التحرر الذاتي للعمال والمضطهدين: دروس من الثورتين الألمانية والإسبانية


مراسلات أممية
2026 / 6 / 4 - 12:26     

يدافع أوراز آيدن، في إطار نقاش أُثير داخل أوساط اليسار التركي والكردي، عن أهمية التحرر الذاتي في التصور الديمقراطي للاشتراكية، مع إعادة التأكيد في الوقت نفسه على الأهمية الاستراتيجية لتدمير جهاز الدولة البرجوازية واعادة النظر في علاقات الملكية، انطلاقا من اثنتين من أبرز تجارب الحركة العمالية العالمية في القرن الماضي.

يُعدّ أوراز آيدن من بين مئات «الأكاديميين من أجل السلام» الذين تم فصلهم من وظائفهم بسبب توقيعهم في عام 2016 على عريضة ضد أعمال العنف التي تمارسها الدولة تجاه الشعب الكردي. وهو يعمل بالتالي كمترجم وصحفي مستقل. وهو عضو في حزب العمال التركي (TIP) وفي المكتب التنفيذي للأممية الرابعة.

هذا النص هو تفريغ لمداخلة أُلقيت خلال مؤتمر «الاشتراكية، من جديد»، الذي نُظم يومي 8 و9 نوفمبر 2025 في إسطنبول من طرف مؤتمر الشعوب الديمقراطي (HDK)، المرتبط بالحركة السياسية الكردية، والذي دُعي إليه رفيقنا لتقديم وجهة نظره، معربا عن تضامنه مع الحركة الكردية وطموحه إلى وضع حد للحرب من خلال مفاوضات ديمقراطية.

افتُتح النقاش بعدة نصوص لعبد الله أوجلان، ولا سيما رسالته المطولة الموجهة إلى مؤتمر حل حزب العمال الكردستاني (PKK)، المنعقد يومي 5 و6 مايو 2025. في هذا النص المعنون «آفاق»، يستعيد أوجلان، في خطوطه الكبرى، تفسيره للتاريخ، مشددا على أهمية استبدال «ثنائية الكومونة-الدولة» بالدور المركزي للصراع الطبقي في إطار المادية التاريخية. ووفقا له، فإن نظرية الصراع القائمة على الانقسام إلى طبقات تُعد السبب الرئيسي لانهيار «الاشتراكية الواقعية». ويعلن الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني PKK بذلك هدفه المتمثل في «إرساء الاشتراكية المعاصرة ليس على شيوعية قائمة على ديكتاتورية الطبقة، بل على منظومة مفاهيمية تنظم العلاقات بين الدولة والمجتمع[1.1]». ويقتضي ذلك التخلي عن اللغة المتمحورة حول الدولة-الأمة، وإبراز مفاهيم أخلاقية وسياسية تتمحور حول فكرة الكومونة و«الأمة الديمقراطية». وبالتالي، فإن بناء «المجتمع الديمقراطي» لا يمكن أن يتم إلا من خلال حوار مع الدولة، في إطار «تسوية ديمقراطية».

نعرف جميعا تلك اللعبة التي يُطلب منا فيها تحديد الكتب الثلاثة التي سنأخذها معنا إذا تقطعت بنا السبل في جزيرة مهجورة، أو الشخصين اللذين سنختارهما لمرافقتنا. وإذا طرحنا السؤال نفسه فيما يتعلق بالماركسية، وإذا نظرنا في أطروحاتها وطُلب منا تحديد أيها يجب إنقاذه بأي ثمن، أيها ينبغي الحفاظ عليه من الماركسية أو من مجموعة نصوصها، فبالنسبة لي سيكون ذلك هو القول الوارد في بداية النظام الأساسي للأممية الأولى: «إن تحرر الطبقة العاملة سيكون من صنع العمال أنفسهم». أعتبر أن هذه العبارة تمثل القطيعة الأكثر جوهرية، والمنعطف الأكثر حسما، بين تصور الاشتراكية الذي تحمله الماركسية وكل الأفكار الثورية التي سبقتها. لأنه عندما ننظر إلى الفلسفة السياسية الثورية البرجوازية، وكذلك إلى التيارات الاشتراكية الأخرى اللاحقة، نجد دائما نوعا من أسطورة المنقذ الأعلى. بمعنى آخر، من مكيافيللي إلى روسو، ومن فولتير إلى هيغل، يكون الحديث إما عن أمير أو إمبراطور أو مشرّع. فمثلا، يصف هيغل نابليون بأنه «روح العالم ممتطيا حصانا». يتعلق الأمر دائما بتحرر يأتي من الأعلى.

وينطبق ذلك أيضا على التيارات الاشتراكية. ففي الاشتراكية الطوباوية نجد نماذج مجتمعية صيغت بفضل خيال خلاق بالغ النشاط، لكن لا يوجد فيها فاعل قادر على تحقيقها. وفي الواقع، لا توجد أيضا استراتيجية للاستيلاء على السلطة السياسية. ففورييه، وأوين، وسان سيمون يكتبون إلى الأباطرة، وإلى القياصرة، وإلى الملوك، لأنهم بحاجة إلى قوة، إلى فاعل يستطيع تنفيذ مشاريعهم من الأعلى. فالفاعل يُتصوَّر دائما على أنه قادم من الأعلى. وهناك تيار مهم آخر — يمكن ملاحظته لدى بابوف، وبوناروتي، وبلانكي، وفي سلسلة كاملة من الجمعيات الثورية والمنظمات الثورية السرية — يقوم في الغالب على منظور استيلاء أقلية ثورية جيدة الإعداد وحازمة على السلطة، تعمل باسم البروليتاريا وتحل محلها. وفي الواقع، يتعلق الأمر بشكل من أشكال الانقلابية الثورية. النوايا صادقة، لكن الثورة لا يِنظر إليها كسيرورة تنخرط فيها الجماهير.

"عبقرية" الممارسة العملية (البراكسيس)
أما عند ماركس، فنلاحظ هذه القطيعة بوضوح، حيث أن المسألة الأساسية لديه هي أن يكون تحرر الطبقة العاملة من صنعها هي نفسها، نتاج نشاطها الخاص. وقد شرح صديقي دوغان تشيتينكايا ذلك باستفاضة في مداخلته: إذ يُبرز ماركس الدينامية التي تتحرر بها الجماهير، بإرادتها الخاصة، من الشروط القائمة. وبالطبع، لا يعود ذلك ببساطة إلى «عبقريته» - فالعبقرية نفسها، كما كان ماركس يؤكد بخصوص إبداع رسام عصر النهضة رافاييل، هي في نهاية المطاف نتاج الشروط الاجتماعية - بل لأنه يواجه حركة عمالية مزدهرة، من نضالات النسّاجين في سيليزيا، وعمال الحرير في ليون، وانتفاضات 1830-1832 و1848، ولأنه يلاحظ كل ذلك ويجد نفسه أمام طبقة عاملة تنخرط بشكل متزايد في النضال وتتكون داخل المعارك الجماهيرية، فإنه يستطيع تطوير هذا المنظور الخاص بالتحرر الذاتي. ومن ثمّ، فإن هذا المنظور يتغذى أيضا من التجربة العملية. وهنا، إلى جانب الفلسفة الألمانية، والفكر الاجتماعي الفرنسي، والاقتصاد السياسي الإنجليزي، فإن التأثير الحاسم - كما أشار خصوصا إلى ذلك مايكل لوي - للعلاقات الوثيقة، والعمل المشترك، والاتصالات المباشرة مع الجمعيات والمجموعات العمالية خلال إقامة ماركس في باريس، يُعد بالغ الأهمية. يتعلق الأمر هنا بقطيعة سياسية واستراتيجية ومنهجية ذات أهمية كبيرة.

وبالطبع، ينبغي مراعاة هذا الأمر في علاقة مع مفهوم البراكسيس. كيف يمكن للجماهير أن تتحرر من هيمنة البرجوازية؟ وبما أن الأفكار السائدة في أي مجتمع هي أفكار الطبقة السائدة، فكيف يمكن كسر هذه الهيمنة الإيديولوجية؟ يمكن العثور على المؤشر الأكثر أساسية للإجابة عن هذا السؤال في الأطروحة الثالثة حول فيورباخ. إذ يؤكد ماركس وجود سيرورات يتطابق فيها تحول وعي البشر مع تحول الشروط الاجتماعية. ويتجلى ذلك تحديدا في الممارسة الثورية العملية، أي في النضال الثوري. فبقدر ما ترفع الجماهير رؤوسها وتنخرط في النضال من أجل حقوقها الخاصة، يتحول الوعي. وبقدر ما يتحول الوعي، تقوم الجماهير الواعية بدورها بتغيير الشروط. وهذا يتجاوز التعارض بين «هل تغير الشروط هو الذي يغير الوعي؟» أو «هل الوعي نفسه هو الذي يغير الشروط الاجتماعية؟». في الواقع، يوجد هنا نقاش في آن واحد مع مثالية مجردة ومع شكل من أشكال المادية الساذجة. ينتقدهما ماركس معا، ويدمج بعض جوانب هذين الموقفين، ثم - على مستوى أعلى، بالمعنى الهيغلي لـ«الأوفهيبونغ» (Aufhebung)(2) - يتجاوزهما بقفزة جدلية ليبلور مفهومه الخاص للبراكسيس.

المجالس كشكل تنظيمي كوني
إذا انطلقنا من هذه القطيعة الأساسية، فيمكن أن تنبثق عنها نقاط عديدة، خصوصا من وجهة نظر استراتيجية. كيف تتحقق، إذن، ممارسات التحرر الذاتي هذه لدى الجماهير؟ تاريخيا، اتخذت دائما شكل تنظيمات على هيئة مجالس، أو سوفييتات، أو لجان. لا أحد يقول للجماهير «افعلوا ذلك على هذا النحو». إنه أمر يحدث جزئيا بشكل غريزي، ومحدد جزئيا بالشروط الملموسة: في اللحظات التي ينفجر فيها الغضب الاجتماعي، وحين يبدأ العمال والعاملات، والذين واللواتي في الأسفل، والمضطهدون/ات في التنظيم؛ تتبين محدودية الأجهزة الأخرى أي الأحزاب والنقابات. فالأحزاب ضيقة أصلا ومُنقسمة بشدة؛ وهي كثيرة العدد — يمكن الحديث عن تعدد الأحزاب. أما النقابات، فهي ليست واسعة بما يكفي. لذلك تظهر المجالس كنموذج في آن واحد مرن، قادر على التكيّف مع ظروف مختلفة، ومنفتح بما يكفي بحيث يستطيع كل فرد، بطريقة أو بأخرى، المشاركة فيه، والتحدث فيه، والانخراط فيه.

تُعدّ ثورة 1905 دون شك المثال الأساسي الأول على ذلك. لكن بعد ذلك، نلاحظ هذه الظاهرة في سياقات عديدة أخرى: بالطبع في أكتوبر 1917، ثم في الثورة الألمانية، وفي الثورة المجرية، وفي حركة المجالس في إيطاليا. ثم لاحقا في إسبانيا، وفي بوليفيا، وفي الجزائر، وكذلك مثلا مرة أخرى في المجر عام 1956: في كل مكان ينتفض فيه العمال، يقومون أولا بإنشاء هذا النوع من التنظيمات. وكما أشار إرنست ماندل، يمكننا أن نتحدث عن مصادفة مرة أو مرتين؛ وفي المرة الثالثة يصبح الأمر غريبا بالفعل؛ ولكن عندما يتكرر ذلك عشر أو خمس عشرة مرة عبر التاريخ، وعندما يتجه العمال إلى هذا النوع من التنظيم القائم على المجالس في الأوضاع الثورية، فهذا يعني أننا أمام نموذج تنظيمي طبيعي وكوني للطبقة العاملة. وعلاوة على ذلك، فإنه ضمن آلية معينة من التمثيل الديمقراطي، يصبح من الممكن هيكلة هذه المجالس وتنسيقها على مستويات مختلفة - محلية، وإقليمية، ووطنية.

ثورة المجالس في ألمانيا
بالطبع، تٌعدّ ثورتا عام 1905 وأكتوبر 1917 مثالين بالغَي الأهمية، لكنني أود التوقف عند حالتين أقل تناولًا. ففيما يتعلق بالمجالس، ولا سيما المجالس العمالية، فإن المثال الأساسي هو في الواقع الثورة الألمانية. اليوم، لا نحيي اليوم فقط الذكرى الـ108 للثورة الروسية، بل أيضا الذكرى الـ107 للثورة الألمانية: 8 نوفمبر 1918. نحن نحيّي ذكرى أولئك الذين واللواتي صنعوا/ن هذه الثورة وسقطوا/ن من أجلها. إنها بلا شك ثورة هائلة. وهي، في الواقع، الثورة التي كان أكتوبر ينتظرها، والتي كان البلاشفة يأملونها. فقد كانت أنظارهم متجهة دائما إلى هذا الأمر: كان لا بد من اندلاع ثورة أيضا في بلد صناعي، يمتلك طبقة عاملة قوية، حتى لا يبقوا معزولين ومحاصرين.

تمتد هذه الثورة في الواقع من عام 1918 إلى عام 1923، أي حتى هزيمة البروليتاريا الألمانية والشيوعيين الألمان، وحتى خمود الموجة الثورية. لكن الأشهر الأولى كانت حاسمة بشكل خاص. لأن المسألة المركزية في الثورة الألمانية هي الحرب: في الثورات، هناك دائما عامل سياسي خارجي حاسم، غالبا ما يكون احتلالا، أو محاولة انقلاب، أو حربا - وما تنتجه من فقر وبؤس. وهنا أيضا يتعلق الأمر بحرب انتهت، لكنها لا تنجح في أن تنتهي فعليًا. وقد بدأ تشكٌّل المجالس بين الجنود والبحارة. وما إن نزلوا إلى اليابسة حتى تآخوا مع العمال. وخلال بضعة أيام في مطلع نوفمبر، انتشر هذا الشكل التنظيمي على شكل مجالس في كامل ألمانيا. في كل مكان. تم تشكيل ما يقرب من 10 آلاف مجلس للعمال والجنود. إنه أمر استثنائي. وفي الشوارع، كانت ذاكرة عام 1848 لا تزال حاضرة نسبيا. وهكذا، من جهة، هناك الإضراب العام؛ ومن جهة أخرى، الأعلام في الشوارع، والمظاهرات؛ وكان العمال يتسلحون، ويهاجمون الثكنات، فيما كان الجيش ينسحب. ومع انسحاب الجيش، انفتحت إمكانية هائلة لممارسة السلطة من الأسفل. انهارت الإمبراطورية، وأصبحت أجهزة الدولة في حالة إفلاس. ونتيجة لذلك، بدأت هذه المجالس، فعليا، تتولى مجمل مهام الإدارات المحلية.

في خضم هذه الحركة التي استمرت بضعة أيام، بذل الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) كل ما في وسعه للسيطرة؛ فقد كان يركض جاهدا خلفها، محاولا اللحاق بها وتولي قيادتها. كان الحزب الاشتراكي الديمقراطي حزبا قويا للغاية، وهو في الواقع اشتراكية ديمقراطية يمينية؛ إذ كان هناك أيضا جناح اشتراكي ديمقراطي أكثر يسارا، هم الاشتراكيون الديمقراطيون المستقلون (USPD). وكانت روزا لوكسمبورغ والسبارتاكيون لا يزالون داخل هذا الجناح في تلك اللحظة، لكن أيضا كاوتسكي وبرنشتاين . وقد أعلن الحزب الاشتراكي الديمقراطي: «الثورة هي ثورتنا جميعا، سنؤسس جمهورية، جمهورية للعمال. فلننشئ تمثيلا أعلى لكل هذه المجالس. ولنؤسس نوعا من الحكومة على طريقتنا». وهكذا، من الناحية الشكلية، قاموا بإنشاء حكومة مستقلة عن الدولة البرجوازية. صوّت الجميع، وشارك فيها كل من الحزب الاشتراكي الديمقراطي والاشتراكيين الديمقراطيين المستقلين. وأُطلق عليها اسم من قبيل «اللجنة التنفيذية للمجالس». لكن لم يتم المساس إطلاقا بجهاز الدولة البرجوازية. فقد بقي كما هو تماما. لم يتغير سوى اسمه.

استعادة السيطرة الدولتية
سرعان ما تسلّل الاشتراكيون الديمقراطيون إلى داخل المجالس. ووضعوا كوادرهم فيها. وعزّزوا القوة التي كانوا يمتلكونها أصلا، لا سيما داخل مجالس الجنود. استمر الحماس الهائل، وترك الحزب الاشتراكي الديمقراطي السيرورة تأخذ مجراها لبعض الوقت. قدَّموا وعودا قائلين: «سنقوم بتأميم كل شيء». كانت الملصقات تغطي الشوارع ، وتُتخذ قرارات، لكن لاشيء يحدث. وخلال بضعة أشهر، يدرك العمال والعاملات أن شيئا لم يتغير في الواقع. فقد بقي الجهاز كما هو. حتى القيادة العسكرية ظلت في أيدي كبار الضباط السابقين. وأُعيد تشكيل الجيش البرجوازي. وبالتدريج، تم تحويل هذه المجالس إلى مجالس بلدية. وهكذا تم دمجها بالكامل في النظام. أُجريت انتخابات لجمعية تأسيسية، وأُعيد بناء الدولة البرجوازية بالكامل - تحديدا على يد أولئك الذين كانوا يزعمون أنهم يتصرفون باسم الطبقات الكادحة والمجالس العمالية.

بالطبع، كانت هناك قوى تعارض ذلك. هناك شبكة «المناديب الثوريين»، المكونة من عمال المعادن الطليعيين - الذين قاموا بأدورا بالغ الأهمية في الثورة - السبارتاكيون، وكذلك الجناح اليساري من الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل. وقد جرى قمع هؤلاء بقوة. وكما هو معروف، تم اغتيال قادة سبارتاكيين مثل روزا لوكسمبورغ، وكارل ليبكنخت، وليو يوغيشس. وفي أماكن أخرى، رفضت بعض المجالس تسليم السلاح، فتم سحقها. وبعد ذلك، استمرت الاضطرابات، مع مراحل من صعود وانحسار الحركة الثورية. لكن في النهاية، خمدت كامل دينامية حركة المجالس تدريجيا، دون أن يُمسّ جهاز الدولة البرجوازية فعليا، ودون أن يتم التشكيك الجدي في علاقات الملكية. وقد حدث ذلك تحديدا بفعل حزب عمالي، حزب كان يدعي العمل باسم العمال. وأعتقد أن درس بالغ الأهمية.

إسبانيا الثورية واللجان
أما مثالنا الآخر فهو إسبانيا. فعندما ننظر إلى الثورة الإسبانية، نرى أن الحرب الأهلية والثورة كانتا متداخلتين بشكل وثيق. فمنذ عدة سنوات، كانت هناك انتفاضات عمالية ثورية. وعلى هذا الأساس، تم تشكيل «الجبهة الشعبية» - أي حكومة تهيمن عليها أحزاب اليسار- وردًّا على ذلك، أطلقت الأوليغارشية وكبار ملاك الأراضي والكنيسة محاولة انقلاب. وتتمثل هذه المحاولة بشكل خاص في تمرد عسكري بقيادة فرانكو. غير أنه بدل أن يتخذ هذا التمرد طابعا مضادا للثورة - أي سحق الحركة العمالية واليسار - فقد أدى، على العكس، إلى تسريع وتيرة الثورة. ففي كل مكان، وفي مواجهة العسكريين، استولى العمال والفلاحون على السلاح. وفي جزء كبير من البلاد، كان جهاز الدولة قد انهار إلى حد كبير، وبدأت اللجان تتشكل. وكان هناك أصلا حركة طبقية شديدة التسييس. ويجب التأكيد هنا خصوصا على التأثير القوي جدا للتيار اللاسلطوي في إسبانيا. يتعلق الأمر بنوع من التنظيم يختلف بعض الشيء: لجان تشكلت سياسيا من خلال المشاركة النشطة للطبقات الشعبية، منظمة وفق الوزن الإقليمي للمنظمات السياسية الجماهيرية. لكن هذه اللجان تظل خاضعة بشكل دائم لرقابة القاعدة. تضم هذه اللجان لاسلطويين، واشتراكيين ديمقراطيين، والحزب الشيوعي الموالي للاتحاد السوفيتي، وأحيانا جمهوريين - خاصة في كتالونيا. تتشكل عشرات الآلاف من اللجان في كل مكان. وكانت تتولى مجمل وظائف الدولة والإدارات المحلية. تم تحويل الكنائس التي لم تُحرق إلى مستشفيات. وحلت المدارس محل القصور الإقطاعية. وجرت مصادرة جميع وسائل النقل. وبالتوازي مع مواصلة المقاومة ضد الفاشية، تمت مصادرة الأراضي في دينامية ثورية كاملة.

كان الأمر يتعلق بسيرورة تأميم هائلة. ففي مرحلة أولى، جرى نزع ملكية أراضي كبار الملاّك الرجعيين الموالين لفرانكو — أولئك الذين فروا — وكذلك مصانع الصناعيين. ثم امتدت الحركة تدريجيا، وفي نهاية المطاف تم تأميم معظم الشركات. ويمكن ملاحظة ذلك بشكل خاص في كتالونيا وفي المناطق التي يتمتع فيها اللاسلطويون بوجود قوي. في برشلونة، أصبحت 80٪ من الشركات ملكية جماعية؛ وعلى مستوى كتالونيا ككل، بلغت النسبة 40٪. يتعلق الأمر بموجة ثورية هائلة الاتساع. غير أن هذه الموجة بدأت تدريجيا تُثير قلق قوى مختلفة، لأن بديلا استراتيجيا طرح نفسه: هل سيتم الانتصار على الفاشية عبر الدفاع عن الجمهورية البرجوازية، أم أنه إذا ما اخترنا الوثوق بإرادة الطبقات الشعبية للدفاع عن الجمهورية، فهل ينبغي عندئذ دعم هذه الموجة الثورية؟ وبالطبع، تدخل موازين القوى الدولية في المعادلة. فقد كانت الجمهورية الإسبانية تتلقى دعما عسكريا في المقام الأول من الاتحاد السوفيتي، لكن هذا الأخير لم يكن يرغب أيضا في قطع علاقاته مع بريطانيا وفرنسا. نحن في عامي 1936-1937. ومن ثم، بدأت تصل مطالب من الاتحاد السوفيتي: لا يجب المساس بالملكية الخاصة.

وفي إطار الدينامية الثورية، كانت الميليشيات تعمل وفق مبادئ مساواتية عميقة: فالتحية العسكرية كانت ممنوعة بعد ساعات الخدمة؛ كما أُلغيت الفوارق في الأجور بين الرتب. يتعلق الأمر هنا بممارسات مساواتية تنتشر على نطاق واسع في المجتمع بأسره. لكن، تدريجيا، جرى تقييد كل ذلك.

يمكن ملاحظة هذه السيرورة بوضوح في كتاب «تحية إلى كتالونيا» لجورج أورويل، وقد أعاد كين لوتش تصويرها بقوة كبيرة في فيلمه «الأرض والحرية». وفي تركيا، تُرجم هذا الفيلم إلى «الوطن والحرية»، وهو ما يلخص في حد ذاته الجدل الاستراتيجي برمّته. لأن المسألة المركزية ليست «الوطن»، بل الأرض: وبشكل أكثر دقة، إنقاذ «الوطن» عبر مصادرة أراضي الملاكين العقاريين، أي من خلال الهجوم على المِلكية. وهكذا، فإن خطأً بسيطا في الترجمة في تركيا يعكس مجمل التوترات التي حوصرت فيها الحرب الأهلية والثورة الإسبانية.

تم إدماج الميليشيات تدريجيا داخل جهاز الدولة. وأُعلن عدم شرعية جناح أكثر راديكالية، مثل حزب العمال الماركسي الموحّد (POUM) - وهو جناح يساري مناهض للستالينية ومستقل عن الاتحاد السوفيتي. وقد تم اغتيال قادته ومناضليه، وفي مقدمتهم أندريو نين. كما أُدمجت التعاونيات الزراعية والأراضي المُشتركة ضمن إطار قانوني تابع للدولة. وتمت بذلك، شيئا فشيئا، تحييد الدينامية الأساسية واستيعابها. ويمكن ملاحظة مظاهر أخرى لذلك، مثل قرار دفع تعويضات لأولائك الذين تمت مصادرة أراضيهم. وهكذا، جرى تدريجيا إعادة نوع من «قدسية» الملكية الخاصة. وبمجرد سحق الموجة الثورية، سواء بالدم أو عبر المناورات البيروقراطية، أصبحت القوى الفاشية مهيمنة بشكل متزايد. اشتد التدخل الدولي، وبعد عامين، فرض فرانكو سيطرته على كامل إسبانيا الجمهورية وأقام دكتاتورية فاشية.

أعتبر أن هاتين التجربتين تُعدّان من بين أهم الأمثلة الاستراتيجية في تاريخ الحركة العمالية في القرن العشرين، ويتعلق الأمر بنضالات قادرة على تغيير جذري لموازين القوى في عصرهما. ولهذا السبب بالذات، كانت هزيمتهما أكثر مأساوية. وبالطبع، يمكن مناقشة أمثلة أخرى، لكن هاتين الحالتين تُظهران بوضوح خاص أنه إذا لم يتم تفكيك جهاز الدولة البرجوازية، وإذا لم يتم الطعن في علاقات الملكية، فإن الدينامية الثورية التي تحملها حركة المجالس تتعرض للسحق؛ وأن إمكانيات التحرر الذاتي والتسيير الذاتي القادمة من الأسفل - أي إمكانيات الطبقات العاملة، من عمال وفلاحين - تتقلص بشكل كبير؛ وأن النتيجة تكون في نهاية المطاف الهزيمة. لذلك، يجب علينا أن نعود باستمرار إلى هذه التجارب التاريخية للانتفاضات الثورية، وللمقاومات، وللمجالس، وأن ندرسها بعمق، حتى نكون أكثر استعدادا للنضالات القادمة.





بقلم أوراز آيدن

14 أبريل 2026



هوامش :

1. يدرّس دوغان تشيتينكايا في كلية العلوم السياسية بجامعة إسطنبول. وهو مؤلف لعدد من الكتب التي تتناول التاريخ السياسي والاجتماعي لتركيا، والقومية التركية، والفكر اليساري في تركيا، والحركات الاجتماعية، وتاريخ كرة القدم التركية، والحركة العمالية.

2. Aufhebung هو اسم ألماني يعبّر عن مفهوم مركزي في فلسفة هيغل، ثم ماركس، يصعب ترجمة دلالاته المتنوعة والمتناقضة إلى اللغة الفرنسية. ويصف هذا المصطلح عملية «تجاوز» التناقض الجدلي حيث يتم تأكيد العناصر المتعارضة وإزالتها في آن واحد، وبالتالي الحفاظ عليها في توليفة تصالحية.