هل يمكن لليسار أن يخترق القلعة الرقمية للرأسمالية؟
رزكار عقراوي
2026 / 7 / 30 - 22:09
تمهيد: أزمة المناهج التقليدية في زمن الخوارزميات
من الصعب خوض معركة التحرر الاشتراكي في القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن الماضي. ففي زمن تهيمن فيه الخوارزميات، ويتسع فيه تأثير الرقمنة والذكاء الاصطناعي على الإعلام والثقافة والتعليم والعمل والحياة اليومية، وتصاغ السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية عبر تحليل البيانات الضخمة وحوسبة القرار السياسي والاقتصادي، يجد اليسار نفسه أمام تساؤل وجودي: كيف يمكن لحركات ما زالت تعمل وتنظم نفسها بمنطق تقليدي أن تصمد أمام رأسمالية رقمية بلغت من التقدم التكنولوجي حداً غير مسبوق؟
إن استمرار التنظيمات اليسارية في الاعتماد على أساليب تقليدية في الخطاب والتنظيم والعمل يضعها أمام تحدٍ كبير في مواجهتها مع الرأسمالية. فنحن نواجه خصماً يمتلك ترسانة متطورة من الأدوات الرقمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية، ويتطور على مدار الدقيقة في كافة المجالات، ويتكيف مع أزماته رغم عمقها، ويتحالف طبقياً مع بعضه رغم الصراعات بين كتله، في حين لا يزال جزء غير قليل من اليسار يعتمد على منهجيات ووسائل قديمة لم تعد تواكب متطلبات هذه المواجهة المتجددة. وهذا ما نشهده اليوم على أرض الواقع، وهو ما يجعل الحاجة إلى تطويرها وتجديدها أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
وفي مقالات سابقة، عبرت عن هذه الفجوة الرقمية الكبيرة بتشبيه الفيل والنملة. غير أنه بعد هذا التطور المتسارع والهائل الذي بلغته الرأسمالية الرقمية، وفي ظل محدودية البدائل الرقمية اليسارية والتقدمية المؤثرة، وبحكم عملي المهني في مجالات الخوارزميات والحوكمة الرقمية، أرى أن هذه الفجوة قد اتسعت الآن لتصبح بين النملة والديناصور. إنه واقع صعب ومر لا بد أن نقر به بصراحة، لكي نبدأ من هذا الإقرار في التفكير الجاد بالبدائل الممكنة.
ماركس وإنجلز: العلم والتكنولوجيا كسلاح ذي حدين
شكل العلم والتكنولوجيا محوراً أساسياً في فكر كارل ماركس وفريدريك إنجلز، إذ رأيا فيهما أدوات قابلة للاستخدام في التحرر أو في تعزيز الهيمنة الطبقية. ففي ظل الرأسمالية، يسخر التقدم العلمي والتكنولوجي لتعظيم أرباح البرجوازية واستغلال شغيلات وشغيلة اليد والفكر، مما يفاقم الاغتراب والتفاوت الطبقي. غير أن ماركس وإنجلز أدركا أن هذه التناقضات تحمل إمكانيات ثورية قد تسهم في بناء نظام اشتراكي أكثر عدلاً. واليوم تبدو رؤيتهما أكثر إلحاحاً في عصر الرأسمالية الرقمية، حيث تحولت التكنولوجيا إلى وسيلة جديدة للسيطرة، مع أنها تحمل أيضاً فرصاً لتحرير البشرية.
فإدراكهما العميق للطبيعة الجدلية للتاريخ والمجتمع جعلهما ينظران إلى التقدم العلمي باعتباره قوة مادية واجتماعية تعكس علاقات القوة الطبقية، وسلاحاً ذا حدين يحمل إمكانيات تحريرية هائلة، ويستخدم في الوقت ذاته لتعميق الاستغلال وترسيخ الهيمنة الرأسمالية. وقد كان فكرهما شاهداً على قدرة التحليل المادي على دمج العلم مع النضال الطبقي، حيث تصبح المعرفة قوة دافعة لتغيير العالم، لا مجرد وسيلة لفهمه. إن مشروعهما الفكري يدعو بوضوح إلى تجاوز حدود النظام الرأسمالي نحو مستقبل أكثر إنسانية، مستنداً إلى الإمكانيات التحررية التي يتيحها التقدم التقني.
في تحليل ماركس للرأسمالية، احتلت التكنولوجيا موقعاً مركزياً في كشف التناقضات الجوهرية للنظام. فرأى أن الماكينات، التي مثلت قمة التقدم العلمي في عصره، لم تكن أدوات لتحسين حياة البشر أو تحريرهم من أعباء العمل الشاق، وإنما غدت وسائل فعالة لمراكمة أرباح الرأسماليين وزيادة استغلال شغيلات وشغيلة اليد والفكر. وأدى هذا التوظيف للتكنولوجيا إلى إنتاج فائض القيمة عبر تقليل الحاجة إلى العمل البشري، تاركاً البروليتاريا في حالة اغتراب، حيث يفصل العامل عن عملية الإنتاج ونتائج عمله. ولم يكن هذا التناقض عرضياً عند ماركس، إنما كان جزءاً جوهرياً من آليات الرأسمالية التي تجعل من العلم والتكنولوجيا أدوات للسيطرة الطبقية.
أما إنجلز، فقد نظر إلى العلم كأداة لفهم الصراع الاجتماعي بعمق أكبر. وقد جعله تأثره بالاكتشافات العلمية يرى أن الصراع لا ينحصر في المجتمع الإنساني، إذ يمتد أيضاً إلى الطبيعة. غير أنه رفض الحتمية البيولوجية، مؤكداً أن القوانين الحاكمة للطبيعة تختلف عن القوانين الاجتماعية التي تتأثر بالعمل الإنساني الواعي. وأضاف إنجلز بعداً علمياً للمادية الجدلية، حيث أظهر أن قوانين الديالكتيك تنطبق على الطبيعة والمجتمع، مما يعزز فهم التحولات التاريخية كجزء من حركة تطورية شاملة.
وهذا النهج في مراجعة النظرية على ضوء التحولات التاريخية لم يكن غريباً عن ماركس نفسه، فقد أقر هو وإنجلز صراحة، في مقدمتهما المشتركة للطبعة الألمانية من البيان الشيوعي الصادرة في لندن عام 1872، أي بعد أربعة وعشرين عاماً من صدور البيان الأصلي، بأن مبادئه العامة ما زالت صحيحة في مجملها، غير أن بعض تفاصيله العملية، وتحديداً البرنامج الثوري المطروح في ختام الفصل الثاني، قد شاخ وبات يحتاج صياغة مختلفة تماماً، وذلك في ضوء التطور الصناعي الهائل الذي شهده العالم منذ 1848، وتوسع التنظيم السياسي للطبقة العاملة، والدروس المستخلصة من كومونة باريس عام 1871. لو كان ماركس حاضراً اليوم، لأشار بالمنطق نفسه إلى أن الرأسمالية الرقمية تمثل مرحلة متقدمة من الديناميكيات الاستغلالية ذاتها التي تحدث عنها في القرن التاسع عشر، وإن كانت بأساليب أكثر ذكاءً وخفاءً وتحكماً وعمقاً. فسيطرتها لم تعد مقتصرة على امتلاك المصانع والمواد الخام، إذ امتدت إلى التحكم في تدفق البيانات، وتوجيه السلوك والوعي البشري والسيطرة عليهما، وصولاً إلى ممارسة العنف والقمع الرقمي والعسكرة عبر الخوارزميات، حتى غدت في حالات كثيرة، بفعل تحالفها مع اليمين المتطرف، فاشية رقمية بامتياز. والتحولات التي أحدثها العصر الرقمي قد تفتح المجال لإمكانيات جديدة للنضال والتنظيم الاشتراكي، شرط أن نستفيد منها ونتعامل معها بشكل علمي دقيق.
إنه استحقاق مباشر تفرضه وقائع يعيشها شغيلات وشغيلة اليد والفكر في مختلف بقاع العالم. فالرأسمالية الرقمية، إضافة إلى طابعها الاستغلالي التقليدي، تمارس سطوتها من خلال الخوارزميات التي لا تكتفي اليوم بتنظيم تدفق المعلومات، إذ باتت تتحكم في معظم مفاصل الحياة اليومية، وكذلك تقرر أي الأفكار تصل إلى وعي الجمهور وأيها يطمس أو يهمش. وهذا التحول العميق في بنية السلطة الطبقية يفرض على اليسار إعادة النظر جذرياً في أدواته التحليلية وأشكال تنظيمه الميدانية معاً.
التكنولوجيا وسيلة الرأسمالية لتجاوز أزماتها، والمرونة العلمية كصراع طبقي حديث
إن الصراع على التكنولوجيا ليس موجهاً ضد العلم بذاته، إنما هو موجه ضد احتكار القوى المسيطرة له. فلا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي وعموم التكنولوجيا كتهديد بذاته، وإنما كساحة تتحدد ملامحها بناءً على ميزان القوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وقد شهدت السنوات الأخيرة تسارعاً غير مسبوق في تركيز القوة الرقمية داخل عدد محدود من الدول الرأسمالية الكبرى والشركات الاحتكارية العملاقة التي تسيطر على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبيانات العالمية، مما منحها نفوذاً اقتصادياً وسياسياً وثقافياً هائلاً في تحديد مستقبل البشرية.
تلجأ الرأسمالية دوماً في أوقات الأزمات إلى إعادة إنتاج نفسها عبر أدوات علمية متطورة تمكنها من تجاوز التحديات دون المساس بجوهرها الاستغلالي، ويتجلى ذلك في محطات متعددة: ففي أزمة 2008 استخدمت التكنولوجيا والأساليب العلمية لإنقاذ النظام المالي مع تحميل الطبقات العاملة كلفة الخسائر، وخلال جائحة كورونا تجاوزت الرأسمالية الأزمة عبر تعزيز الأتمتة والذكاء الاصطناعي والعمل عن بعد، بما ضمن استمرار الإنتاج بآليات جديدة قلصت الاعتماد على العمالة البشرية وزادت أرباح الشركات مقابل ظروف عمل غير مستقرة للملايين، ثم جاءت الطفرة الواسعة للذكاء الاصطناعي منذ عام 2023 لتفتح مرحلة جديدة من إعادة هيكلة سوق العمل، إذ توسع الاعتماد على الأتمتة والأنظمة الذكية في قطاعات عديدة، وتصاعدت المخاوف بشأن مستقبل ملايين الوظائف، بالتزامن مع أرباح هائلة حققتها شركات التكنولوجيا نتيجة احتكارها للبنية التحتية الرقمية والمعرفية الجديدة.
وتظهر هذه المحطات مجتمعة كيف تستفيد الرأسمالية من العلم كأداة لهيكلة النظام واستمراريته، وكيف تستعير أحياناً بعض الأفكار الاشتراكية، مثل تدخل الدولة، كإجراءات مؤقتة لضمان الاستقرار، لتتراجع عنها عند انتهاء الأزمة وتعيد إنتاج الاستغلال بآليات أكثر تطوراً.
وفي ضوء هذه التحديات، يتوجب على اليسار الاستفادة من التقدم العلمي عبر إعادة صياغة خطابه وأدواته بأسلوب منهجي دقيق. ويتطلب ذلك استخدام الوسائل الحديثة لتحليل القضايا الاجتماعية وتطوير خطاب علمي واقعي وفق ما هو ممكن وليس ما هو مطلوب، وآليات تنظيمية وقيادية مرنة تجذب الشباب الذين نشأوا في عالم تهيمن عليه التكنولوجيا. وإن استثمار الأدوات العلمية لا يعني التماهي مع قيم الرأسمالية، إنما هو استراتيجية لاستغلالها في خدمة العدالة الاجتماعية وتقليص التفاوت الطبقي كخطوة نحو البديل الاشتراكي.
إذا كانت الثورات الصناعية السابقة قد غيرت معادلات الإنتاج عبر الآلة والبخار ثم الكهرباء ثم الحوسبة، فإن المرحلة الحالية القائمة على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والمنصات الرقمية تعيد تشكيل الإنتاج والعمل والمعرفة والتواصل الإنساني بصورة أكثر عمقاً واتساعاً. وفي هذا العصر، أصبحت البيانات والخوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي أدوات مركزية لإعادة إنتاج الهيمنة بطرق غير مرئية نسبياً، عبر التأثير على الرأي العام وتوجيه السلوك الفردي والجماعي والتحكم في الوصول إلى المعرفة والمعلومات.
اختراق القلعة وتحرير الأدوات: نحو بدائل يسارية رقمية
وبينما يتراجع حضور اليسار في إحدى المعارك الراهنة نتيجة تعامله مع التكنولوجيا كأداة ثانوية، فإن المعركة لم تحسم بعد. فالانتصار يتطلب تحويل الرؤية إلى برامج عمل ملموسة تعتمد على الاستخدام الواعي للتكنولوجيا. فلا يمكن لليسار أن يظل في موقع الدفاع، إذ عليه أن يكون طرفاً فاعلاً في إعادة تشكيل مستقبل التكنولوجيا ودمجها في مشروعه التحرري.
غير أن التكنولوجيا ليست بديلاً عن التنظيم البشري الواعي. فالقوة الحقيقية تكمن في الإنسان المنظم القادر على تسخير هذه الوسائل لخدمة أهدافه. والذكاء الاصطناعي وعموم التكنولوجيا وسيلة فعالة للتحشيد والتنظيم والتحليل، لكنها لن تغني عن التضامن والعمل الميداني الذي يظل المحرك الأساسي للتغيير.
كيسار، نجحنا تاريخياً في تقديم بدائل في مجالات الاقتصاد والعدالة والسياسة والحقوق وغيرها، ودأبنا دوماً على طرح الاستقلالية الفكرية والسياسية والتنظيمية والإعلامية. غير أننا نواجه اليوم تحدياً مصيرياً يمس هذا المبدأ ذاته: فما زلنا نفتقر إلى رؤية رقمية شاملة ومستقلة وبديلة قادرة على كسر القيد التكنولوجي الرأسمالي، إذ ما زلنا رهن تطبيقاته ذاتها، وهو ما يجعل اليسار وجماهيره عرضة للتضييق والتهميش والقمع والاختراق. وكما أسلفنا، فإن الدرس الجدلي الأهم الذي يجب أن نستوعبه هو أن التكنولوجيا ليست حيادية، إنما ساحة صراع طبقي بامتياز، وأن المشكلة الجوهرية لا تكمن في جوهر الذكاء الاصطناعي أو الأتمتة، إنما تكمن في علاقات الملكية التي تحكمها، أي في احتكارها من قبل قلة من الشركات العملاقة والدول الرأسمالية الكبرى بما يعمق الهوة الطبقية ويوسع مراقبة الجماهير وتنميط الوعي الإنساني خدمة لمراكمة الأرباح والهيمنة الفكرية والسياسية.
وبناءً على ذلك، لم يعد يكفي لليسار أن يكتفي بموقف الناقد أو المتفرج، واقفاً عند أسوار هذه التكنولوجيا مكتفياً بانتقاد استغلالها من الخارج، فذلك وحده لن يحدث التغيير المنشود، وقد يبقيه في دوائر فكرية وجماهيرية ضيقة بعيدة عن مجريات الصراع الفعلي. إن المطلوب هو الدخول في صلب العملية التقنية وفهم منطق الخوارزميات لتفكيكها وإعادة بنائها بصبغة تحررية، عبر طرح آليات جديدة وجريئة لاستخدام التكنولوجيا وفق منظومات ديمقراطية تشاركية وشفافة.
إننا بحاجة إلى "ذكاء اصطناعي وخوارزميات جماهيرية" تعمل برقابة مجتمعية وقوانين وتشريعات عالمية ومحلية، وتتطور عبر تعاونيات رقمية ذات توجه اشتراكي، وتكون شفافة وقابلة للتدقيق من قبل الجميع، وتهدف إلى توزيع الثروة وتنظيم الإنتاج وعلاج الأمراض والفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية، بما يخدم الحاجات الإنسانية الحقيقية لا نزوات السوق وتعزيز الهيمنة والعسكرتارية. كما نحتاج إلى نماذج مفتوحة المصدر، ومنصات رقمية تقدمية مفتوحة المصدر، سواء منصات تواصل أو محركات بحث أو غيرها، ومبادرات تكنولوجية تعاونية لا تخضع لمنطق الاحتكار التجاري، وتسمح للمجتمعات والجماهير بالمشاركة في إدارة المعرفة والبيانات وتطوير التقنيات الجديدة.
إننا مطالبون بامتلاك أدوات العصر، فكما حول ماركس وإنجلز العلوم الاقتصادية والفلسفية والتطور العلمي والمعرفي في عصرهما من أدوات لتبرير الوضع القائم إلى سلاح نظري وعملي بيد شغيلات وشغيلة اليد والفكر، فإن اليسار اليوم مطالب بأن يكون فاعلاً في هذه الساحة، ينتقل من خانة "المستخدم المتلقي" الخاضع لشروط المنصات الرأسمالية، إلى خانة "المنتج البديل" الذي يطرح بدائل تكنولوجية مشاعية منفتحة ومحررة.
إن الصراع حول سلطة الخوارزميات لم يعد يتعلق فقط بمستقبل التكنولوجيا، إذ يتعلق أيضاً بمستقبل العمل والديمقراطية والثقافة والعدالة الاجتماعية.
الخاتمة
إن هذه الملاحظات النقدية لا تعني انتقاصاً من اليسار وتاريخه المشهود في بلداننا، إنما هي محاولة لتعزيز نقاش لا يزال خافتاً في أوساطنا حول البديل الرقمي المنشود. صحيح أن الأمر ليس سهلاً وأن الفجوة كبيرة والرأسمالية الرقمية مسيطرة بشكل كبير، غير أن التاريخ يعلمنا أن لا شيء يبقى مستحيلاً أمام نضال متواصل: فكما كانت ساعات العمل تتجاوز السبعين ساعة أسبوعياً في الماضي، باتت اليوم في بعض البلدان لا تتجاوز 37 ساعة أو أقل، بفعل نضالات متراكمة بدت يوماً أحلاماً بعيدة المنال. وكما كانت المرأة قبل قرن بلا حق في التصويت أو التعليم أو العمل خارج البيت، باتت اليوم في بلدان عديدة تتصدر الحكومات والبرلمانات والجامعات، بفضل نضال نسوي ويساري متواصل لم يهادن يوماً رغم اختلال وقسوة موازين القوى في بداياته.
وفق هذه التغيرات الهائلة، والمرحلة المتطورة جداً التي بلغتها الرأسمالية، لا بد أن نواجهها بأسلحتها الفتاكة ذاتها، عبر الاستفادة من العلوم الحديثة والثورة الرقمية والتجديد المستمر في كافة المجالات، وصولاً إلى التفوق عليها. وفي هذا السياق، يأتي التوجه نحو اليسار الإلكتروني -الرقمي كتيار فكري وتنظيمي يعكس استجابة مباشرة لهذه التحولات الكبرى والنمو في الوعي الحقوقي والمعرفي، ساعياً إلى توجيه هذا الوعي نحو تغيير اشتراكي جذري وشامل في البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مع الحفاظ على القيم الأساسية التي شكلت جوهر الفكر الماركسي واليساري عبر التاريخ.
وقد أثبت الواقع أن التنظيمات اليسارية التي تجدد وتطور خطابها وأدواتها وعملها وتنظيمها باستمرار وتتوحد وتواكب التحديات المتجددة والتطور العلمي والمعرفي هي الأقدر على الحفاظ على دورها وتأثيرها، في حين أن التيارات التي تتمسك بمنهجياتها القديمة، على غرار ما ناقشناه في مطلع هذا المقال، تفقد تدريجياً أعضاءها ودعمها الجماهيري وتتراجع أدوارها بشكل ملحوظ. وهذا واقع صعب نلاحظه في أغلب بلدان العالم، غير أنه لا ينفي وجود تجارب يسارية وتقدمية تبعث الأمل وتقدم نماذج يمكن البناء عليها.
ومن دون حضور يساري فاعل وعمل مشترك بتنسيق أممي في هذا المجال، ستستمر الرأسمالية الرقمية في تحديد اتجاه التطور التكنولوجي بما يخدم مصالحها الخاصة، وتتحكم بمستقبل البشرية. وفي نهاية المطاف، تكمن قوة اليسار الفعلية في قدرته على دمج التنظيم البشري الميداني مع التفوق الرقمي، ليكون الفضاء الرقمي ساحة داعمة وفعالة، لا بديلاً عن النضال، وإنما جناحاً يحلق به نحو مستقبل اشتراكي إنساني وأكثر عدلاً.
إن هذا البعد الأممي في المواجهة سيكون موضوع مقال قادم حول: الأممية اليسارية الرقمية. وهذا المقال ليس إلا بداية لحوار مفتوح، أدعو فيه الرفاق والرفيقات محلياً وعالمياً إلى تشكيل ورش عمل رقمية مشتركة، تدرس إمكانيات بناء البدائل التكنولوجية اليسارية والتقدمية، وتضع الأسس العملية لتلك الأممية الرقمية التي تحتاجها معركتنا القادمة.
*********************************
ملاحظة: نشرت نسخة أولى مختصرة من هذا المقال بالإنكليزية أولاً، ثم ترجمت إلى لغات عدة ونشرت في عشرات المواقع، ومن أهمها: Globetrotter (إنكليزي وإسباني وبرتغالي، عالمي)، Znetwork (عشرات اللغات، عالمي)، CounterPunch (إنكليزي، عالمي)، MROnline (إنكليزي، عالمي)، Countercurrents (إنكليزي، الهند)، NewsClick (إنكليزي، الهند)، Aliran (إنكليزي، ماليزيا)، The Left Chapter (إنكليزي، كندا)، Sinistra in Rete (إيطالي، إيطاليا)، Contropiano (إيطالي، إيطاليا)، Jornal GGN (برتغالي، البرازيل)، Diário Carioca (برتغالي، البرازيل)، Revue Supernova (فرنسي، فرنسا)، elviejotopo (إسباني، إسبانيا)، El Maipo (إسباني، تشيلي)، Insurgencia Magisterial (إسباني، المكسيك)، Amiidonk (هنغاري، المجر)، Perjamuan Buku (إندونيسي، إندونيسيا)، Slguardian (إنكليزي، سريلانكا).