أربعون يوماً في برزخ الخيار: ردٌّ على أربعينية ماجدة منصور!


سامر مليح
2026 / 7 / 19 - 00:39     

العزيزة الأستاذة الكبيرة ماجدة منصور
قرأتُ كلماتكِ الأخيرة المترعة بالصدق العاري، والمنشورة كوثيقة إنسانية وسياسية بالغة الأهمية على صفحات "الحوار المتمدن". إنها كلمات لا تداوي جرحاً بل تنكأه، وتضعنا معاً أمام مرآة تاريخية طالما هرب الكثيرون من التحديق فيها. توقفتُ ملياً عند قراركِ الصمت والمهلة التي ضربتِها لروحكِ: أربعون يوماً بين جنبات القوم، لتفصلي في خيار وجودي حاسم؛ إما البقاء والانغماس، أو الرحيل إلى أقاصي الأرض تلبية لـ "حليب الغجر" الذي رضعتِهِ صدقاً لا مجازاً.
لقد لفتني في شهادتكِ ذلك التقاط الذكي والمدهش لـ "هالات التحدي" التي تحيط بالسوريين اليوم. الحق معكِ تماماً؛ إنه لأمر مثير للدهشة والذهول أن نرى شعباً يطحنُه الغلاء وتنهكه التحديات المعيشية، ومع ذلك يصرُّ على السعادة، ويعمل بتواصل تملؤه عقيدة بأن "بكرة أحلى". هذا الأمل السوري ليس ترفاً، بل هو آلية دفاع غريزية للبقاء، ووقود لبناء الأمم حين يتحول الحلم إلى واقع متجسد.
لكن الشجاعة الحقيقية في رسالتكِ تجلت في قراءتكِ النقدية والمنصفة لملف الطائفية والمظلومية في سوريا. لقد امتلكتِ الجرأة لتقولي: "في الظلم لم نكن سواء أبداً"، معترفةً بأن الطائفة التي تشكل الأغلبية قد دفعت فاتورة العذاب أضعافاً مضاعفة. هذا الإنصاف الذاتي هو الحجر الأساس لأي مصالحة حقيقية مع الذاكرة، خاصة حين ربطتِهِ بسيرة الخوف المبكر؛ ذلك الرعب السينمائي الذي زرعه نظام حافظ الأسد في نفوس القوم منذ سبعينيات القرن الماضي، حتى غدت للحيطان آذان، وصار "المشي جنب الحيط" ثقافة شعبية، بينما كنتِ أنتِ متمردة، تمشين في عرض الطريق، تطاردين الفراشات وتتعمشقين أشجار التين على ضفاف الفرات حين كان الفرات فراتاً.
إن توصيفكِ للمجتمع السوري القديم بأنه كان يعيش حالة من "الإنغلاق الطائفي والمذهبي الشاذ"، حيث تنعزل بقية الطوائف عن الأغلبية السنية، بينما تنعزل الأغلبية بدورها بلؤم وخسة، هو تشخيص دقيق لمرض مزمن استثمرت فيه السلطة لعقود. وها أنتِ اليوم، تعودين بعد 35 عاماً من الغياب في أستراليا، لتراقبي كيف تحورت هذه العزلة، وكيف تبدلت الملامح والنفوس تحت وطأة ركام الحرب والفقر والتشدد المتنامي.
أحترم خياركِ، يا ماجدة، في التوقف هنا حتى "تذهب السكرى وتأتي الفكرة". اذهبي إلى أربعينيتكِ الوجدانية في بلادنا المتعبة، تأملي وجوه المقهورين على الأرصفة، وراقبي التحولات بعين القارئة المحترفة والكاتبة الحرة التي لم تشغلها يوماً أدوات التجميل عن تفكيك الواقع.
نحن بانتظار ما ستلده هذه الأربعون يوماً، وسواء اخترتِ البقاء بين القوم، أو حزمتِ حقائبكِ نحو كرفان متنقل في البراري، فإن قلمكِ قد حفر عميقاً في جدار الصمت. خذي وقتكِ كاملاً.. فالحقيقة تستحق الانتظار.