التطهير العرقي 3.0: كيف أصبحت إسرائيل دولة الترحيل


جدعون ليفي
2026 / 6 / 25 - 15:45     

يجري إفراغ حي سلوان في القدس من سكانه. فبذرائع غريبة ومجحفة، تُطرد عائلات من المنازل التي عاشت فيها لعقود طويلة. وفي قطاع غزة، يُحشر مئات الآلاف من النازحين في مخيمات لجوء غير صالحة للحياة. وكثير منهم لن يعودوا أبدا إلى منازلهم التي لم يعد لها وجود. وفي الوقت نفسه، دعا رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي إلى عقد اجتماع طارئ لبحث "تشجيع الهجرة الطوعية" لسكان غزة.
إن مؤسسة "هيمانوتا"، ومنظمة "إلعاد"، والصندوق القومي اليهودي، ومجلس الأمن القومي، والجيش الإسرائيلي، وجمعية الدفن السفاردية، والإدارة المدنية الإسرائيلية، جميعها هيئات حكومية أو منظمات غير ربحية تعمل لتحقيق هدف واحد: التطهير العرقي 3.0.
فبعد عمليتي التطهير اللتين اعتبرهما ناجحتين عامي 1948 و1967، وصلت الآن المرحلة التالية من المشروع الصهيوني الذي يشكل، بحسب الكاتب، الأساس الذي قامت عليه الدولة اليهودية. وكل شيء يسير وفق خطة مرحلية مرسومة.
شهدت الأيام الأخيرة سلسلة من الأحداث التي بدت، للوهلة الأولى، وكأنها عفوية. وما يبدو ظاهريا أنه حالة من الفوضى التي يثيرها المستوطنون المشاغبون ــ المتطرفون الساعون للانتقام من هجوم السابع من أكتوبر ــ يخدم في الحقيقة هدفاً أكبر.
فاليمين الإسرائيلي يمتلك خطة منظمة واستراتيجية واضحة، ويعمل بلا كلل على تنفيذها. أما اليسار، فقد ضل طريقه، وغرق في شعارات جوفاء، وأصبح شبه مشلول منذ اغتيال إسحاق رابين، بينما يواصل اليمين تشكيل واقع لا رجعة فيه.
لقد أصبحت إسرائيل دولة تقوم على الترحيل القسري للسكان، وأصبح التطهير العرقي أحد أعمدة سياستها المركزية. وهذا التطهير يتخذ أسماءا ووجوها متعددة, فهو يكون أحيانا صريحا ومعلنا، وأحيانا أخرى خفيا ومقنعا، لكنه يتحول تدريجيا إلى ظاهرة تاريخية تجري على قدم وساق بعيدا عن أنظار الجميع.
وبعد نشوء نظام الفصل العنصري، الذي يرى الكاتب أنه لم يكن الهدف النهائي للصهيونية أو للدولة، جاءت مرحلة الترحيل، وهي الهدف الذي أُقيم نظام الفصل العنصري من أجله في المقام الأول.
وعليه، فإن إسرائيل ــ بحسب الكاتب ــ ليست مجرد دولة فصل عنصري، بل أصبحت شيئا أسوأ من ذلك, إنها دولة ترحيل. ففي جنوب أفريقيا لم يكن نظام الفصل العنصري يهدف إلى إفراغ البلاد من سكانها الأصليين، بينما يسعى نظام الفصل العنصري الإسرائيلي إلى ذلك.
خلال الأشهر الماضية، كرست معظم مقالاتي تقريبا للحديث عن عنف المستوطنين في الضفة الغربية. أسبوعا بعد آخر، وقرية بعد أخرى، وعائلة بعد أخرى، يبذل الفلسطينيون كل ما في وسعهم للبقاء في بيوتهم وعلى أراضيهم، إلى أن يصلوا في النهاية إلى الاستسلام.
فمن التجمعات الرعوية التي تعيش كما عاش أجدادنا في الكهوف دون أن تؤذي أحدا، إلى المصرفيين الأثرياء الذين يغادرون فللهم في القرى الميسورة، الجميع يعيشون في خوف، ويُجبرون في النهاية على ترك منازلهم.
قرية تلو الأخرى تُهجر، وعائلة بعد أخرى ترفع الراية البيضاء. يرددون شعار "الصمود إلى الأبد"، لكن بعد بضعة أشهر ينتهي الصمود، ولا يبقى من البيت سوى الأنقاض. إنهم عاجزون، بلا حماية ولا وسائل للدفاع عن أنفسهم، فلا يجدون خيارا سوى الرحيل، بينما تُطهر الأرض تدريجيا من سكانها.
أما "حكومة التغيير"، فلن تستطيع تغيير الكثير. فالحقائق قد رُسمت بالفعل "على الأرض". وربما لا يتجاوز عدد العائلات التي هُجرت حتى الآن ــ إذا استُثنيت غزة وجنوب لبنان ــ بضع عائلات فقط، وربما لا يزال أمام المشروع الكثير ليكتمل، لكن الاتجاه واضح، والطابع المنهجي لهذه العملية يبعث على الرعب.
لقد بدأوا بالفئات الأكثر ضعفا: التجمعات الرعوية وسكان القدس الشرقية، الذين لا يجدون أي إنصاف لدى جهاز قضائي إسرائيلي يقوم، في جوهره، على الفصل العنصري. وهكذا تتقدم حملة التهجير بسرعة ومن دون أي عوائق.
إن عمليات الطرد في غزة، وما يجري في سلوان، يجمعهما رابط واضح،
يتمثل في رؤية تعتبر أن هذه الأرض لا تتسع إلا لشعب واحد: إما نحن أو هم.
ويرى الكاتب أن هذه النظرة يتبناها على ما يبدو غالبية الإسرائيليين، حتى أولئك الذين يشعرون بالضيق وهم يشاهدون ما يحدث من مقاعدهم الوثيرة، وهو ما لا يحظى، في أفضل الأحوال، إلا بنزر يسير من التغطية في وسائل الإعلام الإسرائيلية.
اعلموا أنه بينما كنتم نياما، كان شعبٌ يُجرد من أرضه، خطوة بعد خطوة.