال إلى قوانين ومعايير ملزمة تحمي حياتهم.
ومن هنا، فإن إدراج الولايات المتحدة على قائمة المراقبة لا يعكس فقط تراجعاً في الحريات النقابية، بل يثير أيضاً تساؤلات جدية حول قدرة العمال على الدفاع عن حقوقهم في مواجهة تحديات جديدة، يأتي في مقدمتها التغير المناخي وما يرافقه من مخاطر متزايدة تهدد صحة العاملين وسلامتهم. وعندما يصبح العمل تحت حرارة قد تكون قاتلة قضية خلاف سياسي بدلاً من أن يكون قضية حماية إنسانية، فإن ذلك يكشف حجم الترابط بين قوة النقابات ومستوى الحماية التي يتمتع بها العمال.
ثالثاً: لماذا يقلق العالم من تراجع الحقوق النقابية في الولايات المتحدة؟
لا تنبع أهمية إدراج الولايات المتحدة على “قائمة المراقبة” من مكانتها الاقتصادية والسياسية فحسب، بل من تأثيرها الواسع في تشكيل السياسات العمالية على المستوى الدولي. فالولايات المتحدة ليست دولة عادية في النظام الاقتصادي العالمي، بل تعد مرجعاً لكثير من الحكومات والشركات متعددة الجنسيات، كما أن تشريعاتها وسياساتها غالباً ما تمتد آثارها إلى أسواق العمل خارج حدودها.
ولهذا السبب، حذر الأمين العام للاتحاد الدولي للنقابات، لوك تراينغل، ومديرة المكتب الدولي في الاتحاد الأمريكي للعمل والكونغرس الصناعي (AFL-CIO)، كاثي فينغولد، في مقال نُشراه مؤخراً ،من أن التراجع في الحقوق النقابية داخل الولايات المتحدة لا يمثل مشكلة وطنية فحسب، بل قد يشكل سابقة تشجع حكومات وأصحاب عمل ومستثمرين في دول أخرى على السير في الاتجاه نفسه، وتقليص مساحة الحريات النقابية وإضعاف المفاوضة الجماعية.
ويستند هذا التحذير إلى حقيقة أن حقوق العمال لا تتطور في عزلة عن السياق الدولي. فعندما تتراجع الحماية في إحدى أكبر الديمقراطيات الصناعية، قد يصبح من الأسهل على أطراف أخرى تبرير سياسات مشابهة، سواء عبر تقليص دور النقابات، أو الحد من قدرة العمال على التنظيم، أو إضعاف المؤسسات التي تحمي حقوقهم.
وفي المقابل، فإن نجاح الحركة النقابية الأمريكية في الدفاع عن هذه الحقوق لا يبقى شأناً محلياً، بل ينعكس إيجاباً على الحركة العمالية العالمية. فقد شكلت تجارب التنظيم النقابي في الولايات المتحدة، عبر محطات تاريخية مختلفة، مصدر إلهام لنقابات في العديد من الدول، وأسهمت في تطوير مفاهيم المفاوضة الجماعية، والسلامة والصحة المهنية، ومكافحة التمييز في العمل، وحماية العمال في القطاعات الجديدة.
ومن هذا المنظور، فإن المعركة الدائرة اليوم داخل الولايات المتحدة تتجاوز الخلافات الحزبية أو التشريعية، لتصبح اختباراً لمكانة الحقوق النقابية في القرن الحادي والعشرين. فالسؤال المطروح لم يعد يقتصر على قدرة العمال الأمريكيين على حماية مكتسباتهم، بل يمتد إلى مستقبل النموذج الذي ستتبناه الاقتصادات الكبرى في التعامل مع العمل المنظم، ومع الحقوق الأساسية التي كفلتها اتفاقيات منظمة العمل الدولية.
ولعل أبرز ما يميز هذه المرحلة هو أن الحركة النقابية الدولية لم تكتف بإصدار تقارير أو بيانات تضامن، بل اختارت توجيه رسالة واضحة مفادها أن الدفاع عن الديمقراطية يبدأ من مكان العمل. فحرية التنظيم، والمفاوضة الجماعية، وبيئة العمل الآمنة، وحق العمال في التعبير عن مطالبهم، ليست قضايا نقابية ضيقة، وإنما تشكل ركائز أساسية لأي مجتمع يسعى إلى ترسيخ العدالة الاجتماعية وسيادة القانون.
ومن هنا، فإن ما يجري في الولايات المتحدة اليوم أصبح محل متابعة من النقابات في مختلف القارات، ليس بدافع التدخل في الشؤون الداخلية، وإنما لأن نتائج هذه المواجهة ستترك آثارها على مستقبل العمل النقابي، وعلى قدرة ملايين العمال حول العالم في الدفاع عن حقوقهم في مواجهة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والمناخية المتسارعة.
الخاتمة: لا ديمقراطية في المجتمع من دون ديمقراطية في مكان العمل
تكشف التطورات الأخيرة في الولايات المتحدة أن الدفاع عن حقوق العمال لم يعد يقتصر على تحسين الأجور أو تقليص ساعات العمل، بل أصبح دفاعاً عن جوهر الديمقراطية نفسها. فعندما تُقيد حرية التنظيم النقابي، أو تُضعف المفاوضة الجماعية، أو تُستهدف المؤسسات التي تحمي حقوق العاملين، فإن الخاسر لا يكون العمال وحدهم، بل المجتمع بأسره، لأن مكان العمل هو أحد أهم الفضاءات التي يتعلم فيها المواطنون قيم المشاركة والحوار والدفاع عن الحقوق.
وتبرز قضية الحماية من الحرارة الشديدة مثالاً واضحاً على هذه الحقيقة. فالمطالبة بتوفير مياه الشرب، وفترات الراحة، ومناطق الظل، ومعايير السلامة المهنية، ليست مطالب فنية أو إدارية فحسب، وإنما هي ثمرة نضال نقابي طويل يؤكد أن حياة الإنسان يجب أن تكون فوق أي اعتبار اقتصادي أو سياسي. وعندما تواجه هذه المطالب محاولات التعطيل أو الإضعاف، يصبح الدفاع عن الحق في بيئة عمل آمنة جزءاً من الدفاع عن الحق في التنظيم النقابي ذاته.
وفي الوقت نفسه، يشهد عالم العمل تحولات غير مسبوقة مع انتشار اقتصاد المنصات، والإدارة الخوارزمية، والذكاء الاصطناعي، وتسارع آثار التغير المناخي. وهذه التحديات تفرض على الحركة النقابية أن تجدد أدواتها ورؤيتها، وأن تواصل النضال من أجل تشريعات تضمن ألا يتحول التقدم التكنولوجي أو التحولات المناخية إلى وسائل لانتقاص حقوق العمال، بل إلى فرص لبناء عمل أكثر عدالة وإنسانية.
ومن هنا، فإن الرسالة التي وجهها الاتحاد الدولي للنقابات، والدعم الذي حظيت به من الحركة النقابية الأمريكية، يتجاوزان حدود الولايات المتحدة. فالقضية ليست تصنيف دولة في تقرير دولي، بل الدفاع عن منظومة عالمية من الحقوق التي ناضلت الأجيال المتعاقبة من العمال والنقابيين من أجل ترسيخها، وفي مقدمتها حرية التنظيم، والمفاوضة الجماعية، والسلامة والصحة المهنية، والحق في العمل اللائق.
إن مستقبل العمل لن يتحدد بالتكنولوجيا وحدها، ولا بقدرة الأسواق على تحقيق الأرباح، وإنما أيضاً بقدرة المجتمعات على صون كرامة الإنسان العامل. وستظل النقابات، رغم كل التحديات، إحدى أهم القوى التي تدافع عن هذا المبدأ، لأن الديمقراطية الحقيقية لا تبدأ عند أبواب البرلمانات فحسب، بل تبدأ أيضاً عند أبواب المصانع، وورش البناء، والمزارع، والمستودعات، وكل مكان يقف فيه عامل مطالباً بحقه في الأمان والكرامة والعدالة.
ولذلك، فإن الدرس الأهم الذي تقدمه التجربة الأمريكية اليوم هو أن حماية الحقوق النقابية ليست قضية تخص العمال وحدهم، بل هي قضية تتعلق بمستقبل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. فكلما كانت النقابات حرة وقوية، كان العمال أكثر قدرة على حماية حياتهم، وكانت المجتمعات أكثر قدرة على حماية قيمها الديمقراطية.
נשלח מהiPhone שלי