دونالد ترامب حقق حلمي, الا وهو أن تدفع إسرائيل ثمن أفعالها
جدعون ليفي
2026 / 6 / 23 - 15:40
أحيانا تتحقق الأحلام بالفعل.
لسنوات طويلة، كنت، مع عدد قليل من "الديناصورات" مثلي، نحلم بفرض ضغوط دولية وعقوبات باعتبارها المخرج الأخير من هذا المأزق. كنت أعلم أن الإسرائيليين لن يستيقظوا ذات صباح ليقولوا: لنضع حدا لكل هذا, للاحتلال، وللفصل العنصري، ولسيطرة شعب على شعب آخر، لأنه أمر قبيح.
كنت أعلم أن ذلك لن يحدث ببساطة.
وكنت أعتقد أن ما نجح بصورة مذهلة في إسقاط نظام الفصل العنصري الأول في جنوب أفريقيا ــ من عقوبات، وعزلة دولية، ومقاطعات ــ يمكن أن ينجح أيضا مع نظام الفصل العنصري الثاني، الذي تمارسه إسرائيل.
وكنت أعلم كذلك أن مفتاح أي تغيير في موقف المجتمع الدولي تجاه إسرائيل يوجد في واشنطن. فمن دون الولايات المتحدة لن يكون هناك ضغط دولي فعال على إسرائيل.
كنت أحلم برئيس أمريكي مستنير وشجاع، مثل باراك أوباما، يضع حدا للعلاقة الفاسدة والمشوهة بين بلاده وإسرائيل.
كنت أحلم باللحظة التي سيُجبر فيها الإسرائيليون على الاعتراف بأنه لم يعد ممكنا الاستمرار بهذه الطريقة, بهذا القدر من الغطرسة تجاه الولايات المتحدة، وبهذا الاستخفاف الفاضح بالعالم بأسره، من دون دفع ثمن.
لقد بدأت تلك اللحظة تلوح في الأفق الآن.
ليس رئيسا ليبراليا، بل أكثر الرؤساء الأمريكيين رجعية، هو الذي يعظ إسرائيل اليوم بالأخلاق، وكأنه رينيه كاسان، الفقيه الفرنسي اليهودي وأحد واضعي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
أما نائب الرئيس، وهو أكثر محافظة من الرئيس نفسه، فقد أطلق تحذيرات غير مسبوقة.
وملاحظاته بديهية ومنطقية:
ليس من الضروري تسوية مبنى كامل بالأرض لمجرد احتمال وجود عنصر من حزب الله داخله.
وليس من الحكمة مهاجمة رئيس الولايات المتحدة، الذي أصبح آخر صديق لإسرائيل في العالم.
وسوريا ستكون أقدر من إسرائيل على إدارة الوضع في لبنان.
كما أن ثلثي الأسلحة والذخائر التي تحمي إسرائيل تصنع في الولايات المتحدة وتمول بأموالها.
إنه صوت العقل القادم من واشنطن.
ومن المنطقي الافتراض أن هذه الكلمات القاسية لن تبقى مجرد تصريحات، بل ستتبعها أفعال.
فإدارة تتمحور إلى هذا الحد حول هيبتها وكرامتها لن تمسح البصقة عن وجهها ثم تدعي أن ما سقط كان مجرد مطر.
ومع الشعور بالمرارة ــ سواء كان مبررا أم لا ــ بسبب دفع إسرائيل القوة العظمى إلى حرب فاشلة، سيشرق فجر جديد في العلاقات بين البلدين, لكنه سيكون صباحا باردا وغائما.
ولن تغير الانتخابات الأمريكية المقبلة هذا الواقع.
فلن يعود في البيت الأبيض "صديق لإسرائيل" يعتقد أنه ينبغي منحها كل شيء، ومن دون أي شروط.
لا يمكن للمرء أن يفرح بهذا الأمر.
فمن جهة، تمثل هذه اللحظة الفرصة الأخيرة للتصحيح.
ومن جهة أخرى، فهي ضربة قاسية لإسرائيل وللإسرائيليين.
إن الخطر الأكبر الذي يواجه الدولة، وهو أخطر من أي تهديد إيراني، يتشكل أمام أعيننا المذهولة.
وعندما تعطي واشنطن الإشارة، ستنضم أوروبا بحماس أيضا.
إنها لا تنتظر سوى الضوء الأخضر.
ومن الصعب تخيل كيف ستتمكن إسرائيل من الاستغناء عن العالم.
فالعالم سينظر إليها بالكراهية، كما نظر إلى الدول المنبوذة الأخرى.
سيكون ذلك مخيفا ومؤلما.
لكنه أملنا الأخير.
ولهذا ينبغي أن نكون ممتنين للرئيس دونالد ترامب، لأنه استبدل الكلمات الجوفاء عديمة الجدوى التي كان يرددها جميع أسلافه الليبراليين، بتحول ثوري في السياسة.
لا مزيد من المساعدات المجنونة وغير المشروطة.
بل شروط ترفق بكل دولار وبكل صاروخ.
إما أن تحسنوا السلوك، أو تدفعوا الثمن.
لم يعد بإمكانكم أن تفعلوا ما تشاؤون:
تغتالوا،
وتسيئوا،
وتنتهكوا سيادة الدول،
وتخرقوا القانون الدولي،
من دون عقاب.
وفي مثل هذا المناخ، لن تعود إسرائيل قادرة على الاستهزاء بالمجتمع الدولي، الذي لا توجد قضية توحده أكثر من معارضة الاحتلال.
وسواء أرادت أم لم ترد، ستضطر إسرائيل إلى أخذ ذلك في الحسبان.
وقد بدأت الشقوق الأولى تظهر بالفعل، وبقوة.
فقد أُبرمت صفقة مع إيران مع تجاهل إسرائيل بالكامل، وهي الدولة التي أمضت سنوات تتجاهل الولايات المتحدة والعالم أجمع.
وهذه ليست سوى البداية.
فالعالم الذي صُدم مما فعلته إسرائيل في قطاع غزة سيطالب بالمحاسبة.
ولم يعد من الممكن لدولة تُتهم بارتكاب إبادة جماعية أن تبقى المدللة لدى العالم الغربي.
كما أن دولة ينفذ مواطنوها مذابح جماعية بحق الآخرين بصورة يومية، وبالتعاون مع جيشها، لن تبقى جزءا من أسرة الأمم.
لقد بدأ الحلم يتحقق.
لكنه سيكون كابوسا.