ماذا تغيّر في الاتّحاد بعد مؤتمر مارس الماضي؟ (الجزء الثاني)


جيلاني الهمامي
2026 / 7 / 21 - 15:53     

ماذا تغيّر في الاتّحاد بعد مؤتمر مارس الماضي؟
(الجزء الثاني)



كان يُفترض أن يشكّل المؤتمر الوطني الأخير وصعود قيادة جديدة على رأس الاتحاد عاملا كافيا لبث روح جديدة ودينامية داخلية تنتشل المنظمة من حالة الجمود التي كانت عليها خلال الفترة التي سبقت المؤتمر، ولكن ثلاثة أشهر من "الوضع الجديد" لم تأت على هذا الصعيد بجديد يذكر.

استمرار حالة الركود
إنّ تردي الأوضاع المادية والمهنية والمعنوية للشغالين تمثل عامة مناخا دافعا للنشاط والفعل النقابي لأنّ الفقر والاحتياج والاستغلال هو الحاضنة الموضوعية لنشوء مشاعر الغضب والنقمة الطبقية وانتشارها لتتولّى النقابات العمالية تأطيرها وتوجيهها. ومنطقيا على قدر ما تزداد هذه الأوضاع العامة ترديا يرتفع منسوب الغضب والنقمة الذي تترجمه الحركة في الأنشطة والتحركات سواء داخل الهياكل النقابية أو في ميدان الصراع الاجتماعي.

كانت الأوضاع العامة لعموم الشغالين في تونس منذ سنوات طويلة وماتزال أوضاعا ناضجة نظريا ومنطقيا لظهور حركة نضال طبقي قوية ضد جميع مظاهر الاستغلال والقهر والتهميش، ولكن تخلّف عنصر الوعي أي ضعف عمل الأحزاب السياسية التقدمية التي تعلن انحيازها للشغالين والجماهير الشعبية وكذلك تخلّف عمل النقابات والاتحاد العام التونسي للشغل تحديدا عن استغلال هذه الظروف الموضوعية لاستنهاض حركة نقابية ناشطة ووازنة منح الشعبوية، دولة ومؤسسات وأصحاب رأسمال وأرباب عمل، فرصة لفرض موازين قوى وأسلوب عمل وحياة في غير صالح جماهير العمّال.

وإذا سلّمنا جدلا بأنّ أوضاع الأزمة التي مرّ بها الاتحاد قبل مؤتمر مارس الماضي حالت دونه وتنشيط الحياة النقابية وأنّ المؤتمر سيكون، كما اعتقد الكثير، هو المدخل لتجاوز هذا الوضع فمن المشروع أن ننتظر، حالما تنتهي أشغاله، انطلاق مرحلة جديدة تتميّز بديناميكية نقابية تشمل الهياكل والقواعد بقيادة المكتب التنفيذي الجديد الذي وللحقيقة، لم يتوفّق في ضوء النتائج الملموسة على أكثر من صعيد في تحقيق هذه النقلة لأسباب موضوعية وذاتية سنأتي عليها.

ما من شك في أنّ الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية مازالت على حالها إن لم تزدَد تعقيدا وتعفّنا. لكنّ الواضح أيضا أنّ الثقافة البيروقراطية الطاغية في تكوين أغلب أعضاء القيادة الحالية لها تأثير عميق في العقيدة النقابية السائدة بينهم وبالتالي في منهج العمل المتّبع وأساليب التسيير. يقوم هذا المنهج على ازدراء العمل القاعدي وعدم العودة إلى المنخرطين إلا في فترات التسخين. وحتى حملات التسخين عادة ما يقع التعاطي معها بمنطق فوقي لا يراعي مقتضيات المشاركة القاعدية الطوعية واقتناع الجماهير بالنضال وبالتحركات في عملية الضغط على السلطة أو على الأعراف أي في حملة التّسخين. هكذا كانت على الدوام حملات التسخين التي تلجأ إليها البيروقراطية النقابية في فترات التوتر الاجتماعي منذ ثمانينات القرن الماضي.

وبما أنّ القيادة الجديدة لم تضع ضمن خياراتها بَعْدُ الدخول في مواجهة مع السلطة لأنها مازالت تعوّل، على ما يبدو، على التوصّل إلى حلّ توافقي ومفاهمة بالتراضي مع السلطة، فإنها لا ترى موجبا للشروع في أيّ شكل من أشكال التصعيد ولم تر بالتالي ما يدعوها إلى وضع برنامج لتنشيط هياكل المنظمة والقواعد العمالية والحال أن لا أمل في التغلب على كل التحديات التي تواجهها المنظمة النقابية إلّا بتعبئة القواعد واستنهاضها وتطوير جاهزيتها للنضال. ومن غير الوارد أن يحصل ذلك إلّا عبر حملة اتصال واسع وعملية تحسيس مدروسة وشاملة لكل المنخرطين وعموم العمال عبر سلسلة من الاجتماعات العامة وندوات الإطارات والمجالس القطاعية وغيرها من أشكال الاتصال في الجهات والقطاعات، في مؤسسات العمل وفي دور الاتحاد وعلى امتداد فترة طويلة قد تستغرق سنة أو أكثر. والأكيد أنه من غير الممكن أيضا مواجهة السلطة لفرض الحق النقابي وإجبارها على التفاوض مع ممثلي العمال في كل ما يهم حقوقهم ومطالبهم ومن غير الممكن تحقيق نجاح في حملة توزيع الانخراطات بالأشكال النضالية وتجاوز قرار السلطة بتوقيف العمل بالخصم المباشر في غياب برنامج نضالي لتنشيط الهياكل والقواعد.

ولئن كانت اجتماعات الهيئة الإدارية الوطنية والمجامع القطاعية (مجمع الوظيفة العمومية والقطاع العام والقطاع الخاص) واجتماعات الهيئات الإدارية الجهوية والقطاعية خطوة إيجابية لتحريك الحياة النقابية فإنها تبقى اجتماعات فوقية لا تتجاوز حدود الإطارات الوسطى والمركزية ولا تشمل الإطارات القاعدية وجماهير المنخرطين.

صحيح أنّ إضرابات بعض القطاعات مثل النقل و"الستام" والبنوك وبعض شركات القطاع الخاص في صفاقس وبن عروس كانت علامة ضوء في مشهد الركود العام وأعطت إشارات إيجابية على حيوية الطبقة العاملة التونسية وحركتها النقابية ولكنها لم ترتق في الحقيقة إلى ما كان مأمولا بالنظر إلى التحديات الموضوعية الكبيرة وخاصة بعد انعقاد المؤتمر وانتخاب قيادة جديدة.

للتذكير كانت الهياكل القيادية للاتحاد (المجلس الوطني والهيئات الإدارية الوطنية) حتى وهي في أوج الأزمة اتخذت قرار الإضراب العام وتم تأجيل تنفيذه بتبريرات متنوعة وقد أحيل في نهاية المطاف على مؤتمر المنستير للبت فيه بشكل نهائي. وكان واضحا أنّ هذا القرار ليس إلاّ أداة من أدوات إدارة الصراع بين شقوق البيروقراطية ولا ينبع من رغبة نضالية حقيقية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع. وفي سياق بسط حالة الركود نفهم تعمّد القيادة الجديدة تغييب الموضوع وعدم الحديث فيه رغم أنه كان بمقدورها الاستفادة منه على الأقل باستعماله كموضوع للتحسيس والتعبئة والتنشيط.

الدّيمقراطية الدّاخلية ليست مجرّد شعار
كان الهدف الأساسي من مؤتمر مارس الماضي معالجة الأزمة الدّاخلية التي تردّى فيها الاتحاد إذ عقد عليه الكثير من النقابيين آمالا كبيرة في حل الخلافات التي كانت تشق الصف النقابي، هياكل ومناضلين، وفي تجاوز الإشكاليات التي كانت سببا في الانقسامات والصراعات.

وقد خيّم الوضع الداخلي على أشغال المؤتمر فتركّزت اهتمامات المؤتمرين على تنقيح بعض فصول النظام الداخلي (الفصل 20) وبحث سبل تحقيق المصالحة النقابية وتنقية الأجواء الداخلية. وانطلقت تلك المساعي من قناعة واسعة بأنّ سلامة الجبهة الداخلية هي الضّامن في تجاوز كل أوجه الأزمة الأخرى والتصدي لمناورات السلطة وتهديداتها. وقد قطعت القيادة الجديدة (في وعودها الانتخابية) عهدا بتصفية مخلفات الماضي وتدشين عهد جديد في حياة المنظمة.

غير أنّ ما أفرزته نقاشات المؤتمر التي سيّجت مسألة "العفو النقابي" ببعض الشروط سرعان ما غيّر وجهة الموقف النقابي الرّسمي إلى التلميح ثم الإعلان عن نية القيادة حصر المصالحة النقابية في بعض الحالات عملا بالاستثناءات التي تم استحضارها لتبرير نفس منطق التصفية القديم الذي أدّى إلى الأزمة الأخيرة. وبعد فترة من التردد والتلكؤ أحيل ملف المصالحة النقابية إلى غياهب التجاهل والنسيان لا بل عادت ماكينة التّصفية ضد بعض النقابيين حيث نشطت لجنة النظام الوطنية في الأسابيع الأخيرة لتستصدر سلسلة من قرارات التجميد والمنع من الترشّح للمسؤوليات النقابية ضد بعض النقابيين على خلفية نزاعات وصراعات نقابية داخلية في بعض الجهات.

فليس من المبالغة في شيء القول إنّ لا شيء تغيّر فيما يتعلق بأساليب إدارة الحياة النقابية الداخلية بل إنّ عديد المؤشرات تشير إلى أنّ الأوضاع مرشحة إلى مزيد من التراجع. ففي غضون الأشهر القليلة من وجود القيادة الجديدة اندلعت "أزمات" قطاعية وجهوية في قطاع موظفي التعليم العالي والنسيج ومدنين وقفصة أدى بعضها إلى ملفات منشورة أمام القضاء. وقد لوحظ عودة بعض الممارسات التي تعيد إلى الأذهان ضغوط بعض "مراكز النفوذ" داخل الاتحاد التي تذكرنا بما كان يقوم به ما يسمى بـ"جنرالات" الاتحادات الجهوية في عهد إسماعيل السحباني – سيء الذكر– لفرض تأويل النصوص القانونية على نحو لا يخلو من غايات سياسية أو ذاتية.

إنّ غياب تصوّر متكامل لإرساء نمط تسيير ديمقراطي على أساس قوانين داخلية ديمقراطية وقواعد عمل وممارسات فضلى de bonnes manières سيجعل القيادة الجديدة في أحسن الحالات تتخبط في التردد والانتقائية والخضوع للضغوط والضغوط المضادة. إنّ مصلحة المنظمة ومصلحة القيادة نفسها تكمن في التعاطي مع المسألة الديمقراطية الداخلية بمبدئية وتجرد وشجاعة. وهو ما يقتضي معالجة ملف العقوبات في حق العديد من النقابيين معالجة مبدئية "تقدّس" حق الاختلاف وتترفّع عن الضغائن الذاتية وتقطع مع منطق الاستقواء بالموقع لفضّ نزاعات ذاتية يقع تلبيسها، قسرا رداء "خلافات نقابية".

إنّ ما راج حول إمكانية استثناء الذين لجأوا إلى القضاء من "العفو النقابي" بتعلة أنّ هؤلاء نقلوا الخلافات النقابية خارج أسوار الاتحاد إلى أروقة المحاكم وجاز فيهم بالتالي تثبيت العقوبة لا رفعها، وما راج أيضا من إمكانية استثناء من تورط في الشتم أو هتك أعراض قيادات نقابية من قرار المصالحة بتعلة عدم التساهل مع هذه الممارسات هو في الحقيقة إعادة إنتاج منطق القيادة السابقة وتكرار لخطاب "العقوق النقابي" (1) والإصرار على مواصلة السياسة البيروقراطية التصفوية التي لا يتسع صدرها للرأي المخالف ولا تقبل بالتنوع في المواقف ووجهات النظر.

نعم من المحبذ بل من واجب كل النقابيين دون استثناء ومهما كانت مواقعهم أن يحرصوا على حلّ الخلافات والنزاعات النقابية داخل أطر المنظمة دون اللجوء إلى فضاءات أخرى خارجها (محاكم) لكن شرط أن تسمح المنظمة لأبنائها بالتعبير عن آرائهم بحرية وشرط أن تُحْدِثَ الإطار الكفيل بإجراء الحوار والجدل وإدارة الخلاف بشكل ديمقراطي. ومن المحبذ أيضا ألّا تتجاوز الخلافات والصراعات الحد الأدنى من الاحترام وألاّ تنحرف إلى أساليب السبّ والتهجّم والتشهير الاخلاقي، ولكن عندما ينعدم هذا الشرط وبدلا عن ذلك يقع تشغيل "لجنة النظام" لمعاقبة النقابيين لا للاستماع إلى آرائهم ومواقفهم فبأيّ حق يلام ضحايا التعسف من اللجوء إلى القضاء بحثا عن الإنصاف ورفع المظالم. وفوق كل ذلك يذكر النقابيون التجاوزات التي صاحبت الإحالات على لجنة النظام مثل انتصاب لجنة النظام الوطنية بدلا عن اللجنة الجهوية أو القطاعية ومثل التلاعب بتوجيه الدعوة وعدم تمكين المحالين من ملفاتهم لإعداد الدفاع عن أنفسهم وما إلى ذلك من الممارسات التعسفية.

إنّ إعلان عفو عام على جميع النقابيين الذين طالتهم قرارات التجميد والتجريد في علاقة بالخلافات التي جدّت بخصوص مراجعة الفصل 20 مهمة ملحة وأكيدة فضلا عن كونها في المتناول لأنّ تعبئة كل الطاقات والتفرغ لمواجهة التحديات الخارجية تقتضي تنقية الأوضاع الداخلية تنقية تامة. والمطلوب الآن من المكتب التنفيذي الجديد التحلي بما يجب من الشجاعة والتبصّر في قراءة خصائص الوضع وتعقيداته للخروج من حالة التردد والانتظارية.

في كلمة
ترتسم ملامح المستقبل صعبة على أكثر من صعيد. فسلطة الانقلاب الشعبوي ماضية في استهداف المنظمة مثلها مثل سائر مكونات المجتمع السياسي والمدني، وسياسات الليبرالية المتوحشة سائرة باتجاه تصعيد وتائر الاستغلال والاعتداء على أبسط مكتسبات العمال ومؤثرات واقع الأزمة التي مرّت بها المنظمة الشغيلة ما تزال وازنة على مزاج الجماهير ومعنوياتهم بشكل كبير مما عسّر وسيعسّر أكثر تدارك انعكاسات توقيف العمل بالخصم المباشر وبالتالي تراجع إقبال العمال على الانتساب للاتحاد والإقدام على النضال تحت رايته. كل هذه التحديات تتطلب من القيادة الجديدة سياسة غير التي اتبعتها حتى الآن منذ مؤتمر مارس الماضي. فهل تدرك هذه القيادة أنّ التردد والانتظارية والحلول الترقيعية لا تجدي نفعا فإمّا قيادة في مستوى التحديات وإمّا قيادة على شاكلة كل القيادات البيروقراطية الفاشلة ستعيد إنتاج الأزمة على نحو أخطر وأشد.


الهوامش
1 – على حد تعبير الناطق الرسمي باسم الاتحاد على صفحته الخاصة في الفايسبوك