استعمار التكنوقراط


حازم كويي
2026 / 7 / 30 - 15:09     

مهمات رجل الأعمال بيتر تيل وجولاته في أمريكا الجنوبية.

سانتياغو أبراهام/ ماكس تيلياس(*)
ترجمة:حازم كويي

في نيسان 2026، هبطت طائرة خاصة في بوينس آيرس. وعلى متنها بيتر ثيل، مؤسس شركة «Palantir» وأحد مؤسسي « Paypal»، والذي يُعد، إلى جانب إيلون ماسك، من أكثر رجال الأعمال نفوذاً في وادي السيليكون.

وخلال أيام زيارته، التقى برئيس الأرجنتين خافيير ميلي، وحضر مباراة «السوبر كلاسيكو» الشهيرة، وهي المباراة التي تجمع بين فريقي بوكا جونيورز وريفر بليت، كما أشترى قصراً مساحته 1600 متر مربع في أحد أكثر أحياء المدينة تميُزاً، مقابل 12 مليون دولار. وبعد ذلك واصل تيل رحلته إلى تشيلي، بعدما كان قد زار الإكوادور قبل ذلك.
ولمعرفة المزيد عن رحلة قطب التكنولوجيا الى أمريكا الجنوبية، والتداعيات الجيوسياسية لهذه الزيارة على المنطقة.
لكن من هو هذا الرجل؟
وُلد بيتر تيل عام 1967 في مدينة فرانكفورت الألمانية، وهاجر مع أسرته إلى الولايات المتحدة وهو لا يزال طفلاً. درس الفلسفة والقانون في جامعة ستانفورد، حيث أسس في ثمانينيات القرن الماضي المجلة المحافظة ذات التوجه الليبرتاري (The Stanford Review). وكان الهدف منها، من وجهة نظره، توفير ثقلٍ موازن للمناخ التقدمي الذي كان يهيمن على الجامعات الأمريكية.
حقق تيل انطلاقته الكبرى في عالم الأعمال عام 1988 بتأسيس شركة « Paypal ». وانضم لاحقاً إيلون ماسك إلى الشركة، التي بيعت عام 2002 إلى شركة «إي باي» مقابل 1.5 مليار دولار، مما جعل تيل مليونيراً. وبفضل هذا الرأس المال أطلق مشاريع رسخت نفوذه بصورة نهائية في وادي السيليكون.
وفي عام 2003 أسس شركة « Palantir Technologies »، المتخصصة في البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، والتي تتعاون مع المؤسسات العسكرية والأمنية في الولايات المتحدة. وبعد عام واحد، أصبح أول مستثمر خارجي كبير في «فيسبوك» بحصة أولية بلغت 10.2 في المائة.
وتشكلت حول تيل تدريجياً شبكة من رواد الأعمال ومستثمري التكنولوجيا، عُرفت باسم مافيا « Paypal »، وهي مجموعة تؤدي اليوم دوراً محورياً في السياسة والاقتصاد الرقمي في الولايات المتحدة.
كما كان بيتر تيل من أوائل كبار رجال التكنولوجيا الذين أعلنوا دعمهم العلني لدونالد ترامب في عام 2016. ومنذ ذلك الحين، أخذ نفوذه السياسي في التزايد باستمرار.

وفي مقال نُشرعام 2009 في المجلة الليبرتارية( The Education of a Libertarian)، كتب تيل جملة تعكس اليوم إلى حد كبير مواقفه السياسية:
«لم أعد أعتقد أن الحرية والديمقراطية متوافقتان.»
لقد أصبحت هذه المقولة المبدئية أساساً لما يُعرف اليوم بمصطلح «التنوير المظلم» وهو تيار رجعي ذو توجه تكنوليبرالي يسعى إلى استبدال المؤسسات الليبرالية والديمقراطية بأشكال من الحكم مستوحاة من المنطق الهرمي لإدارة الشركات. وتقود هذا التيار نخب تكنولوجية تسعى إلى الحفاظ على الدور القيادي للغرب.

ويُعد أبرز منظّريه الفكريين كورتيس يارفين، المعروف بالاسم المستعار «منسيوس مولدباغ». ويتبنى يارفين نظرية «الكاميرالية الجديدة» ((Neocameralism : هي نظام اقترحه في الأصل فيلسوف التنوير المظلم كورتيس يارفين، وهو مستوحى من الكاميرالية البروسية، حيث تكون الدولة شركة تمتلك بلداً). ، أي نموذج سياسي يقوم على اعتبار السيادة ملكية خاصة، وعلى تقسيم العالم إلى وحدات إدارية يمكن أن تكون، تبعاً لاعتبارات السوق، هرمية أو ثيوقراطية أو أوليغارشية.
وبعبارة مبسطة، يعني ذلك أن الدول تُدار كما لو كانت شركات خاصة. وبهذه الطريقة يسعى يارفين إلى تفكيك ما يسميه «الكاتدرائية»، وهو تعبير يشير إلى شبكة دولية من المؤسسات الليبرالية الديمقراطية التي يرى أنها تعيد إنتاج الإجماع التقدمي تحت غطاء الحياد والتعددية.
وقد استثمر بيتر تيل في شركات أسسها يارفين، كما وصف يارفين ثيل علناً بأنه «شخص مستنير بالكامل». أما نائب الرئيس الأمريكي الحالي، جي دي فانس، فقد صرّح بأن يارفين كان صاحب التأثير المباشر على أفكاره، كما يدين لثيل بأكبر تبرع في تاريخ حملات انتخابات مجلس الشيوخ، إذ قدم له خمسة عشر مليون دولار في عام 2022.
وهكذا أصبح بيتر تيل ممولاً وأحد أبرز الممثلين الاستراتيجيين لما يُعرف بـ«التنوير المظلم». ويجمع فكره بين رؤية مسيحية ذات طابع رؤيوي عن نهاية العالم وبين النظرية السياسية للفيلسوف كارل شميت.
وفي سلسلة من المحاضرات الخاصة التي سُربت إلى العلن عام 2025، وصف ثيل الوضع الراهن بأنه يشبه سقوط الإمبراطورية الرومانية. ويزعم أن الحضارة التي تعجز عن الحفاظ على نفسها لا ينبغي إصلاحها، بل استبدالها. ولذلك يراهن على تسريع انهيارها حتى يحل محلها نظام أكثر كفاءة.
ولهذا الموقف نتيجة جيوسياسية يلخصها كورتيس يارفين بما يسميه «عقيدة غورباتشوف بصيغتها الأمريكية».
ويستخدم يارفين هذا المصطلح لمقارنة اللحظة التي قام فيها الاتحاد السوفيتي بحل حلف وارسو بالوضع الحالي للولايات المتحدة، إذ يرى أن ترامب يعمل على «التخلي» عن إمبراطورية ما بعد الحرب العالمية الثانية من أجل إعادة تقسيمها.
وقال يارفين في مقابلة مع مجلة «غراند كونتينان» في مطلع عام 2025: «عندما يعلن فانس تأييده لحزب البديل من أجل ألمانيا، فإنه في الواقع يعلن معارضته للنظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية بأكمله.»
ووفقاً لرؤيته، فإن الدول التي تفقد قدرتها على البقاء ذات سيادة يجب أن تختفي، أو تُستعمر، أو يُعاد استعمارها.
ومن الرابح في هذا السيناريو القائم على الفوضى الشاملة؟

إجابة تيل هي: شركة « Palantir Technologies »
وفي نيسان 2026، نشرت الشركة بياناً من اثنتين وعشرين نقطة، يُمثل دليلاً جيوسياسياً للاقتصاد في القرن الحادي والعشرين. ويطرح البيان فكرة أن البقاء لم يعد يعتمد على الدبلوماسية التقليدية بين الدول، بل على الردع الخوارزمي القائم على البرمجيات والذكاء الاصطناعي وأنظمة الدفاع التكنولوجية.
ويبقى السؤال: من سيطور هذه التقنيات، ولأي غاية؟
يتمثل مشروع تيل في تحويل الدولة إلى شركة تابعة للبنية التحتية الرقمية الخاصة، وذلك عبر تجريد السيادة من بُعدها الديمقراطي واستبدالها، في ظل سيناريو الرقمنة الكاملة، بقانون غابة الشركات. إنها ديستوبيا أورويلية تتنكر في هيئة يوتوبيا من وادي السيليكون.
أما بالنسبة لأمريكا اللاتينية، فإن «لحظة غورباتشوف» تعني إعادة إحياء «عقيدة مونرو»، أي شكلاً جديداً من الاستعمار في خدمة عالم مُرقمن. فمن خلال إعلان الولايات المتحدة وفاة النظام الليبرالي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، تعيد تعريف أمريكا اللاتينية باعتبارها ساحتها الخلفية، ولكن وفق قواعد جديدة.
وتندرج جولة تيل في أمريكا اللاتينية ضمن هذا المنطق، إذ تشكل جزءاً من التحرك الدبلوماسي الذي يقوده ما يُعرف بـ«الفاشية التكنولوجية» في البلدان المتقاربة معها سياسياً.
وخلال رحلته، حرص بيتر تيل على ترك أقل قدر ممكن من الآثار العلنية. ففي الإكوادور لم تُسجل أي وثائق رسمية بشأن لقائه مع الرئيس نوبوا. أما في الأرجنتين، فاكتفى المسؤولون بالإشارة إلى أنهم ناقشوا «الجغرافيا السياسية والاقتصاد».
وفي تشيلي، لم يُعرف عن لقائه بالرئيس كاست إلا بفضل بلاغ مجهول قُدم إلى مجلس النواب. وكان يوهانس كايزر، المرشح السابق لرئاسة تشيلي عن اليمين المتطرف، وسانتياغو بينيا، رئيس باراغواي، من بين السياسيين القلائل الذين كشفوا معلومات ملموسة عن رحلة قطب التكنولوجيا.
وعندما التقى تيل بالرئيس الإكوادوري دانييل نوبوا، لم يُعلن سوى أن أحد المحاور الرئيسية للاجتماع كان توسيع الاتفاقيات بين شركة « Palantir » والدولة الإكوادورية.
ولا يستند هذا الاستنتاج إلى تلك الزيارة وحدها، قبلها بعدة أشهر كان مسؤولون من الحكومة الإكوادورية قد التقوا، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، بأليكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة « Palantir » والشريك القديم ل تيل، لبحث توسيع التعاون بين الجانبين.
وبذلك أصبحت الإكوادور أهم ساحة اختبار وأول سوق تدخل إليه « Palantir » في أمريكا اللاتينية. فمنذ عام 2025، ترتبط الشركة بعقد مع الهيئة الوطنية للجمارك لتنفيذ مهام الرقابة الجمركية المتعلقة بمكافحة الجريمة. ومع نجاح هذا التعاون، توسعت المناقشات في دافوس لتشمل مجالات حساسة أخرى، مثل التعدين ومصايد الأسماك.
وهكذا بدأت الدولة الإكوادورية، بذريعة تحقيق الكفاءة، في إسناد مهام استراتيجية في مجالي الأمن والاستخبارات إلى شركة أمريكية خاصة.
ويبدو أن بقية جولة تيل في أمريكا الجنوبية تسير وفق المنطق نفسه. فقد أكد يوهانس كايزر أن تيل كان يبحث عن فرص استثمارية في قطاع التعدين. ومن جانبه، أوضح رئيس باراغواي سانتياغو بينيا أنهما ناقشا الإمكانات التي تستطيع باراغواي توفيرها لرأس المال الخاص في قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة والتكنولوجيا المالية.
وخلف هذه الاجتماعات تتكرر المعادلة ذاتها: الحصول على المعادن الضرورية لتطوير هذه التقنيات، والطاقة الرخيصة اللازمة لتشغيل البنية التحتية الرقمية، إلى جانب الوصول إلى الأنظمة الحكومية في مجالات الأمن والتجارة والموارد الاستراتيجية.
وتكتمل الصورة بالنظر إلى الشخصيات الأخرى في أمريكا اللاتينية التي التقى بها ثيل. فإلى جانب اجتماعه بيوهانس كايزر، عقد في تشيلي لقاءاً سرياً مع الرئيس خوسيه أنطونيو كاست، كما التقى خوسيه بينييرا، وزير العمل والتعدين السابق خلال فترة ديكتاتورية أوغستو بينوشيه.
وفي الأرجنتين، لم يقتصر لقاء تيل على الرئيس خافيير ميلي، بل أجرى أيضاً محادثات مع فيديريكو شتورزينيغر، وزير إلغاء القيود التنظيمية، ولويس «توتو» كابوتو، وزير الاقتصاد.
ولا ينبغي الاستهانة بعلاقته مع شتورزينيغر، إذ إن الإصلاحات التي يدفع بها وزارته قد عدّلت اللوائح المتعلقة باستخدام الأراضي وحماية البيئة، مما سهّل تدفق الاستثمارات الأجنبية وتوسيع مشاريع استخراج الموارد الطبيعية.
أما اجتماعه مع كابوتو، فقد جاء في خضم النقاشات حول برنامج (Super-RIGI)، وهو البرنامج الذي تسعى من خلاله الحكومة الأرجنتينية الليبرتارية إلى جذب استثمارات ضخمة في مجالي التكنولوجيا والبنية التحتية.

أربع دول، وحكومات متقاربة في التوجه، وخطة واحدة.
وقد حدد سانتياغو كابوتو، المستشار الأبرز لخافيير ميلي وأحد الوسطاء بين تيل وكايزر وبينيا، الهدف من هذه الخطة بأنه يتمثل في جعل الأرجنتين «شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة في سباق المعادن ضد الصين»، والعمل على «إرساء عقيدة للأمن القومي تقوم على المواءمة المنهجية مع الولايات المتحدة».
وبصرف النظر عن الاختلافات بين كل بلد وآخر، فإن هذا المنطق يشكل الخيط الناظم لمعظم الاجتماعات التي ميزت جولة بيتر تيل في أمريكا الجنوبية.
لم تكن زيارة بيتر تيل إلى أمريكا الجنوبية محض صدفة، بل جاءت في سياق تصاعد التوترات الدولية وتراجع الغرب بوصفه القوة المنظمة للعولمة. وفي هذا المشهد، يسعى رجال أعمال نافذون مثل تيل إلى إعادة بناء قوة الغرب انطلاقاً من أفكار «التنوير المظلم»، وذلك من خلال تقويض هياكل الديمقراطية الليبرالية وإقامة دول تقوم على بنيات مؤسسية هرمية ذات طابع شركاتي. ولتحقيق ذلك، تحتاج الولايات المتحدة إلى الوصول إلى مصادر الطاقة، والمعادن الحرجة، والتكنولوجيات الاستراتيجية.
وخلال السنوات الأخيرة، اتخذ دونالد ترامب بالفعل خطوات في هذا الاتجاه. فقد تفاوضت إدارته مع البرازيل لضمان أولوية الوصول إلى المعادن الاستراتيجية، كما عززت هذا التوجه من خلال غزو فنزويلا، التي لا تقتصر أهميتها على احتياطياتها النفطية، بل تمتلك أيضاً رواسب كبيرة من معدن الكولتان. ومنذ عودة ترامب إلى السلطة، خصصت الولايات المتحدة أكثر من مليار دولار لمشاريع مرتبطة باستخراج المعادن الحرجة في المنطقة. ومن المفترض أن تشكل دبلوماسية ثيل امتداداً لهذه الاستراتيجية. فمن خلال الاعتماد على حكومات تنتهج سياسات إزالة القيود التنظيمية، تسعى شركة « Palantir » إلى ضمان الوصول إلى الموارد الطبيعية والأراضي والطاقة منخفضة التكلفة في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تتغلغل الشركة في قطاعات حساسة داخل أجهزة الدولة، مقدمةً أنظمة لمعالجة البيانات والمراقبة والاستخبارات في مجالات ترتبط بالأمن والتجارة وإدارة الموارد الاستراتيجية. وهذا بالتحديد ما يجعل الردع الخوارزمي ممكناً على المستويين الوطني والإقليمي: خوارزميات تعمل في خدمة الدولة، فتُسهل وصول الولايات المتحدة إلى الموارد الحيوية، وفي الوقت ذاته تجعل الرقابة الاجتماعية أمراً اعتيادياً ومقبولًاً
وأبرز مثال على ذلك هو العلاقة بين شركة « Palantir » وهيئة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE)، حيث أصبحت هذه التقنيات جزءاً من سياسات المراقبة والرقابة على الهجرة.
وفي ضوء هذا الواقع، تتمثل المشكلة بالنسبة لأمريكا اللاتينية في أبعادها الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية. فالتوسع الذي تقوم به شركات مثل « Palantir » يثير تساؤلات بشأن سيادة الدولة، والرقابة الديمقراطية، والتبعية، وذلك في مرحلة باتت فيها البيانات والبنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي تؤدي دوراً استراتيجياً متزايد الأهمية.
وأمام هذا التسارع الهائل في التحول الرقمي، الذي تدفعه مجموعة محدودة من الأفراد، تتمثل المهمة في تطوير بدائل سياسية قادرة على تحدي هذه القوة.


سانتياغو أبراهام(*): هو مدير جمعية BerChain e.V.، وهي منظمة غير ربحية تعمل على تعزيز المعرفة بتقنيات البلوك تشين.
ماكس تيلياس(*): عالم اجتماع يتمتع بخبرة واسعة في قيادة المبادرات التعليمية، وإدارة تمويل المشاريع.