وجدت شوكة في المطبخ: الإرهاب اليهودي، أو الاحتلال، أو أيا كان الاسم الذي تريدون إطلاقه عليه: ستون عاما من إنكار جرائم الحرب الإسرائيلية لن تنتهي بين ليلة وضحاها.
جدعون ليفي
2026 / 6 / 15 - 07:14
يسرني التعرّف إليكم، اسمي الإرهاب اليهودي. أنا جديد في عالمكم وعلى شاشاتكم، لكنني موجود في هذا الحي منذ سنوات طويلة. بعد الخلاص الذي جاء به السابع من أكتوبر، قررت أن أرفع رأسي، وأنتم قررتم أنه لم يعد بإمكانكم تجاهلي. فجأةً تعرفتم علي. فجأةً أصبحت موجودا بينكم. حسنا، للعلم فقط، فإن الذين يعرفونني جيدا يطلقون عليّ اسم الاحتلال. يمكنكم أن تسموني بذلك أيضا، حتى لو كان الأمر صعبا عليكم.
ستقولون: وما علاقة الاحتلال الآن، وفي هذا التوقيت بالذات؟ لا بأس، سموه "الإرهاب اليهودي". ففي النهاية، أنتم تعرفون كيف تكذبون على أنفسكم، وقد اعتدتم العيش في حالة إنكار.
ببطء شديد، وبحذر يشبه حذر القنفذ أثناء التزاوج، بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية المنتمية إلى الوسط السياسي تُظهر اهتماما خجولا ومتناميا بالواقع. صحيح أن برامج "التحقيقات الاستقصائية" الليبرالية على شاشات التلفزيون ما زالت غارقة حتى أذنيها في أحداث السابع من أكتوبر. وبالفعل، ما الذي يستحق التحقيق أصلا في الاحتلال؟
في برنامج «عوفدا» لإيلانا ديان، وفي برنامج «هاماكور» لرافيڤ دروكر، ما زالت "ثاني أعظم كارثة يهودية بعد المحرقة" تشكل محور الوجود كله للصحافة الاستقصائية، مع أكبر قدر ممكن من الدموع وإظهار الشجاعة. لكن برنامج "زمن حقيقي" على هيئة البث العامة "كان" عرض فجأة تقريرا حقيقيا عن الميليشيات المنفلتة المعروفة باسم "وحدات الدفاع الإقليمي".
كما بدأت نشرات الأخبار ووسائل الإعلام المطبوعة تُظهر مؤشرات واعدة. فبعد أن أطلق جندي متعطش للإثارة النار على رضيع وقتله بينما كان مستلقيا في حضن أمه، أمكن ملاحظة بعض الارتعاشات في الإعلام. كذلك بدأت الاعتداءات اليومية الشبيهة بالمذابح في الضفة الغربية تجد صدىً لها في ما نطلق عليه نشرات الأخبار الليلية والصحف، التي لا تمتلئ في الواقع إلا ببرامج رخيصة هدفها غسل الأدمغة عند الطلب.
بعد عقود من الإنكار والإخفاء، بدأ الواقع يتسلل من خلف برامج الترفيه والواقع. لم يكن طفل الخليل يستحق بعدُ الصفحة الأولى في
"يسرائيل هيوم" أو عنوانا رئيسيا في "يديعوت أحرونوت", فهو في النهاية "إرهابي"، أو على الأقل ابن إرهابي. لكن في اليوم الأخير من حياته القصيرة، نجح سام فهد أبو هيكل، البالغ من العمر سبعة أشهر، في أن يشق طريقه للحظة وجيزة إلى وعي الإسرائيليين.
لقد نجح فيما فشل فيه ألف رضيع قتيل في غزة من قبله. وعلى عكسهم، كان لسام وجه، وأم وأب يعملان محاضرين جامعيين، وحتى جدة كانت مديرة مدرسة أسطورية.
كان فهد أبو هيكل يحمل جثمان ابنه سام، البالغ من العمر سبعة أشهر، والذي قُتل بنيران الجيش الإسرائيلي يوم الجمعة، خلال جنازته يوم السبت.
وربما ستجدون إسرائيل قريبا تطلق عليهم صفة "العائلة الثكلى"، لكن الطريق إلى ذلك ما زال طويلا. أما وصفهم بـ"ضحايا الإرهاب" فهو أمر لا يمكن تصوره. والحديث عن "إرهاب ترعاه الدولة" أو "جيش احتلال" أمر لا يمكن حتى الحلم به.
ومع ذلك، فقد وصل سام إلى دائرة انتباهنا، ومعه جاء الإدراك بأن جنودا يهودا يقتلون أطفالا فلسطينيين أثناء ساعات عملهم، ثم يفرون مباشرة بعد ذلك، من دون تقديم أي إسعافات أولية.
أما الدولة والجيش فما زالا يقفان خلف هؤلاء الجنود، ولا أحد يفكر حتى في التعبير عن الأسف أو تقديم اعتذار. ولماذا يفعلان ذلك أصلا؟ ماذا حدث؟
كان كنعان أبو هيكل، الأخ غير الشقيق لسام، يحمل صورة للرضيع التُقطت قبل ساعات قليلة من مقتله.
لقد كان موسم الحروب المتسلسلة الذي أطلقه بنيامين نتنياهو قبل عامين وتسعة أشهر كفيلا بأن يهز، ولو قليلا، الذهنية الإسرائيلية المنيعة على الاختراق. فحتى أغلى ساعات «رولكس ديب سي تشالنج» ستفشل في العمل عند عمق معين تحت الماء.
أما غزة فهي بعيدة عن الأنظار، وبالتالي بعيدة عن التفكير؛ وجميع سكانها من حماس. والجيش الإسرائيلي هو «قدس الأقداس»، وجنوده هم الأكثر أخلاقية في العالم. وربما لهذا السبب تحديدا، فإن المستوطنين المقنعين، أصحاب السوالف الطويلة والقلنسوات الضخمة، قد ينجحون في إحداث بعض التشققات في الغلاف الواقي الذي يلف الإسرائيليين. وربما يصبحون هم أنفسهم عوامل التغيير التي تدفع الناس إلى مواجهة الواقع.
كم كان مريحا ذلك العمى الذي عشناه. ما لم يُنشر لم يكن موجودا. لا توجد إبادة جماعية، ولا فصل عنصري، ولا حتى احتلال. هناك فقط شعب عاد إلى أرضه المهجورة، وفلسطينيون وُلدوا من أجل القتل.
ستون عاما من الإنكار لا تنتهي بين ليلة وضحاها. لكن الأسابيع الأخيرة تُظهر أن الشقوق الأولى بدأت تتشكل. وكما هو الحال مع أي إدمان، فإن الاعتراف بالمشكلة هو المرحلة الأولى على طريق التعافي.
لا يزال هذا الاعتراف بعيدا، والتعافي أبعد منه بكثير. لكن عار ستين عاما من الخيانة والتقصير الإعلامي في إسرائيل يقترب من نهايته.
يسرني التعرف إليكم. اسمي: الاحتلال.