جورجي بليخانوف: الاشتراكية الطوباوية في القرن 19 (الفرنسية 3) - ج8 (مقال مُترجَم)
حسين محمود التلاوي
2026 / 7 / 12 - 04:55
الفرنسية
III
كان "أنفانتان" يرى أن ظهور البروليتاريا على مسرح التاريخ يعادل مجيء "البرابرة"، وكان هذا أيضًا رأي غالبية الاشتراكيين الطوباويين الفرنسيين. [74] وهذه سمة بالغة الدلالة على طريقتهم في التفكير عمومًا، وعلى موقفهم من النضال السياسي على وجه الخصوص؛ فقد كانوا يدافعون بحماسة عن مصالح الطبقة العاملة، ويكشفون بلا هوادة كثيرًا من تناقضات المجتمع البرجوازي. كان "سان سيمون"، في أواخر حياته، يقرر أن "جميع المؤسسات الاجتماعية يجب أن تهدف إلى الارتقاء الأخلاقي والفكري والجسدي بأكثر الطبقات عددًا وأشدها فقرًا". أما "فورييه" فقد أعلن، في غضب نبيل، أن أوضاع العمال في المجتمع المتحضر أسوأ من أوضاع الحيوانات المتوحشة. [75] ومع ذلك، فعلى الرغم من أسفهم العميق لبؤس الطبقة العاملة وسعيهم بكل وسيلة إلى تحسين أحوالها، فإن الاشتراكيين الطوباويين لم يؤمنوا بالفعل المستقل للطبقة العاملة، وإذا آمنوا به خافوا منه. وكما رأينا للتو، كان "أنفانتان" يعد ظهور البروليتاريا بمنزلة غزوٍ يقوم به البرابرة، بل إن "سان سيمون" كان قد خاطب «الطبقة المعدمة» منذ عام 1802 قائلًا: "انظروا ماذا حدث في فرنسا عندما تولى رفاقكم السلطة؛ لقد جلبوا المجاعة". [76]
وهنا يبرز تناقض لافت؛ فحتى ثورة فبراير 1848 لم يكن المنظِّرون البرجوازيون يعادون النضال السياسي بين الطبقات. ففي عام 1820 كتب "جيزو" أن الطبقة الوسطى لا بد أن تنتزع السلطة السياسية إذا أرادت أن تؤمّن مصالحها في صراعها مع الرجعيين، الذين كانوا يسعون بدورهم إلى الاستيلاء على السلطة واستخدامها لخدمة مصالحهم الخاصة. [77] ولما عاتبه الرجعيون على أنه، بدعوته إلى الصراع الطبقي، يؤجج الأهواء الشريرة، أجابهم بأن تاريخ فرنسا كله قد صنعته حرب الطبقات، وأنه لمن المخجل أن يتجاهلوا هذا التاريخ لمجرد أن "نتائجه" جاءت في غير صالحهم. [78]
كان "جيزو" يؤمن بالفعل المستقل لـ"الطبقة الوسطى"، أي البرجوازية، ولم يكن يخشاها البتة؛ ولذلك كان يدافع عن ضرورة النضال السياسي بين الطبقات. وهو، بالطبع، لم يكن يوافق على "كارثة عام 1793"، بل كان بعيدًا كل البعد عن ذلك، غير أنه كان يرى، في مرحلة من المراحل، أن تكرارها أصبح مستبعدًا. ثم غيَّر رأيه بعد عام 1848، وأصبح بدوره من دعاة السلم الاجتماعي. وهكذا كانت مسيرة الفكر الاجتماعي تتطور وتتبدل تبعًا لتطور الحياة الاجتماعية نفسها.
وحان الآن أن نذكّر القارئ بأن أقلية الاشتراكيين في فرنسا آنذاك لم تكن تعارض السياسة ولا الصراع الطبقي بأي حال. فقد اختلفت هذه الأقلية اختلافًا جوهريًا، في طريقة تفكيرها، عن الأغلبية التي تناولناها حتى الآن. وكانت تمتد بجذورها مباشرة إلى "بابوف" وأتباعه. وكان أحد المشاركين النشطين في "مؤامرة المتساوين"، وهو "فيليب بوناروتي"، المنحدر من أسرة "مايكل أنجلو"، والمولود في توسكانا، والذي أصبح مواطنًا فرنسيًا بمرسوم صادر عن المؤتمر الوطني، [79][80] هو الذي حمل إلى الاشتراكية الطوباوية في القرن التاسع عشر التقاليد الثورية للبابوفيين. وقد نُشر كتابه ــ الذي سبق أن أشرت إليه ــ "تاريخ المؤامرة من أجل المساواة، المعروفة باسم مؤامرة بابوف، وما أعقبها من محاكمة" في بروكسل عام 1828، وكان له أثر بالغ في تشكيل أفكار الأقلية الثورية من الاشتراكيين الفرنسيين. [81] وإن مجرد تأثر هذه الأقلية بأحد أعضاء «مؤامرة المتساوين" السابقين يدل على أنها، بخلاف الأغلبية، لم تكن تحمل أي رهبة من ذكرى "كارثة سنة 1793". أما أشهر ممثليها، "أوجست بلانكي"، فقد ظل حتى نهاية حياته الطويلة ثوريًا لا يلين. [82].
وبينما كان "سان سيمون" يدعو إلى اتخاذ تدابير تضع حدًا للثورة، وكانت غالبية الاشتراكيين الفرنسيين تؤيده في ذلك، كانت الأقلية، المتأثرة بالبابوفية، تشارك "المتساوين" اقتناعهم بأن الثورة لم تكتمل بعد، لأن الأغنياء استأثروا بخيرات الحياة كلها. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين الاتجاهين الرئيسيين في الاشتراكية الطوباوية الفرنسية: أحدهما كان يريد إنهاء الثورة، والآخر كان يريد مواصلتها.
وكان الذين أرادوا إنهاء الثورة يسعون بطبيعة الحال إلى تحقيق الوفاق بين المصالح الاجتماعية المتصارعة؛ فقد كتب "فيكتور كونسيديران": "إن أفضل وسيلة لكل طبقة لضمان مصالحها الخاصة هي أن تربطها بمصالح الطبقات الأخرى". [83] وهكذا كان يفكر جميع الاشتراكيين الطوباويين السلميين. ولم يكن اختلافهم إلا في الوسائل التي ينبغي بها التوفيق بين مصالح جميع الطبقات في المجتمع. فكاد كل مؤسس سلمي لمذهب اشتراكي يبتكر خطة خاصة تكفل أيضًا مصالح الطبقة المالكة. فمثلًا، اقترح "فورييه" أن يوزع ناتج العمل في المجتمع المستقبلي بحيث يحصل العمال على خمسة أجزاء من اثني عشر، والرأسماليون على أربعة أجزاء، وأصحاب المواهب على ثلاثة أجزاء من مجموع الناتج. وكذلك تضمنت جميع الخطط الطوباوية السلمية الأخرى نوعًا من التنازل للرأسماليين؛ إذ لولا ذلك لما أمكن ضمان مصالح الطبقة المالكة، ولانهار، تبعًا لذلك، كل أمل في حل سلمي للمسألة الاجتماعية.
أما الاشتراكيون الذين لم يكونوا يخشون هذه النتيجة، أي الذين كانوا يؤيدون العمل الثوري، فقد استطاعوا أن يتجاهلوا مصالح الرأسماليين و"الأثرياء" بوجه عام. وهذا هو النهج الذي اختاره البابوفيون في أواخر القرن الثامن عشر، وسار عليه أيضًا أولئك الاشتراكيون الفرنسيون في القرن التاسع عشر الذين تأثروا بأفكارهم. ولأنهم لم يروا موجبًا لمراعاة مصالح "الأثرياء"، أعلنوا صراحة أنهم ليسوا ثوريين فحسب، بل شيوعيون أيضًا. وبوجه عام، كان الفرق بين مفهومي "الاشتراكية" و"الشيوعية" في فرنسا آنذاك يتمثل في أن الاشتراكيين كانوا يتركون في تصوراتهم للمجتمع المقبل قدرًا من التفاوت في الملكية، قد يكون في بعض الأحيان كبيرًا، في حين كان الشيوعيون يرفضون هذا التفاوت رفضًا قاطعًا.
وكما رأينا، فإن الميل إلى النزعة الثورية كان يجعل من السهل على المصلحين الفرنسيين اعتناق البرنامج الشيوعي. وبالفعل، فإن ثوريين؛ مثل "تيودور ديزامي" و"أوجست بلانكي"، كانوا من أنصار الشيوعية. [84] غير أن الشيوعيين في ذلك العصر لم يكونوا جميعًا ثوريين؛ فقد كان أبرز ممثلي الشيوعية السلمية "إتيان كابيه". [85] وقد عبّر أوضح تعبير عن النزعة السلمية التي غلبت على أكثر الاشتراكيين الفرنسيين حين قال: "لو كانت الثورة في قبضتي، لما فتحت يدي عنها، ولو كان الثمن أن أموت في المنفى". [86] وكان "كابيه"، شأنه شأن فلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر، يؤمن بالقدرة المطلقة للعقل، ويعتقد أن الطبقة المالكة نفسها قادرة على فهم مزايا الشيوعية وتقديرها. ولم يشاركه الشيوعيون الثوريون فلم هذا الاعتقاد، ولذلك دعوا إلى الصراع الطبقي.
ومع ذلك، فلا ينبغي أن نظن أن تكتيكاتهم كانت تشبه تكتيكات الاشتراكية الديمقراطية الدولية في عصرنا، التي لا ترفض هي أيضًا لا الصراع الطبقي ولا العمل السياسي؛ فقد كان هؤلاء الثوريون يعتمدون أساسًا على العمل التآمري السري. ولعل تاريخ الاشتراكية الدولية لا يعرف متآمرًا يمثل هذا الاتجاه بوضوح كما مثله "أوجست بلانكي"؛ فالتكتيكات التآمرية لا تترك مجالًا كبيرًا للمبادرة المستقلة من جانب الجماهير. ومع أن الشيوعيين الثوريين الفرنسيين كانوا يعتمدون على الجماهير أكثر من اعتماد معاصريهم من الاشتراكيين السلميين عليها، فإن تصورهم لتحويل المجتمع كان يقضي بأن يقتصر دور الجماهير على مساندة المتآمرين، الذين يتولون بأنفسهم تنفيذ العمل الحاسم. [87] وليس اللجوء إلى التآمر إلا علامة واضحة على عدم نضج الطبقة العاملة؛ إذ يختفي هذا الأسلوب تلقائيًا متى بلغت هذه الطبقة درجة معينة من النضج السياسي والاجتماعي.
رابط الجزء الأول:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=917949&nm=1
رابط الجزء الثاني:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=918514
رابط الجزء الثالث:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=918863&nm=1
رابط الجزء الرابع:
https://m.ahewar.org/s.asp?aid=921650&r=0
رابط الجزء الخامس:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=923185&nm=1
رابط الجزء السادس:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=924942&nm=1
رابط الجزء السابع:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=925272&nm=1