ترامب وماسك والحرب على الدولة والنقابات: هل انتهت تجربة DOGE بالفشل؟


جهاد عقل
2026 / 7 / 7 - 17:29     

البداية
لم تكن تجربة “وزارة كفاءة الحكومة” (DOGE) مجرد مبادرة إدارية لتقليص الإنفاق الحكومي، بل شكّلت واحدة من أكثر المواجهات وضوحاً بين إدارة دونالد ترامب والحركة النقابية الأمريكية، ولا سيما نقابات القطاع العام. فقد قاد إيلون ماسك المشروع بعقلية مستوحاة من “وادي السيليكون”، تقوم على التقليص السريع، وإحداث صدمة إدارية، والتعامل مع مؤسسات الدولة كما لو كانت شركة خاصة يمكن تفكيكها وإعادة بنائها لاحقاً.
لكن مع انتهاء التفويض المؤقت لـ DOGE في الرابع من تموز/يوليو 2026، لم يعد السؤال المركزي: كم وفّرت؟ بل أصبح: من دفع الثمن؟
وبحسب تقرير صحفي ل Politico، وعدت DOGE بتوفير يصل إلى تريليوني دولار، لكنها أعلنت عن وفورات بلغت نحو 215 مليار دولار فقط، في موازنة فيدرالية تقارب سبعة تريليونات دولار سنوياً. كما غادر إيلون ماسك المشروع مبكراً في أيار/مايو 2025، بينما لم تعلن الإدارة عن تقرير ختامي شامل يقيّم التجربة. وهنا يبرز أول مؤشر على الفشل: مشروع بدأ بضجيج سياسي وإعلامي هائل، وانتهى من دون حصيلة رسمية مقنعة.
من الزاوية النقابية، لم تكن المشكلة في السعي إلى تحقيق كفاءة حكومية حقيقية، بل في تحويل شعار “الكفاءة” إلى غطاء للهجوم على العمال والوظيفة العامة. فقد أشارت الحركة النقابية الأمريكية، وفي مقدمتها AFL-CIO، إلى أن سياسات ترامب شملت سلب حقوق المفاوضة الجماعية من نحو مليون موظف فيدرالي، وإضعاف وكالات الصحة والسلامة المهنية، وإفراغ مجلس علاقات العمل الوطني من قدرته على حماية العمال، فضلاً عن التضييق على حقوق العمال المهاجرين وحرية التعبير. لذلك رحّب الاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية (AFL-CIO) بإدراج الولايات المتحدة على قائمة المراقبة في مؤشر الحقوق العالمي 2026 الصادر عن الاتحاد الدولي للنقابات، معتبرة ذلك تحذيراً خطيراً من تراجع الديمقراطية وحقوق العمال في البلاد.
ومن هنا يتضح أن ما قام به ترامب وماسك من خلال إنشاء DOGE لم يكن مجرد برنامج لخفض النفقات. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي شهدت الولايات المتحدة موجات متعاقبة من الخصخصة وتقليص دور الدولة، إلا أن تجربة DOGE تختلف لأنها جمعت بين السلطة السياسية التي يمثلها ترامب ورأس المال التكنولوجي الذي يجسده إيلون ماسك. فلم يعد الهدف مجرد خفض الإنفاق، بل إعادة تعريف دور الدولة نفسها، بحيث تصبح أقرب إلى شركة خاصة تُقاس بالكلفة والربح، لا بمسؤوليتها الاجتماعية تجاه المواطنين.

لماذا كانت النقابات الهدف الأول؟
برأينا، لم يكن استهداف النقابات صدفة. فالوظيفة العامة في الولايات المتحدة تمثل أحد آخر القطاعات التي ما تزال تتمتع بمعدلات تنظيم نقابي مرتفعة مقارنة بالقطاع الخاص. ولذلك، فإن إضعاف الموظفين الفيدراليين يعني، في الوقت نفسه، إضعاف واحدة من أهم قواعد الحركة النقابية الأمريكية.
ولهذا رأينا أن الهجوم تجاوز تقليص الوظائف ليطال العمود الفقري للعمل النقابي، من خلال:
تقليص حقوق المفاوضة الجماعية.
تسهيل فصل الموظفين.
تقليص دور الهيئات المستقلة.
زيادة السيطرة السياسية على الخدمة المدنية.
هل نجح نموذج “الإدارة كشركة”؟
اعتمد إيلون ماسك على الفكرة التي طبّقها في شركاته الخاصة، ومفادها أن الصدمة الإدارية والتسريح السريع يؤديان إلى رفع الكفاءة. لكن الدولة تختلف جذرياً عن الشركات، فالنجاح في القطاع العام لا يُقاس بعدد الموظفين الذين جرى الاستغناء عنهم، بل بقدرة المؤسسات على تقديم خدمات مستقرة وعادلة للمواطنين.
وقد أظهرت التجربة أن تقليص الخبرات ترافق مع تراجع في الأداء وارتفاع فترات انتظار الخدمات، وهو ما أضعف الحجة الأساسية التي قام عليها المشروع.

الدرس الذي يهم الحركة النقابية العالمية
في ظل تبني هذه الأفكار القائمة على عقلية الإدارة الرأسمالية الفردية والاعتماد المفرط على التقنيات، تكمن أهمية تجربة DOGE في أنها قد تتحول إلى نموذج تلجأ إليه حكومات أخرى تحت شعارات مثل: تحديث الإدارة، والتحول الرقمي، ورفع الكفاءة، ومكافحة الهدر، وإصلاح القطاع العام.
إلا أن التجربة الأمريكية تشير إلى أن هذه الشعارات قد تتحول، إذا غابت المشاركة المجتمعية والحوار مع النقابات، إلى أدوات لتقليص الحقوق النقابية وإضعاف الخدمة العامة.
ومن هنا، فإن الدفاع عن القطاع العام لا يعني الدفاع عن البيروقراطية أو رفض الإصلاح، بل الدفاع عن إصلاح يشارك فيه العاملون أنفسهم، ويوازن بين الكفاءة والعدالة الاجتماعية.

الخدمة العامة ليست شركة خاصة
لقد لخّصت النقابة الوطنية لموظفي الخزانة (NTEU) جوهر المشكلة بوضوح، عندما أكدت أن DOGE أُديرت من قبل أشخاص يفتقرون إلى الخبرة الحقيقية في إدارة الجهاز الحكومي، وتعاملوا مع الدولة كما لو كانت شركة تكنولوجية ناشئة يمكن “تعطيلها” من دون عواقب، ومن دون التشاور مع الموظفين أو نقاباتهم.
وهذا يعني أن ترامب وماسك لم يخوضا معركة ضد “الهدر” فحسب، بل ضد فكرة الخدمة العامة نفسها: الموظف المهني، والنقابة، والاستقرار الوظيفي، واستقلالية المؤسسات. ولذلك، فإن برنامج “الاستقالة المؤجلة” وخفض الوظائف لم يكونا مجرد إجراءات مالية، بل أدوات لإعادة تشكيل ميزان القوة داخل الدولة لصالح السلطة السياسية ورأس المال التكنولوجي.
وقد تزامنت تجربة DOGE مع هجمات أخرى على الحركة النقابية. ففي حزيران/يونيو 2026، رفع الاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية (AFL-CIO) دعوى قضائية ضد إدارة ترامب بسبب قاعدة جديدة لوزارة العمل تتعلق بتوسيع متطلبات الإفصاح المالي على النقابات، معتبرة أنها تستهدف استنزاف موارد النقابات وإشغالها بالأعباء الإدارية بدلاً من تنظيم العمال والدفاع عن حقوقهم. كما أدانت أمراً تنفيذياً يسمح باستبدال آلاف الموظفين المهنيين بموالين سياسيين، واعتبرته تهديداً مباشراً لاستقلال الخدمة العامة.

إذن… هل نجح ترامب وماسك؟
إذا كان معيار النجاح هو بث الخوف داخل المؤسسات، وإخراج أعداد كبيرة من الموظفين، وإضعاف بعض الوكالات، فقد حققا نجاحاً جزئياً. فقد تركت DOGE آثاراً ملموسة في الجهاز الحكومي، ودفعت آلاف العمال إلى مغادرة وظائفهم، وخلقت حالة من عدم الاستقرار في علاقات العمل داخل القطاع العام.
أما إذا كان معيار النجاح هو بناء حكومة أكثر كفاءة، وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، وتحقيق الوفورات الكبرى التي وُعد بها الرأي العام، فإن التجربة تبدو أقرب إلى الفشل. فقد جاءت الوفورات أقل بكثير من الوعود، ولم تتحسن الخدمات، بينما تراجعت الثقة بمؤسسات الدولة. كما أن غياب تقرير ختامي رسمي يعكس ضعفاً في القدرة على الدفاع عن نتائج المشروع.
والأهم من ذلك أن الحركة النقابية لم تُهزم. فقد تحولت اتحادات مثل AFL-CIO وNTEU وAFGE وغيرها إلى جبهة مقاومة سياسية وقضائية وإعلامية. وفي عدد من الملفات، نجحت النقابات في تعطيل أو إبطاء قرارات الإدارة، ومن ذلك الحكم القضائي الذي أوقف محاولة نقل الإشراف على انتخابات نقابات الموظفين الفيدراليين إلى هيئة سياسية مركزية، إثر دعوى رفعتها عدة نقابات، من بينها AFL-CIO وAFGE.

الخلاصة
أراد ترامب وماسك أن يقدما DOGE بوصفها هدية لأمريكا في عيدها الـ250، لكن الهدية التي وصلت إلى العمال كانت مختلفة: وظائف مهددة، وحقوق جماعية مستهدفة، ومؤسسات عامة أضعف.
أما الدرس الأهم للحركة النقابية، فهو أن الدفاع عن القطاع العام ليس قضية فئوية، بل هو دفاع عن الديمقراطية، والخدمات العامة، وحق المجتمع في دولة تعمل لصالح المواطنين، لا لصالح أصحاب المليارات.
وربما انتهت DOGE كهيئة مؤقتة، لكن الأسئلة التي أثارتها ستظل مطروحة في مختلف أنحاء العالم: هل يمكن إصلاح الدولة بإقصاء العاملين فيها؟ وهل تتحقق الكفاءة بإضعاف النقابات؟ أم أن التجربة الأمريكية أثبتت أن الدولة القوية لا تُبنى على الخوف والتسريح الجماعي، بل على الاستثمار في الإنسان، واحترام الحوار الاجتماعي، وضمان حقوق العاملين باعتبارهم شركاء في الإصلاح، لا عقبة في طريقه.