سلسلة بوصلة سياسية / ما بعد الديمقراطية: 6- أدوات الديمقراطية الجذرية وآليات بناء القوة الشعبية
عبد الكريم اوبجا
2026 / 6 / 12 - 10:28
لا يقتصر مشروع الديمقراطية الجذرية على النقد النظري للنيوليبرالية أو الدفاع المجرد عن المشاركة الشعبية، بل يقوم أيضاً على بناء أدوات عملية وتنظيمية تسمح بإعادة توزيع السلطة داخل المجتمع، وتمكين الفئات الشعبية من التأثير الفعلي في القرار السياسي والاقتصادي والثقافي. فالديمقراطية الجذرية ليست مجرد نموذج مؤسساتي أو تصور فلسفي للديمقراطية، بل هي ممارسة اجتماعية وسياسية يومية تهدف إلى تحويل المواطنين من متلقين سلبيين للسياسات إلى فاعلين جماعيين قادرين على التنظيم والمبادرة وصناعة القرار.
ومن هذا المنطلق، تركز الديمقراطية الجذرية على بناء ما يمكن تسميته بـ “القوة الشعبية المنظمة”، أي خلق أشكال جديدة من التنظيم والمشاركة القاعدية القادرة على مواجهة هيمنة النخب الاقتصادية والتكنوقراطية والإعلامية. وفي هذا السياق، تؤكد العديد من أدبيات التنظيم المجتمعي، خاصة مع جوان مينليت ومايكل براون ونيكولاس تيلور، على أن الديمقراطية الحقيقية لا تُبنى من الأعلى عبر النخب أو المؤسسات البيروقراطية فقط، بل تُبنى من الأسفل عبر مشاركة الناس المتضررين أنفسهم في صياغة القرارات وتنظيم النضالات الجماعية. ولذلك يركزون على مبدأ أساسي يقوم على “العمل مع الناس لا بدلهم”، أي جعل الفئات الشعبية فاعلة في التغيير، لا مجرد موضوع للسياسات العمومية أو الخطابات الإيديولوجية.
إن أحد أهم مظاهر أزمة الديمقراطية المعاصرة يتمثل في تحول المواطنين إلى مجرد أفراد معزولين أو ناخبين موسميين، بينما تظل السلطة الحقيقية محتكرة من طرف شبكات المال والنفوذ والخبراء التكنوقراطيين. ولهذا يدافع عن ضرورة إعادة بناء السياسة عبر التنظيم القاعدي، والتواصل المباشر، وإحياء الروابط الجماعية داخل الأحياء وأماكن العمل والجامعات والحركات الاجتماعية.
فالديمقراطية الجذرية، لا تبدأ داخل البرلمانات فقط، بل تبدأ من الحياة اليومية ومن قدرة الناس على التنظيم الجماعي والدفاع عن مصالحهم المشتركة. وتُعدّ التنظيمات القاعدية المحلية من أهم أدوات الديمقراطية الجذرية، لأنها تعيد ربط السياسة بالحياة اليومية للمواطنين. إنها لا تختزل المشاركة السياسية في التصويت الانتخابي الدوري، بل تسعى إلى بناء فضاءات جماعية دائمة للنقاش والتنظيم والمشاركة، من خلال اللجان الشعبية، والجمعيات المحلية، والتعاونيات، والحركات الاجتماعية، والتنسيقيات الميدانية، وأشكال التنظيم الذاتي داخل الأحياء والجامعات وأماكن العمل. وتهدف هذه التنظيمات إلى تمكين الفئات المهمشة من التعبير عن مطالبها وتنظيم قوتها الجماعية بشكل مستقل عن النخب التقليدية والأجهزة البيروقراطية.
إن التنظيم المجتمعي الفعال لا يقوم فقط على الاحتجاج أو التعبئة الظرفية، بل على بناء علاقات اجتماعية وثقة متبادلة بين الأفراد والجماعات. ولذلك يعطي أهمية كبيرة لما يسمى بـ “الاستماع المنظم”، أي الإنصات المباشر لتجارب الناس ومشكلاتهم اليومية باعتباره مدخلاً لبناء الفعل السياسي الجماعي. فالقوة الشعبية لا تُفرض من الخارج، بل تُبنى تدريجياً عبر الحوار والتواصل والمشاركة المستمرة. ومن هنا تصبح اللقاءات المحلية، والنقاشات المفتوحة، والعمل الميداني، والحملات القاعدية أدوات مركزية داخل أي مشروع ديمقراطي جذري.
ومن الأدوات الأساسية أيضاً داخل مشروع الديمقراطية الجذرية مسألة التربية السياسية وبناء الوعي النقدي. فالديمقراطية لا يمكن أن تستمر بوجود مواطنين معزولين أو خاضعين بالكامل لهيمنة الإعلام التجاري والخطاب النيوليبرالي. ولذلك تدافع الديمقراطية الجذرية عن تطوير أشكال جديدة من التكوين السياسي والثقافة النقدية والإعلام البديل والجامعات الشعبية والفضاءات الفكرية المفتوحة، بهدف بناء مواطن فاعل يمتلك القدرة على التفكير النقدي والمشاركة في النقاش العمومي وصناعة القرار الجماعي. فالمعركة الديمقراطية ليست فقط معركة مؤسسات وقوانين، بل هي أيضاً معركة وعي وثقافة ومعرفة.
إن بناء الديمقراطية الجذرية يقتضي تجاوز العلاقة العمودية التقليدية بين “القائد” و”الجماهير”، نحو أشكال أفقية من العمل الجماعي والتشارك في اتخاذ القرار. وهنا تكمن أهمية تطوير مهارات التنظيم الجماعي، والتفاوض، والتسيير التشاركي، وحل النزاعات الداخلية داخل الحركات والتنظيمات الاجتماعية، لأن الديمقراطية الجذرية لا تتعلق فقط بالأهداف النهائية، بل أيضاً بطريقة التنظيم والممارسة اليومية.
وتلعب وسائل الإعلام البديلة ومنصات التواصل الرقمي دوراً مهماً داخل استراتيجيات الديمقراطية الجذرية. فمع احتكار المؤسسات الإعلامية الكبرى من طرف شبكات المال والنفوذ، أصبحت الحركات الاجتماعية تلجأ إلى الإعلام المستقل والرقمي لبناء خطاب مضاد، وكسر الهيمنة الإعلامية التقليدية، وتنظيم الحملات والتعبئات الشعبية. وقد ظهر ذلك بوضوح في عدد من الحركات الاحتجاجية المعاصرة، مثل “السترات الصفراء” و”احتلوا وول ستريت” وبعض الحركات الشبابية والنسوية والبيئية، التي اعتمدت بشكل كبير على التنظيم الرقمي والتواصل الأفقي خارج القنوات الحزبية والإعلامية التقليدية.
كما تسعى الديمقراطية الجذرية إلى تطوير أشكال الديمقراطية التشاركية التي تسمح للمواطنين بالمشاركة المباشرة في تدبير الشأن العام، مثل الميزانية التشاركية، والمجالس المحلية المفتوحة، والاستفتاءات الشعبية، والمنتديات المدنية، والديمقراطية الرقمية. وتهدف هذه الآليات إلى تجاوز محدودية الديمقراطية التمثيلية التقليدية التي تحصر دور المواطن في التصويت الموسمي، عبر إشراكه المستمر في اتخاذ القرار ومراقبة المؤسسات العمومية. ولهذا أصبحت تجارب مثل “الميزانية التشاركية” في بورتو أليغري مرجعاً مهماً داخل النقاشات المرتبطة بالديمقراطية الجذرية والديمقراطية التشاركية.
وفي البعد الاجتماعي والسياسي، تقوم الديمقراطية الجذرية على بناء تحالفات واسعة بين مختلف الفئات المتضررة من النيوليبرالية والتهميش الاجتماعي. فحسب إرنستو لاكلو وشانتال موف، فإن “الشعب” لا يوجد بشكل جاهز أو طبيعي، بل يتم بناؤه سياسياً عبر ربط المطالب الاجتماعية المختلفة داخل مشروع جماعي مشترك. ولذلك تعمل الديمقراطية الجذرية على توحيد نضالات العمال، والشباب، والنساء، والحركات البيئية، والأقليات، والفئات المهمشة، داخل أفق ديمقراطي تحرري جامع. وهنا تصبح السياسة عملية بناء “سلسلة من المطالب” القادرة على إنتاج إرادة جماعية مشتركة تواجه هيمنة النخب الاقتصادية والسياسية.
ومن القضايا المركزية داخل أدوات الديمقراطية الجذرية أيضاً مسألة الاقتصاد التضامني والتعاونيات المحلية، باعتبارها محاولات لبناء أشكال بديلة للإنتاج والتوزيع خارج منطق السوق الرأسمالي الخالص. فالتعاونيات، والمشاريع المجتمعية، والاقتصاد الاجتماعي، والمبادرات المحلية التشاركية، تمثل بالنسبة للكثير من منظري الديمقراطية الجذرية أدوات لإعادة بناء الروابط الاجتماعية وتعزيز الاستقلال الجماعي وتقليص التبعية للرأسمال الاحتكاري.
وفي النهاية، تهدف أدوات الديمقراطية الجذرية إلى إعادة بناء الديمقراطية باعتبارها ممارسة جماعية يومية قائمة على المشاركة والتعددية والعدالة الاجتماعية والسيادة الشعبية. فهي تسعى إلى إعادة توزيع السلطة داخل المجتمع، وتوسيع المشاركة السياسية، وبناء فضاءات جماعية للنقاش والتنظيم والفعل المشترك، بما يسمح بتحويل الديمقراطية من مجرد شكل مؤسساتي محدود إلى مشروع تحرري يضع الإنسان والمجتمع في قلب العملية السياسية.