الدعم النقدي وأزمة المعلومات وتسرع الحكومة


إلهامي الميرغني
2026 / 6 / 5 - 00:06     

عقد الدكتور مصطفي مدبولي رئيس مجلس الوزراء مؤتمر صحفي اليوم 4/6/2026 ليعلن التحول الي نظام الدعم النقدي اعتباراً من 1/7/2026 وان ذلك لصالح المواطن ولضمان وصول الدعم لمستحقيه. بينما تعالت أصوات المواطنين من توقف البطاقات التموينية الخاصة بهم. واعتقد أن أخطر ما يواجه هذا التحول هو غياب المعلومات وهو ما اتضح خلال أزمة كورونا . عندما تقرر صرف منحة للعمالة الغير منتظمة قيمتها 500 جنيه ولم يصرفها سوي 1.5 مليون فقط من بين 7.5 مليون يعملون بالقطاع غير المنظم. ولكن لم يستطيعوا تقديم الأوراق التي تثبت انهم عمالة غير منتظمة رغم اعتراف جهاز التعبئة والاحصاء بهذا الرقم. ولكن لا يوجد تصنيف لهم او توزيعهم جغرافياً.
كما ان قانون التأمين الصحي الاجتماعي الشامل رقم 2 لسنة 2018 تحدث عن دعم غير القادرين ورغم مرور 8 سنوات على صدور القانون لا يوجد إحصاء رسمي بعدد غير القادرين وتوزيعهم حسب الفئات العمرية والسكن. ونفس الأمر تكرر عند مناقشة قانون ايجار المساكن القديمة. إذن الحكومة تخطط وتنفذ بدون توافر المعلومات اللازمة. خاصة بعد توقف نشر نتائج بحث الدخل والانفاق والاستهلاك منذ عام 2022 والذي كان يوضح معدل الفقر النسبي والمدقع وتوزيعه بين المحافظات. لذلك لا نعرف كيف يستفيد الفقراء ومحدودي الدخل من الدعم النقدي في ظل غياب المعلومات الأساسية عن المستحقين.
التلاعب في أرقام الدعم
أرتفع إجمالي مخصصات الدعم في الموازنة من 123.1 مليار جنيه في 2010/2011 إلى 229.2 مليار جنيه في 2019/2020 ثم وصل الي 823.3 مليار جنيه في الموازنة الجديدة 2026/2027.
لكن رغم الزيادات النقدية في مخصصات الدعم وخلال نفس السنوات السابقة نجد أهمية الدعم الي إجمالي المصروفات انخفض من 30.6% إلى 16% ووصل الي 16.1% في الموازنة الجديدة رغم زيادة عدد السكان من 78.6 مليون نسمة عام 2010 إلى 100.6 مليون في 2020 و108 مليون في 2025.
كما انخفضت أهمية الدعم الي الناتج المحلي الإجمالي من 8.9% إلى 3.7% ثم انخفض الي 3.4% في مشروع الموازنة الجديدة. وخلال نفس الفترة ارتفع سعر صرف الدولار من 5.9 جنيه الي 15.7 جنيه ووصل الي 51.9 جنيه في مارس 2026 وفقاً للتقرير المالي الشهري لوزارة المالية.
لو بحثنا عن دعم السلع التموينية نجده ارتفع من 17.8 مليار في 2010/2011 إلى 80.4 مليار جنيه في 2019/2020 ثم وصل الي 178.3 مليار في موازنة 2026/2027. علما بأن المخصص لم يزيد سوي 18.3 مليار جنيه فقط عن العام الماضي وهي نسبة لا تذكر ولا تتناسب مع مستويات التضخم وارتفاع الأسعار، ولا مع الزيادة السكانية ولا مع سعر صرف الدولار.
بلغ معدل التضخم العام 8.4% في يوليو 2015 وانخفض الي 4.2% في يوليو 2020 ثم بلغ 36.4% في يوليو 2020، 25.6% في يوليو 2024 و14.9% في يونيو 2025 وفقاً لبيانات البنك المركزي.
كما يوجد ضمن مخصصات الدعم 169.2 مليار جنيه باسم المساهمة في صناديق المعاشات والحقيقة انها جزء من القسط السنوي الذي تسدده المالية من المديونية المستحقة لأصحاب المعاشات بعد الاستيلاء على مدخراتهم ولا يوجد به أي شكل من أشكال الدعم. إضافة الي انخفاض نسب الاكتفاء الذاتي بالعديد من المواد الغذائية والاعتماد على استيرادها من الخارج والتعرض لتقلبات السوق العالمي.
لذلك فإننا نرفض التحول الي الدعم النقدي باعتباره عاصفة تطيح باخر أوراق الحماية الاجتماعية للفقراء ومحدودي الدخل من أصحاب معاشات تكافل وكرامة ومعاشات التأمينات والعمال الذين تقل أجورهم الشهرية عن الحد الأدنى للأجور بل وكل المشتغلين بأجر.
إن أي بدل نقدي مهما كانت قيمته سيتآكل بفعل الزمن ومعدلات التضخم وزيادة الأسعار وزيادة عدد السكان وانخفاض قيمة الجنيه امام الدولار. اننا بحاجة الي الشفافية قبل تطبيق التحول وكم عدد المستحقين وتصنيفهم وما هي اليات الرقابة على الصرف وكيف يمكن توفير متطلبات إدارية سهل الحصول عليها لكي لا نكرر مأساة العمالة غير المنتظمة خلال كورونا ولكي لا يذهب الدعم فعليا لغير مستحقيه.
ضروري إقامة حوار مجتمعي مع الأحزاب والنقابات قبل بدء التطبيق وقبل سحق الملايين وحرمانهم من اخر حصون الأمان الاجتماعي.

4/6/2026