مستقبل البشرية - التعاون الدولي ومواكبة التطور التكنولوجي


سامي المالح
2026 / 7 / 2 - 22:02     

عقد يوم الاربعاء 1.7.2026، في مقر الامم المتحدة مؤتمرا صحفيا أستعرض فية انتونيو غوتيريش، الامين العام للامم المتحدة، نتائج التقرير الاولي للفريق العلمي، الذي وصفه بالصدق بشأن الإمكانات الهائلة التي تنطوي عليها التكنولوجيا، عند استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل سليم، كمحرك للتنمية، وتطور التقدم العلمي في شتى المجالات مثل الصحة ومكافحة الجوع والتعليم ومعالجة التغييرات المناخية. مؤكدا في الوقت ذاته، على الاضرار والتحديات والمخاطر التي يسببها الذكاء الاصطناعي.
لقد اكد غوتيريش، او بالاحرى اعاد تأكيدات مجموعة من الباحثين والعلماء المتكررة منذ ما يقارب العقد من الزمن، بعد صدور كتاب الذكاء المتفوق للعالم نك بوستروم1؛ انه كلما تقدم الذكاء الاصطناعي في غياب ضوابط وقواعد واتفاقات وسياسات مشتركة، كلما تضائلت قدرة الحكومات والشعوب على التأثير في النتائج. ومن هذا المنطلق دعا الامين العام، كما دعا الى ذلك علماء مرموقين2، الى عدم الانتظار.
من المعروف، ان العلم متاح امام البشرية، ومن الغباء القول ان ثمة غموض وعدم معرفة وشحة في المعلومات والأدلة. فالجميع، دول وشعوب أمام مسؤولية لا تقبل التأجيل؛ التعامل الصحيح والتعاون من اجل مستقبل الانسانية.
شارك في إعداد التقرير العلمي فريق ضم 40 من العلماء والخبراء من جميع انحاء العالم (اقترحهم الامين العام في شباط 2026)، وهم رواد معنيين بالذكاء الاصطناعي بصفتهم الشخصية وبشكل مستقل عن الشركات و المؤسسات والحكومات. ولقد تناول التقرير سبعة مجالات رئيسية هي:
• علوم الذكاء الاصطناعي والتطورات والمسارات المستقبلية.
• التطبيقات المجتمعية، بما فيها العلوم والصحة والزراعة والتعليم.
• الآثار الاقتصادية.
• الأمن والانظمة والآثار البيئية.
• حقوق الانسان والمعلومات والديمقراطية.
• الازدهار الثقافي والفردي، والاستقلالية، وسلامة الأطفال.
• الإدارة والحوكمة والموثوقية.
أن ما يشدد عليه التقرير هو الدعوة الملحة على عدم الانتظار، وأهمية مواكبة التطورات السريعة جدا، والعمل الجدي والمسؤول من اجل حوكمة رشيدة، لجني الفوائد الهائلة من الذكاء الاصطناعي، وفي نفس الوقت التقليل من المخاطر وعدم الانتظار الى براهين تتاح لمعايشة المشاكل والآثار السلبية وتعاظم المخاطر.
فثمة حقيقة علمية لا بد من إقرارها: ان الذكاء الاصطناعي يتطور بوتائر سريعة جدا تعجز البراهين مواكبتها.
فالعلماء والخبراء ينبهون بإستمرار: ان التقنية والتكنولوجيا بهذه القوة، والمتطورة بوتائر غير مسبوقة، تحتاج الى نهج مغاير تماما، نهجا يقوم على التعاون والتنسيق، والفهم المشترك للحقائق، ووضع قواعد وضوابط مشتركة جماعية تضمن الاستفادة للجميع، وتتقاسم السلطة والمسؤولية العالمية لحوكمة رشيدة مناسبة وفعالة.
وربما يجدر هنا، التكرار: ان المخاطر التي تصاحب تطور الذكاء الاصطناعي ليست وهما، وليست تكهنات فحسب، وان وضع الجداول الزمنية للتحرك والعمل والتعاون والاتفاق لا تقبل التأجيل والانتظار. فاليوم يعيش العالم، فعليا، قسم منها:
• انتهاكات عبر الانترنت (اساءة جنسية واستغلال اجرامي ضد الطفولة والعنصرية والاثارة المبتذلة).
• المعلومات المضللة والمزيفة والمفبركة.
• الجرائم الالكترونية وعمليات الخداع والاحتيال.
• تدهور الصحة النفسية وفق الكثير من التقارير العالمية.
• فقدان السيطرة ( في الادارة والمراقبة والنقص في الضمانات).
• الآثار البيئية من خلال استهلاك الطاقة الهائلة وما تضيفه على اسباب التغيير المناخي والحراري.
• توسع الفجوة التكنولوجية بين الدول الغنية والفقيرة والغنية، واستغلال الايدي العاملة في صناعة الذكاء الاصطناعي ونشره واستخداماته.
يوشوا بنجيو، عالم الحاسوب الكندي من اصل مغربي، احد المشاركين في إعداد التقرير، أكد على:
"أن هدفهم ليس مجرد تقديم توصيات بشأن الذكاء الاصطناعي، بل ضمان أن تستند القرارات السياسية على معايير النزاهة العلمية، بغض النظر عن الضغوط والتفصيلات الخارجية. وأستطرد قائلا؛ القرارات التي نتخذها اليوم بشأن الذكاء الاصطناعي ستكون لها عواقب بعيدة المدى على الافراد والشركات والمؤسسات والديمقراطية، وربما ما هو ابعد من ذلك".
وفي نفس السياق، نبهت المشاركة، ماريا ريسا، الصحافية والمؤلفة الفليبينية الامريكية الحائزة على جائزة نوبل للسلام: "ان وتيرة الذكاء الاصطناعي لا تتباطأ، والتحكم فيه يظل في قبضة حفنة من الشركات، كما ان السيطرة عليه ليست مضمونة". وعن التحكم في الانظمة الحوسبية المخصصة للذكاء الاصطناعي، والتي تستحوذ الولايات المتحدة الامريكية على 75% منها، اكدت ريسا؛ "لا يستطيع أي خبير اليوم أن يضمن لك ا، الانظمة الأكثر تطورا ستفعل ما تأمرها به".
ولاهمية الموضوعات التي يتناولها التقرير وما تعنيه لمستقبل البشرية، وما يطرحه العلماء والخبراء من أفكار ومقترحات عل الحكومات واالشعوب والشركات والمؤسسات، تقرر عرض نتاج التقرير العلمي خلال ما اطلق عليه: الحوار العالمي للامم المتحدة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي.
استنتاجات مهمة:
أن ما لا يقبل الجدل اليوم هو ان الذكاء الاصطناعي هو احد أكثر التقنيات قدرة على إحداث تحول جذري في حياة البشرية.
• الذكاء الاصطناعي ليس خيرا او شرا بحد ذاته، إنما اثره النهائي مرتبط بالانسان، متوقف على القرارات التي تتخذها الشركات والحومات والمجتمعات.
• الذكاء الاصطناعي يحتاج الى تنظيم، الى ضوابط واتفاقات مشتركة عالميا.
• الكثير من البلدان تحتاج الى هيكلية دولية جديدة تساعدها على اتخاذ القرارات المستنيرة بشأن استخامات وتطوير الذكاء الاصطناعي.
• الحوار العالمي الذي ترعاه الامم المتحدة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي امر هام جدا ومصيري، لابد من مواصلته وإستكماله للخروج بنتائج وقرارات ملموسة.
1 صدر كتاب الفيلسوف السويدي مديرمعهد مستقبل البشرية نك بوستروم (Superintelligence: Paths, Dangers, Strategies) عام 2014، وهو في سياق مؤلفاته عن التطور التكنولوجي و والمخاطر الوجودية ومستقبل البشرية.
2 منهم: جيفري هينتون، ستيوارت راسل، رومان يامبولسكي ويوشوا بينجو وآخرون.