تأملات في اللاعنف
محمود الصباغ
2026 / 7 / 4 - 22:11
لعله من جائز القول النظر إلى اللاعنف كممارسة، اشتراط السياق في هذه الممارسة، طبعاً فهي -أي الممارسة- لا تعبر عن قيمة معلقة في الهواء، وإلا بدت ممارسة يراد لها أن تبقى عائمة. وحين يتحول اللاعنف إلى وصفة أخلاقية جاهزة تهبط علينا من الأعلى، سيتحول، بلا شك، إلى أداة ضبط اكثر منه أداة تحرر ، وهنا يتحول الوعظ باللاعنف إلى نوع من العنف... عنف مقنع ، وعنف لغوي ورمزي ... لكنه عنف فعّال على أي حال.
في التجربة السورية، على سبيل المثال، نادى الكثير من "الناشطين" إلى التنبيه لحدود العسكرة "غير المحسوبة"، وكانت هذه الدعوة صحيحة في ظاهرها، ولكن [دائما هناك "ولكن] جوهر الإشكالية ليس هنا، أي في المحتوى، المشكلة تكمن في موضع الكلام. فالحديث عن الاستدراج وتبديد الطاقات الكفاحية وموازين القوى، يظل مشروعاً حين يصدر عن جماعة تخوض الصراع فعلاً وتدفع ثمنه يومياً، وعكس ذلك يصبح خطاب إدارة الصراع دون الانخراط فيه. وما نحتاجه يتطلب إعادة تعريف الصراع، والعودة إلى أبجديات العمل الثوري بوصفه فعلاً أخلاقياً قبل أن يكون معادلة قوى.
في الحقيقة هذا ليس ترفاً فكرياً، إنما شرطاً يمنع انزلاق النقاش إلى نزعة براغماتية باردة تختزل المقاومة في سؤال حسابي: هل تنجح أم لا؟ بينما السؤال الأجدر هو: ماذا نكون ونحن نقاوم؟
من حيث المنطق العام، لا تسأل المقاومة عن الوسيلة فقط. فثمة ما هو أعمق من ذلك حين تطرح سؤال الحق: من يملك حق تعريف الوسيلة؟ ومن يقرّر متى يكون العنف متهوراً، ومتى يكون ضرورياً؟ ومن يملك ترف الدعوة إلى اللاعنف؟
وحين ننزع هذا الحق من الناس، ونعيد زرعه في لغة "خبراء" و"منصات" و "أبو العريف"، أو في خطاب "العقلانية"، أو في حياد حقوقي زائف، نكون قد أعدنا إنتاج الهيمنة، لكن بلغة أنظف. إذ ليس المطلوب الانشغال بتفنيد أطاريح بعضنا البعض بحثاً عن الثغرات والهفوات-على أهمية تأطير النقد- ما علينا فعله حقاً إعادة الصراع إلى مكانه الأصلي. وكما قال ممدوح عدوان في زمن مضى: الصراع مع إسرائيل ليس مباراة.
وهو حقاً كذلك: ليس مباراة صفرية، ولا تمريناً تكتيكياً، بل فعل تاريخي أخلاقي طويل النفس، تتبدل أشكاله، ولا يختزل في وصفة، ولا يدار من أعلى. يعزز هذا المشهد رؤيتنا للصراع وبدائله. فمقارعة الاحتلال هي -قبل كل شيء- عمل أخلاقي تتجسد فيه القيم الإنسانية عامة؟ ولو حاولنا استبدال السقف القومي بسقف اجتماعي كما كان يريد فرانز فانون؛ فنقول إن الصراع مع إسرائيل هو بحق جولة من جولات التصدي للكولونيالية العنصرية الاستعلائية. ويمكن البناء على هذا بالقول إن المقاومة أيضاً ليست تمريناً تكتيكياً، ولا فعلاً نقابياً يمكن ضبطه بلوائح وشروط مسبقة، حتى لو اتخذ فعل المقاومة هذا الشكل أو ذاك في لحظة معينة. لأن المقاومة قبل كل شيء استجابة وجودية لواقع قهري، وليس برنامج أخلاقي يسلّم للضحايا من خارج تجربتهم.
ما هو لافت فعلاً أن خطاب "المقاومة السلمية" الوعظي لا يُوجَّه إلا إلى المظلوم والمسحوق ومن يعيش تحت الاحتلال. حيث يكون مطالباً بالأخلاقية والعقلانية والتحضر. في المقابل، يمنح المحتل حقاً شبه مقدس في "الدفاع عن النفس"، وتبرر جرائمه وحروبه باسم "الدواعي الأمنية"، وكأن الأمن امتياز استعماري لا حق إنساني عام. ومن هنا يدور النقاش دائماً -في الحالة الفلسطينية-الإسرائيلية- حول "مصير إسرائيل والإسرائيليين" في مستقبل افتراضي والتغاضي عن الواقع الحقيقي الذي يتعرض فيه الفلسطينيين للمحو الوجودي التام تقريباً. ناهيك عن الهامش الواسع والرحب الذي يسمح فيه لـ "اليهودي" استحضار "مأساته" التاريخية على نحو متواصل بطريقة تصل حد التهافت والابتذال والفجاجة. ولأن طرح الأسئلة السهلة عادة ما يكون الطريقة المثلى للسيطرة على النقاش، دون فهم الواقع، فنجد في كثير من السياقات الغربية الابتعاد عن طرح السؤال لتفكيك التعقيد، وإنما يتجه التساؤل نحو ترويض هذا التعقيد، فيصاغ السؤال -أو يصنع بالأحرى- بحيث يبدو أخلاقياً وإنسانياً ومحايداً، لكنه في العمق سؤال مفلتر سلفاً. يحدّد زاوية النظر، ويقصي ما عداها. ثم يجبرك على الإجابة داخل هذا الإطار الضيق، كأن المشكلة كامنة في سلوك الضحية وليس في بنية القهر. لو عدنا بالذاكرة قليلاً سنجد أن النقاش مع الأوروبي كان يبدأ من أصعب نقطة على الضحية مثل "هل تدين العنف؟ هل تدين السابع من أكتوبر؟ هل تدين حماس؟ وماذا عن المدنيين؟ وماذا سيحدث لليهود لو قامت دولة واحد بأغلبية فلسطينية؟.... إلخ من هذه الأسئلة وأخواتها. بينما يجري عمداً استبعاد أسهل ما يمكن الأسئلة؛ من قبيل : "من يحتل الأرض؟ من يمنع العودة، من يملك سلاح الدمار؟ من يفرض الحصار؟ إلى آخر هذه الأسئلة وما يشبهها. والفخ الحقيقي أن تقنعنا هذه الأسئلة بأننا إن أجبنا جيداً، فقد أنجزنا شيئاً. بينما ما حدث فعلياً هو أننا شاركنا في إزاحة الصراع من حقل السياسة والعدالة إلى حقل الأخلاق المجردة، حيث لا يحاسب أحد، ولا يتغير شيء. لهذا، أحياناً، أكثر فعل مقاوم في النقاش ليس الإجابة، بل إعادة السؤال إلى مكانه الصحيح. ليس لأن السؤال صعب، بل لأن الواقع أُريد له أن يبدو أبسط مما هو عليه.
تكمن الخدعة في سهولة الأسئلة، وهي سهولة أخلاقية زائفة تخفي خلفها شبكة كاملة من الافتراضات المسبقة. وهكذا نجد أنفسنا دائماً في وضعية الإجبار على الإجابة عن أسئلة تخدم نهايات محددة، وفي موقع الدفاع يتطلب الشرح والتبرير والاعتذار، بينما يبقى أصل المسألة خارج الضوء. وحين تواجههم بالأسئلة التي تمس منظومة حياتهم مثل التاريخ الاستعماري ونزعة التفوق العرقي والاقتصاد السياسي للعنف وتواطؤ الدولة والقانون. يصمتون تماماً ثم يقولون Whatever! Do you condemn Hamas