تفجير الفور سيزنس في دمشق: قراءة في رسائل القوة وصراع الاستخبارات


احمد صالح سلوم
2026 / 7 / 7 - 13:36     

تفجير الفور سيزنس في دمشق: قراءة في رسائل القوة وصراع الاستخبارات وتحوّلات الدولة السورية بعد 2024



ملخص البحث

قدّم هذا البحث قراءة تحليلية معمّقة للتفجير الذي وقع قرب فندق الفور سيزنس في دمشق يوم الثلاثاء 7 يوليو/تموز 2026، بالتزامن مع الزيارة التاريخية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العاصمة السورية. يقع التفجير في سياق تحوّلات بنيوية عميقة في المشهد الأمني والسياسي السوري بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.

يقارن البحث بين هذا الحدث وبين حقبة الأسدين التي كانت فيها التفجيرات في قلب العاصمة شبه مستحيلة بفضل منظومة أمنية مركزية احتكرت العنف. ثم يدرس الاحتمالات الثلاثة الأكثر تداولاً حول الجهة المنفّذة: رسالة بريطانية موجّهة للفرنسيين، تحذير تركي مزدوج، أو صراع استخباراتي داخل منطقة نفوذ بريطاني. كما يناقش البحث مستقبل سوريا في ضوء هذا الحدث، بوصفه مؤشراً على دخول دمشق مرحلة جديدة من تعدد اللاعبين وتداخل خطوط النفوذ، حيث لم يعد احتكار العنف حكراً على الدولة بل أصبح جزءاً من لعبة إقليمية-دولية معقّدة.


دمشق التي تغيّرت… من مدينة مستحيلة التفجير إلى مدينة الرسائل المتفجرة

لم يكن التفجير الذي دوّى قرب فندق الفور سيزنس في قلب دمشق حدثاً عادياً، بل كان لحظة كاشفة عن تحوّل عميق في بنية السلطة والأمن في العاصمة السورية.

في زمن حافظ الأسد، ثم في سنوات بشار الأولى، كانت دمشق مدينة مغلقة بإحكام، محكومة بمنظومة أمنية مركزية لا تسمح بأي اختراق في المناطق الحساسة. كانت التفجيرات في قلب العاصمة استحالة سياسية وأمنية، لأن الدولة كانت تملك احتكاراً شبه مطلق للعنف، وتسيطر على كل مفاصل الحركة في المدينة. لكن دمشق ما بعد 2024 ليست دمشق الأسدين. هي مدينة تتقاطع فيها خطوط نفوذ متعددة: سلطة جديدة تحاول إعادة بناء شرعيتها، قوى إقليمية تتنافس على النفوذ، أجهزة استخبارات غربية تعمل تحت غطاء دبلوماسي أو اقتصادي، جماعات مسلحة وشبكات محلية، وشركات أمنية خاصة تمثل واجهات لقوى دولية.

جاء تفجير 7 يوليو/تموز 2026 ليؤكد هذا التحوّل. فقد انفجرت عبوات ناسفة قرب جسر الحرية في محيط فندق الفور سيزنس، حيث كان يقيم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته الأولى لدمشق منذ 17 عاماً. ورغم أن الأضرار اقتصرت على الماديات ولم تسجل إصابات, فإن دلالة الحدث تجاوزت بكثير خسائره المادية. في هذا السياق، يصبح التفجير قرب فندق يُعتبر نقطة ارتكاز للنفوذ الغربي عموماً والبريطاني خصوصاً حدثاً بنيوياً، لا مجرد حادث أمني. إنه إعلان دخول دمشق في زمن جديد: زمن الرسائل المتفجرة.



تفاصيل التفجير… المكان، التوقيت، والرمزية

أولاً: المكان: الفور سيزنس بوصفه نقطة نفوذ غربي

يقع فندق الفور سيزنس في منطقة دبلوماسية حساسة وسط دمشق، وهو يرتاده دبلوماسيون وفود غربية وشركات أمنية. منذ العام 2011، تحوّل الفندق إلى دار إقامة شبه دائمة لبعثات وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية. كما ارتبط اسم الفندق في الخطاب السياسي بكونه مقراً للنفوذ الاستخباراتي البريطاني في العاصمة.

تفجير قرب هذا الفندق لا يمكن قراءته بوصفه عملاً عشوائياً. فالموقع يتسم بحساسية قصوى، كونه يقع في منطقة فيكتوريا بريدج القريبة من جسر الحرية، وهي منطقة تشهد حركة دبلوماسية وأمنية مكثفة. إن استهداف محيط الفندق بالتحديد، في لحظة إقامة رئيس فرنسي فيه، يحمل رسالة موجّهة إلى القوى الغربية، وإلى فرنسا تحديداً.

ثانياً: التوقيت: بالتزامن مع زيارة ماكرون التاريخية

جاء التفجير في 7 يوليو/تموز 2026، وهو اليوم الثاني لزيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، التي تعد الأولى لرئيس دولة غربية كبرى منذ تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة في أواخر العام 2024. كما أنها الزيارة الأولى لرئيس فرنسي منذ زيارة نيكولا ساركوزي في العامين 2008 و2009.

التوقيت يشير بوضوح إلى أن الهدف لم يكن إيقاع ضحايا - إذ لم تسجل أي إصابات - بل إرسال رسالة سياسية محسوبة. فالتفجير وقع بعد أيام فقط من تفجير دامٍ استهدف مقهى قرب القصر العدلي في دمشق وأسفر عن 9 قتلى و22 جريحاً، مما يشير إلى تصعيد أمني متعمد في فترة حساسة. هذا الأسلوب يختلف جذرياً عن أسلوب التنظيمات الإرهابية مثل داعش، التي تعتمد عادة على عمليات كبيرة وانتحارية.

ثالثاً: طبيعة العبوة: متوسطة القوة، بلا إصابات

وفق المعلومات الأولية، كان الانفجار ناتجاً عن عبوات ناسفة, واقتصرت الأضرار على الماديات. هذا النوع من العمليات لا يتسم بالعنف المدمر الذي تمارسه الجماعات الإرهابية، بل يشبه "التحذير الأمني" أكثر مما يشبه "الهجوم الإرهابي". إنه أسلوب أجهزة، لا أسلوب جماعات. وكما لاحظ المحللون، فإن العملية حملت طابعاً استخباراتياً واضحاً، مما يوحي بتورّط جهات تملك خبرة أمنية واستخباراتية في التخطيط والتنفيذ.



تحليل الاحتمالات الثلاثة

الاحتمال الأول: رسالة بريطانية موجّهة للفرنسيين (الاحتمال الأقوى)

تاريخياً، تعتمد بريطانيا على "التحذير الأمني" لإعادة ضبط ميزان النفوذ في مناطق التنافس. منذ الإطاحة بالأسد، لعبت بريطانيا دوراً محورياً في توجيه الحكومة السورية الجديدة نحو الاعتراف الغربي. وفي مارس/آذار 2026، كشفت تقارير عن طلب تركي من المخابرات البريطانية (MI6) تكثيف حماية الرئيس السوري أحمد الشرع، مما يعكس عمق الوجود الاستخباراتي البريطاني في دمشق.

زيارة ماكرون تمثل دخول فرنسا على خط الملف السوري بقوة، وهو ما قد يزعج بريطانيا التي كانت اللاعب الغربي الأكثر حضوراً بعد 2024. تفجير قرب الفندق الذي يُعتبر منطقة نفوذ بريطاني يشير إلى رسالة مفادها: "هذه الأرض ليست لكم… والزيارة ليست مرحّباً بها دون تفاهم معنا". وقد علّق محللون على أن التفجير حمل رسائل إقليمية في ظل زيارة ماكرون المرتقبة، مما يعزز فرضية البعد الدولي في العملية.

الاحتمال الثاني: تحذير تركي موجّه للفرنسيين والبريطانيين معاً

تركيا ترى أن أي تقارب سوري-فرنسي-بريطاني يهدد نفوذها في الشمال والوسط السوري. وقد تستخدم عملية محدودة كهذه لإرسال رسالة مزدوجة: "لا تدخلوا إلى دمشق وكأنها مدينة بلا لاعبين… نحن هنا أيضاً".

غير أن هذا الاحتمال أقل قوة من الاحتمال البريطاني لعدة أسباب: أولاً، تركيا عادة تعمل عبر شبكات محلية في مناطق نفوذها التقليدية (شمال سوريا) وليس قرب الفنادق الفاخرة في وسط دمشق. ثانياً، أشارت تقارير إلى أن تركيا طلبت من MI6 تعزيز حماية الرئيس الشرع، مما يعني وجود درجة من التنسيق بين أنقرة ولندن في الملف الأمني السوري، مما يضعف فرضية قيام تركيا بعملية تستهدف إحراج البريطانيين. ثالثاً، نفت أنقرة رسمياً تقارير طلب المساعدة البريطانية، لكن النفي لا ينفي وجود قنوات اتصال.

الاحتمال الثالث: صراع استخباراتي داخل الفندق نفسه

قد تكون جهة ما أرادت إحراج البريطانيين داخل الفندق، أو ضرب اجتماع سري، أو إظهار أن الفندق ليس آمناً. لكن هذا الاحتمال يبقى أقل من الاحتمالين السابقين، لأن الصراع الاستخباراتي داخل الفنادق غالباً ما يكون غير عنيف، وتُستخدم فيه وسائل أقلّ تدميراً.

احتمال داعش؟ (ضعيف جداً)

أسلوب العملية - عبوات متوسطة القوة، لا إصابات، استهداف رمزي - لا يشبه بصمة داعش التي عادة ما تسعى إلى عمليات كبيرة ذات أثر إعلامي واسع وسقوط ضحايا. كما لم تتبنَّ أي جهة العملية حتى الآن، والتنظيم عادة ما يبادر إلى تبني عملياته. وقد خلص محللون إلى أن العملية حملت طابعاً استخباراتياً أكثر منه إرهابياً.



دراسة الاستهدافات

1. استهداف السلطة السورية الجديدة

التفجير يضعف صورة العاصمة بوصفها مدينة آمنة، ويحرج السلطة أمام المجتمع الدولي، خاصة في لحظة تستضيف فيها أول رئيس غربي. وقد أقر خبراء بوجود ثغرات أمنية في العاصمة، في وقت تواجه فيه الدولة السورية تحديات إعادة بناء الأجهزة الأمنية وفرض هيبتها بعد سنوات من الانهيار. كما أن التفجير يأتي في سياق مساعٍ حثيثة لجذب الاستثمارات وإعادة الإعمار، مما يعني أن زعزعة الاستقرار تهدف إلى إفشال هذه المساعي.

2. استهداف فرنسا

فرنسا تريد العودة إلى الملف السوري بقوة. ماكرون كان أول زعيم غربي يستقبل الشرع في الغرب (مايو/أيار 2025)، وهو الآن أول رئيس لدولة أوروبية كبرى يزور دمشق. التفجير يقول: "عودتك ليست سهلة… وهناك من يملك الأرض أكثر منك". كما أن التوقيت المتزامن مع الزيارة يهدف إلى تقويض رسالة ماكرون بأن سوريا أصبحت آمنة ومستقرة.

3. استهداف بريطانيا

إذا كان التفجير تركياً أو من جهة أخرى، فهو رسالة إلى لندن بأن نفوذها في دمشق ليس مطلقاً. بريطانيا كانت حاضرة بقوة في الملف السوري بعد 2024، واستقرار نفوذها في العاصمة قد يثير حساسية قوى إقليمية أخرى.

4. استهداف تركيا

إذا كان التفجير بريطانياً، فهو رسالة إلى أنقرة بأن لندن لن تسمح لها بالانفراد بالملف السوري. فتركيا كانت اللاعب الإقليمي الأكثر تأثيراً في المرحلة الانتقالية، وساهمت فصائلها في الإطاحة بالأسد، مما يجعلها شريكاً لا يمكن تجاهله ولكن أيضاً منافساً محتملاً.



مستقبل سوريا بعد التفجير

1. دخول دمشق في زمن تعدد اللاعبين

لم تعد العاصمة مدينة مغلقة كما كانت في زمن الأسدين. هي اليوم ساحة صراع نفوذ بين قوى دولية وإقليمية ومحلية. فالتفجير يؤكد أن دمشق أصبحت مسرحاً لصراعات لا تنحصر داخل حدودها، بل تعكس تنافسات إقليمية-دولية أوسع.

2. تعزيز الحضور الأمني الغربي

فرنسا ستطالب بتحقيقات موسعة، وبريطانيا ستعزز وجودها الاستخباراتي، وقد تظهر بعثات أمنية جديدة. كما أن الحادث قد يدفع القوى الغربية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية في العاصمة السورية. وقد أشارت تقارير إلى أن وجوداً بريطانياً مادياً في دمشق اعتُبر "بالغ الخطورة", مما قد يدفع إلى إعادة النظر في آليات العمل.

3. إعادة تشكيل التحالفات داخل دمشق

السلطة السورية الجديدة ستضطر إلى إعادة ترتيب علاقتها مع الغرب وتركيا، وضبط نفوذ القوى الأجنبية. فالرئيس الشرع يواجه تحديات أمنية متزايدة, وقد يضطر إلى الموازنة بين مطالب حلفائه الأتراك ورغبته في الانفتاح على الغرب.

4. سوريا في مرحلة إعادة رسم النفوذ

التفجير ليس حدثاً معزولاً، بل هو مؤشر على دخول سوريا مرحلة جديدة من إعادة تشكيل السلطة وتوازن القوى. فالتفجيرات التي شهدتها دمشق في يوليو/تموز 2026 - سواء تفجير المقهى قرب القصر العدلي أو تفجير الفور سيزنس - تشير إلى نمط متصاعد من العنف الموجه برسائل سياسية. وكما لاحظ المحللون، فإن المنطقة تشهد إعادة تشكيل للتحالفات والسياقات السياسية، وتسعى أطراف إلى تعطيل المسارات الجديدة المتعلقة بسوريا.



يُظهر التفجير قرب الفور سيزنس أن دمشق دخلت مرحلة جديدة من تاريخها السياسي والأمني، مرحلة تتجاور فيها السلطة مع القوى الأجنبية، وتتحرك فيها الرسائل المتفجرة فوق أرض كانت ذات يوم مغلقة بإحكام يشبه الأسطورة. ففي زمن الأسدين، كانت العاصمة محكومة بمنظومة أمنية واحدة لا تسمح بأي اختراق. أما اليوم، فدمشق أصبحت ساحة مفتوحة لتعدد اللاعبين وتداخل المصالح.

إنه حدث يكشف عن صراع نفوذ بين بريطانيا وتركيا وفرنسا، ويشير إلى أن سوريا تتجه نحو مرحلة تعددية اللاعبين، حيث لم يعد احتكار العنف حكراً على الدولة، بل أصبح جزءاً من لعبة إقليمية-دولية معقّدة. وفي هذا السياق، تبرز أسئلة جوهرية حول مستقبل الدولة السورية: هل ستتمكن السلطة الجديدة من فرض سيطرتها على العاصمة واستعادة احتكار العنف؟ أم أن دمشق ستتحول إلى ساحة تنافس دائم بين القوى الإقليمية والدولية؟ وما هو مصير المشروع الوطني السوري في ظل هذا التداخل الاستخباراتي والسياسي؟

ما يمكن الجزم به هو أن تفجير الفور سيزنس ليس نهاية القصة، بل بداية فصل جديد في تاريخ سوريا المعاصر. إنه إعلان أن دمشق لم تعد مدينة محصنة، بل أصبحت مدينة مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث تتنافس القوى على النفوذ وتتبادل الرسائل - أحياناً بالكلمات، وأحياناً بالعبوات الناسفة.

---

قائمة المصادر

· i24NEWS، "Explosions in Damascus near the hotel where French President Emmanuel Macron is staying"򟙿 يوليو/تموز 2026
· This Is Beirut، "Explosions Reported Near Hotel Hosting French President Macron in Damascus"򟙿 يوليو/تموز 2026
· Enab Baladi، "Damascus Bombing Raises Questions Over Timing"򟙽 يوليو/تموز 2026
· SCMP، "France s Macron in Syria on first post-Assad visit by a Western leader"򟙿 يوليو/تموز 2026
· France 24، "ماكرون يصل إلى دمشق في أول زيارة لرئيس غربي منذ تولي أحمد الشرع السلطة"، 6 يوليو/تموز 2026
· Strategic Culture، "His Majesty s head-chopper: Syria s MI6-backed president bows to King Charles"، 8 أبريل/نيسان 2026
· Voice of Emirates، "Intelligence alert in Damascus: Türkiye requests support from Britain s MI6 to protect President Ahmed al-Sharaa"، 6 مارس/آذار 2026

……..

المادة الساخرة :

الجنرال جياب يضحك من القبور: الاستعمار غبي لأنه لا يتعلم من تجاربه… ودمشق تثبت ذلك مرّة أخرى



حين تكون الحماقة قانوناً كونياً

في ركنٍ بعيدٍ من أرشيف المحكمة العسكرية، وقف الجنرال الفيتنامي فو نغوين جياب، ذاك الرجل الذي هزم الفرنسيين في ديان بيان فو، والأمريكيين في غابات فيتنام، وأطلق حكمته الخالدة التي ستُخلّد في موسوعة الحماقات الإستراتيجية: "إن الاستعمار غبي لأنه لا يتعلم من تجاربه". لم يكن جياب فيلسوفاً، بل كان رجلاً عملياً رأى بأم عينيه كيف يعيد المستعمرون ارتكاب الأخطاء ذاتها، وكأن التاريخ شريط سينمائي معاد، وكأنهم يحبون الصفعات على الوجه لدرجة الإدمان.

وهنا، بعد عقود من تلك المقولة، تقف دمشق – تلك المدينة التي كانت يوماً "محصنة" كقلعة من العصور الوسطى، ثم أصبحت "مدينة الرسائل المتفجرة" – لتقدّم برهاناً جديداً على حكمة جياب. ففي لحظة تاريخية، بينما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحلّ ضيفاً على دمشق، وفي اليوم الذي كان فيه البريطانيون يمسحون عرق جباههم ظناً منهم أنهم يسيطرون على المشهد، وفي الوقت الذي كانت تركيا تراقب بغضب، وأمريكا ترسل برقيات مشفّرة لا يعرفها إلا جوجل، انفجرت عبوات ناسفة قرب فندق الفور سيزنس.

"الرسالة" وصلت. والرسالة تقول: أيها السادة المستعمرون القدامى والجدد، أنتم أغبياء فعلاً، لأنكم لا تتعلمون. تعالوا نتأمّل في هذه الكوميديا الدولية بعيون ساخرة.



لندن… حين يكون الفندق مقرّاً استخباراتياً ومختبراً للفشل

لنبدأ ببريطانيا، تلك السيدة العجوز التي ما زالت تتخيل نفسها إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، بينما الشمس في الحقيقة تغرب عن كل شيء إلا عن حماقتهم. في تفجير الفور سيزنس، يرجّح "الاحتمال الأقوى" أن بريطانيا هي من نفّذت العملية، أو هي من دبّرتها، أو هي من كانت واقفة خلف الستارة تحرك الخيوط كعرائس الماريونيت، ظناً منها أنها ترسل "رسالة تحذيرية" إلى الفرنسيين: "هذه الأرض ليست لكم".

يا للهول! بريطانيا التي خرجت من سوريا منذ عام 1946، والتي هزمت في كل مكان حاولت فيه أن تترك بصمة، ها هي تعود لترسل "رسائل" بواسطة العبوات الناسفة. كأنها طفل صغير يرمي الحجارة على جاره لأن الأخير دخل حديقته. ولكن السؤال الساخر: أي حديقة؟ إنها سوريا، يا سادة، ليست حديقة خلفية لمنزلكم في لندن. لقد جربتم الاحتلال المباشر ففشلتم، وجربتم الانتداب فانهزمتم، وجربتم الاستخبارات ففضحتكم الأيام، والآن تعودون لتزرعوا عبوات ناسفة لتقولوا للفرنسيين: "ابتعدوا عن نفوذنا"؟ إنها الكوميديا ذاتها التي تقدمها مسرحيات شكسبير، ولكن مع مؤثرات صوتية.

إن الجنرال جياب يضحك الآن ضحكة تاريخية، لأنه رأى البريطانيين يفعلون ذات الشيء في مصر، والهند، وعدن، وفلسطين. في كل مرّة كانوا يظنون أنهم سيتركون بصمتهم، وفي كل مرّة كانوا يغادرون على عجل، تاركين وراءهم دماراً ورسائل فاشلة. والآن، مع تفجير الفور سيزنس، يبدو أنهم يريدون إضافة فصل جديد إلى موسوعة الحماقات: "كيف تُفشل زيارة رئيس فرنسي وتُحرج نفسك في آن واحد". أليس من الأجدر بهم أن يتعلموا من تجربة فيتنام؟ هناك أيضاً كانوا يظنون أنهم سيُرسلون رسائل بالقنابل، فإذا بصواريخ جياب تردّ عليهم بالقبضة الفولاذية.



باريس… رحلة الهزيمة التي لا تنتهي

أما الفرنسيون، فلا تغفل عنهم سخرية التاريخ. لقد جاء ماكرون إلى دمشق، وهو أول رئيس فرنسي يزورها بعد ساركوزي، متوهّماً أنه يعيد أمجاد "الانتداب الفرنسي" في سوريا. وكأنه نسي ديان بيان فو، ونسي الجزائر، ونسي فيتنام، ونسي كل الأماكن التي خرج منها الفرنسيون وهم يجرون أذيال الهزيمة. وجاء حاملًا قائمة مطالب، أو ربما حاملًا معه باقة ورد دبلوماسية، لكنه فوجئ بانفجار يقول له: "مرحباً بك في دمشق، أيها السيد الرئيس، هنا الأرض ليست لك ولا لأسلافك".

والتفجير، كما يُروى، جاء كـ"رسالة بريطانية" للفرنسيين: "لا تدخلوا دمشق وكأنها فندقكم في الريفيرا الفرنسية". وهنا نضحك مرة أخرى: بريطانيا تحذّر فرنسا من التدخل في سوريا، بينما كلاهما احتلّا البلاد في الماضي، وكلاهما خرج منها خاسراً. إنها أشبه بمشهد سيرك متكامل: الفيل الأزرق (بريطانيا) يزأر في وجه الفيل الأحمر (فرنسا) قائلاً: "هذه الساحة ليست لك"، بينما كلا الفيلين يقفان في ساحة مغلقة لا يمتلكان منها حتى تذكرة دخول. هل يتعلم الفرنسيون من تجاربهم؟ التاريخ يقول لا. أما جياب فيقول: "تعالوا إلى فيتنام مرة أخرى، وسأريكم كيف تُرد الرسائل".



تركيا… عندما تصبح رسائل التحذير كوميدية أيضاً

لا ننسَ تركيا، التي يصفها البحث بـ"الاحتمال الثاني". تركيا التي ترى في أي تقارب سوري-فرنسي-بريطاني تهديداً لنفوذها. فتأتي لتُرسل "تحذيراً مزدوجاً" عبر تفجير متقن، قائلة: "نحن هنا أيضاً". وكأنها تقول: "لا تنسونا، فنحن لعبنا دوراً أساسياً في إسقاط الأسد، ويحق لنا أن نشارك في اقتسام الغنائم".

لكن السخرية هنا مضاعفة: تركيا التي كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية التي احتلت سوريا لأربعة قرون، والتي خرجت منها وهي تئن تحت وطأة الهزيمة في الحرب العالمية الأولى، تعود اليوم لترسل رسائل بالقنابل لتُذكّر الجميع بأنها ما زالت حاضرة. أليست هذه هي العقلية الاستعمارية ذاتها التي تحدّث عنها جياب؟ أليس الاستعمار غبياً لأنه لا يتعلم من تجاربه؟ تركيا اليوم تفعل ما كانت تفعله إنجلترا وفرنسا بالأمس، أي أن تحاول فرض نفوذها على بلد عربي، متناسية أن كل المحاولات السابقة باءت بالفشل. أما جياب، فيقول من قبره: "يا أتراك، تذكّروا حصار فيينا، تذكّروا البلقان، تذكّروا فلسطين، ثم اسألوا أنفسكم: هل هذه المرة ستكون مختلفة؟" الإجابة: كلا، لأن الغباء الاستعماري لا يتعلم.



أمريكا… غائبة ولكنها ليست بعيدة

لا ننسى أمريكا، التي تخفيها الأوراق البحثية في الهامش، ولكنها حاضرة كالظل. أمريكا التي هُزمت في فيتنام على يد جياب، والتي هُزمت في العراق وأفغانستان، والتي تعلّمت – نظرياً على الأقل – أن الاحتلال المباشر ليس مجدياً. ولكن هل تخلّت عن عقلية الاستعمار؟ كلا، فهي ترسل برقيات وتدعم وكلاء وتزوّد استخبارات، ومن خلف الستار تُحرّك الدمى. وربما كانت هي الضامن الخفي لكل هذه الرسائل المتفجرة.

تخيّلوا الجنرال جياب لو كان حياً اليوم: كان سيصفّق لهذا المشهد الاستعماري المتكامل، حيث تجتمع أربع قوى استعمارية (بريطانيا، فرنسا، تركيا، أمريكا) على أرض دمشق، وكأنها اجتماع لنادي الخاسرين التاريخي. كلّ واحد منهم يحاول أن يثبت وجوده عبر عبوات ناسفة، وكأنهم يتنافسون في مسابقة "من يفشل بطريقة أكثر إبداعاً". أمريكا التي كانت تملأ الشاشات بقنابلها الذكية، ها هي اليوم ترسل رسائل غبية عبر عملائها.



دمشق… ضحكة القدر الأخيرة

وتبقى دمشق، تلك المدينة التي كانت "مستحيلة التفجير" في زمن الأسدين، ثم أصبحت "مدينة الرسائل المتفجرة" بعد 2024. دمشق التي كانت يوماً عاصمة الخلافة الأموية، ثم عاصمة للانتداب الفرنسي، ثم عاصمة للصراعات الاستخباراتية. واليوم، وبعد كل هذه القرون، هي ساحة لهذه القوى التي تتخبط في ظلام التجارب الفاشلة.

لكن السخرية الأعظم هي أن هذه القوى – البريطانية والفرنسية والتركية والأمريكية – تظن أن تفجيراً صغيراً قرب فندق سيرسل رسالة سياسية. وكأن التاريخ ليس مليئاً بالرسائل التي أرسلوها بالفعل، ولم يقرأها أحد. إنهم مثل الجنرالات الذين يخسرون الحرب ثم يعيدون نفس التكتيكات، متوقعين نتائج مختلفة – وهذا تعريف العبقرية في نظر أينشتاين، وتعريف الغباء في نظر جياب.

إن الجنرال جياب، الذي هزم جيوشاً أربعاً على أرض فيتنام، ها هو يضحك اليوم من عليائه، ويشير بإصبعه إلى شاشة التاريخ قائلاً: "انظروا، إنهم يفعلونها مجدداً. لقد قالوا لي إن الاستعمار انتهى، ولكن ها هم يعودون. إنجلترا في فندق، وفرنسا في زيارة، وتركيا في رسالة، وأمريكا في الخلفية. كلهم يحاولون إعادة رسم خريطة النفوذ بدماء الآخرين، ولكنهم ينسون أن الدماء التي أراقوها سابقاً هي التي دفنت أحلامهم."



جياب يكتب الوصية الأخيرة للاستعماريين

عزيزي المستعمر (البريطاني، الفرنسي، التركي، الأمريكي)، لقد قرأنا تاريخك، وشاهدنا هزائمك، وضحكنا مع جنرال جياب على غبائك الذي لا يتعلّم. كل مرة تخرج فيها من منطقة، تعود إليها بعد سنوات، ظاناً أنك ستُصلح ما أفسدته، أو ستُكمّل ما بدأته، أو ستُرسل رسالة. والنتيجة واحدة: فشل ذريع، وهزيمة نكراء، ودمار تخلّفه، ورسائل لا يقرؤها أحد.

تفجير الفور سيزنس في دمشق ليس مجرد حادث أمني، إنه مسرحية كوميدية متكاملة، بطولتها أنتم، وإخراجها التاريخ، ونصها جياب الذي يهمس في آذانكم: "أيها السادة، الاستعمار غبي لأنه لا يتعلم من تجاربه. وأنتم – يا للعجب – أثبتّم ذلك مرة بعد مرة. فهل يكفي أن تفجروا فندقاً لتقولوا لنا إنكم ما زلتم أغبياء؟ بالطبع لا، لأن الغباء الاستعماري لا يشبع. ولكن دمشق كانت وستبقى مدينة لا تهاب الرسائل، ولا تخاف من العبوات، ولا تنظّر لكم أيها السادة. تاريخها أطول من كل رسائلكم، وذاكرتها أقوى من كل عبواتكم، وجنرالاتها أمثال جياب يضحكون عليكم من أعلى قمم التاريخ."

وفي النهاية، لن يبقى إلا حكمة جياب، وبعض الحطام قرب الفور سيزنس، وصورة ماكرون وهو يبتسم ابتسامة مصرية أثناء إقلاع طائرته، وهو يفكر: "هل كان يجب أن أقرأ تاريخ ديان بيان فو قبل المجيء؟" والجواب: نعم، لأن التاريخ يعيد نفسه، والاستعمار لا يتعلّم.

والسلام على دمشق التي تبقى، والقوى الاستعمارية التي ترحل… أو تحاول الرحيل بعد أن تترك رسائلها المتفجرة كآخر صرخات الغباء التاريخي.