العاشقة والسكير: سردية المنفى والتجربة الإنسانية
نبيل عبد الأمير الربيعي
2026 / 6 / 6 - 03:03
ليست ناهدة جابر جاسم اسماً عابراً في المشهد السردي العراقي، بل هي تجربة إنسانية وأدبية تشكلت عند تقاطع الذاكرة والمنفى والنضال. فمنذ سنوات شبابها الأولى اختارت طريقاً مختلفاً عن السائد، فتمردت على القيود الاجتماعية التي كانت تحاصر المرأة في بيئتها الفراتية المحافظة، ثم وجدت نفسها في قلب الأحداث السياسية العاصفة التي شهدها العراق خلال العقود الماضية.
هذا المسار الحياتي الحافل بالتحولات لم يبقَ مجرد ذكريات شخصية، بل تحول إلى مادة أدبية أغنت تجربتها في القصة والرواية والشعر. ولهذا تبدو كتاباتها امتداداً لسيرة حياة عاشت تفاصيلها بكل ما فيها من حب وخسارة وأمل وخيبة ومنفى.
في مجموعتها القصصية ((العاشقة والسكير)) الصادرة عام 2015، تقترب ناهدة من أسئلة المرأة والحرية والهوية والاغتراب، وتكتب عن الإنسان وهو يواجه هشاشته في عالم متقلب. ولا تنشغل القصص ببناء حبكات معقدة بقدر انشغالها بالتقاط اللحظات الإنسانية الحاسمة، حيث تتداخل السيرة الذاتية بالتخييل، والواقع بالحلم، والذاكرة بالحاضر.
العنوان نفسه يحمل دلالته الرمزية؛ فالعاشقة تمثل التوق الدائم إلى الحب والاكتمال، بينما يجسد السكير صورة الانكسار والتشظي والبحث العبثي عن الخلاص. وبين هذين القطبين تتحرك شخصيات المجموعة وهي تواجه أقدارها في المنافي البعيدة.
وتتكون المجموعة من ثماني قصص قصيرة تتناول موضوعات اجتماعية وإنسانية متنوعة، وتتميز بلغتها السلسة وقدرتها على استحضار التفاصيل اليومية بوصفها مدخلاً إلى قضايا أعمق تتعلق بالوحدة والحنين والخذلان والعلاقة الملتبسة بين الماضي والحاضر.
وتعد قصة (الأرملة) واحدة من أبرز قصص المجموعة وأكثرها كثافة من الناحية الشعورية. تدور أحداثها في الدنمارك، حيث ترسم الكاتبة عالماً يختلط فيه الحنين بالفقدان، وتتحول الطبيعة المحيطة إلى مرآة تعكس الحالة النفسية للشخصية الرئيسة. فالأشجار العارية والسماء الباردة ليست مجرد عناصر مكانية، بل مكونات فاعلة في بناء الجو العام للنص.
تستعيد البطلة ذكرياتها مع زوجها الراحل الذي كان يجمع بين القسوة والعاطفة، بين العنف والمودة، في تناقض يطبع علاقتهما بطابع مأساوي معقد. فهو الرجل الذي كان يجرحها في لحظات الغضب، ثم يعود ليغمرها بمظاهر الحب والحنان، لتظل عالقة في دائرة من المشاعر المتضاربة لا تستطيع الفكاك منها.
ومع تصاعد الأحداث تلتقي البطلة بعازف موسيقي يختلف عن زوجها في نظرته إليها، إذ يمنحها الثقة ويشجع موهبتها الفنية، في الوقت الذي كان زوجها يقلل من شأنها ويزرع الشك في قدراتها. ومن خلال هذه العلاقة الجديدة تطرح الكاتبة أسئلة عميقة عن الحاجة الإنسانية إلى الاعتراف والاحتواء العاطفي.
وتبلغ القصة ذروتها عندما تتداخل مشاعر الفقد مع الرغبة في استعادة الحياة من جديد. وهنا تتجلى مهارة الكاتبة في توظيف الصورة الشعرية، كما في عبارتها: (بدأت خيوط الشمس تذبل، وظفائر القمر تنير سماء أكبر وأدفأ غابة في مدينة روسكيلد)، وهي صورة تمنح النص بعداً جمالياً وتكشف عن الحس الشعري الكامن في كتابتها السردية.
لا تكتفي القصة برصد مأساة امرأة فقدت زوجها، بل تتجاوز ذلك إلى تأمل معنى الفقد ذاته، وكيف يستمر الراحلون في الحضور داخلنا حتى بعد رحيلهم. ولذلك تنتهي القصة على إيقاع إنساني مؤثر، يوحي بأن الموت لا يحدث مرة واحدة، بل قد يتكرر في الذاكرة كلما حاول الإنسان أن يبدأ حياة جديدة.
إن قراءة (العاشقة والسكير) تكشف عن كاتبة تكتب من قلب التجربة، وتستند إلى ذاكرة مثقلة بالأحداث والتحولات. وربما لا تكمن أهمية هذه المجموعة في اكتمالها الفني بقدر ما تكمن في صدقها الإنساني وقدرتها على نقل معاناة جيل كامل عاش الحروب والمنافي والأحلام المؤجلة.
وهكذا تبدو ناهدة جابر جاسم صوتاً أدبياً خرج من رحم التجربة العراقية القاسية، حاملاً معه أسئلة الإنسان والمرأة والمنفى، ومؤكداً أن الكتابة ليست ترفاً جمالياً، بل محاولة دائمة لفهم الذات ومقاومة النسيان.