كيف يترك النظام الرأسمالي – الإمبريالي أمراضا يمكن علاجها تقتل أكثر من مليون شخص سنويّا


شادي الشماوي
2026 / 6 / 3 - 01:17     

قارئ – جريدة " الثورة " عدد 959 ، 1 جوان 2026
www.revcom.us

في المدّة الأخيرة قرأت كتاب كتاب جون غرين الجديد ،" كلّ شيء مرض سلّ : تاريخ و تواصل عدوانا الأكثر قتلا " ، ما ألهمني أن أكتب إلى قرّاء موقع أنترنت https://www.revcom.us . فالكتاب صرخة قويّة من أجل العدالة إزاء اللامساواة الوحشيّة وهو يستحقّ القراءة .
لقد خلق هذا النظام عالما حيث الأمراض التي كان من المفترض أن يكون تمّ القضاء عليها منذ زمن بعيد تتسبّب في العذابات و الموت . و مرض السلّ نموذج بارز على ذلك .
في الماضي ، كان مرض السلّ مرض الإستهلاك لأنّه يستهلك جسد الضحيّة بما يتسبّب في خسارتهم . و في أوروبا ، أثناء القرن التاسع عشر ، حوالي رُبع كافة الموتى تعزى إلى المرض . و في الولايات المتّحدة اليوم ، معظم الناس نادرا ما يفكّرون في مرض السلّ ، ربّما فقط عندما يجرون فحصا مخبريّا قبل إلتحاقهم بموطن شغل . و هذا يعود إلى كون علاج مرض السلّ قد تطوّر في خمسينات القرن العشرين و أغلبيّة الناس في هذه البلاد يحصلون على العلاج الضروريّ .
و مع ذلك لا زال مرض السلّ يقتل مليون و ربع مليون شخص سنويّا ، لا سيما في البلدان الفقيرة من جنوب الكوكب وهو السبب الأوّل المؤدّي إلى الموت بمرض معدي عبر العالم . و يقتطف غرين من كلام الأطبّاء و العلماء الذين يقولون إنّه بينما من غير الممكن القضاء على مرض السلّ ، برعاية صحّية أساسيّة ، لا ضرورة لموت أي شخص جرّاء هذا المرض. لنفكّر في ذلك للحظة . أكثر من مليون شخص سنويّا – لديهم أصدقاء و أُسر ، و آمال و أحلام ، و يفيضون قدرات – يقع إطفاء حيواتهم بلا ضرورة لذلك بسبب مرض تمّ علاجه قبل 75 سنة !
و مرض السلّ مرض يمكن أن يظلّ نائما في الجسد لعدّة سنوات أو حتّى طوال حياة الشخص ، و لا يصبح فاعلا إلاّ عندما يضعف نظام المناعة بفعل الفقر و الجوع ، أو أمراض أخرى .
على طول الكتاب و عرضه ، يتّبع غرين حال شاب يعاني من مرض السلّ وهو من أمّة أفريقيّة ، سيرا ليوني . و يتّبع تاريخ الإستعمار و الإستغلال الذين شكّلوا الفقر و غياب الرعاية الصحّية المسؤولين على إنتشار مرض السلّ في ذلك البلد. و يستشهد غرين بكلام طبيب من سيرا ليوني ، " لئن أردتم فهم لماذا سيرا ليوني بلد فقير ، يجب أن تنظروا إلى خارطة السكك الحديديّة لبلادنا ". و يشرح غرين أنّ السكك الحديديّة في سيرا ليوني لم تُقم لربط الناس و تشييد إقتصاد وطنيّ كما هو الحال في الولايات المتّحدة . فالإمبراطوريّة البريطانيّة أقامت السكك الحديديّة في سيرا ليوني " قبل كلّ شيء للإستحواذ على ثروة سيرا ليوني بأسرع و أكبر فعاليّة ممكنة و إرسالها إلى خارج سيرا ليوني ".
و حينما أصبحت سيرا ليوني مستقلّة سنة 1961 ، واصلت القوى الأجنبيّة في مصّ دماء ثروة بلادنا فسيرا ليوني غنيّة بالمواد المنجميّة إلاّ أنّها تظلّ من أفقر بلدان العالم . و لا يزال إقتصادها متمحورا حول المواد المنجميّة التي تصدّر إلى القوى الرأسماليّة – الإمبرياليّة . و البنوك و المؤسّسات الماليّة العالميّة الأخرى تستغلّ الآن البلاد و تملي عليه سياسات وحشيّة مثل قطع نفقات الرعاية الصحّية .
و بالنتيجة ، ثلث الناس في سيرا ليوني لا يملكون كهرباء . و معدّل الدخل لا يعدو أن يكون مجرّد دولاران في اليوم . و مصاريف سيرا ليوني على الرعاية الصحّية للشخص الواحد سنويّا هي 35 دولار مقابل 13 ألف دولار في الولايات المتّحدة . و في الأثناء ، عقاقير معالجة مرض السلّ إن توفّرت فثمنها يتجاوز الألف دولار سنويّا ، حتّى في ظلّ برامج موجّهة لمساعدة الناس في البلدان الفقيرة .
و تاريخ و الواقع الحالي لمن يصاب بمرض السلّ في الولايات المتّحدة يفضح الأكاذيب الفاضحة التي يطلقها فاشيّو ترامب ( و آخرون ) من الذين يُنكرون و يغطّون على العنصريّة في جذور مجتمع الولايات المتّحدة أو يقولون إنّ ذلك شيء من الماضي . في القرن العشرين ، طوّر طبيب من التنيسي النظرة السائدة بأنّ " الأسود هو الذى يجب توبيخه لحساسيّته الخاصة لمرض السلّ ". بكلمات أخرى ، الخطأ خطؤهم ، لذا لندعهم يموتون . كلّ يوم ، نسبة مرض السلّ تتضاعف ب 14 مرّة في صفوف الناس من غير ذوى البشرة البيضاء المولودين في الولايات المتّحدة مقارنة بذوي البشرة البيضاء .
في جنوب الكوكب ، أين يقتل مرض السلّ أكبر عدد من الناس ، يُجبر المرضي على السفر لمسافات طويلة و هذا غير ممكن عادة للوصول إلى مصحّات يوميّا للفحص الطبّي و الحصول على أدوية . و قد قيل لهم أنّه لا يمكن الثقة في أنّهم يتناولون أدويتهم حتّى مع أنّ الدراسات قد بيّنت أنّ الحال ليس كذلك . و الأدوية لا سيما تلك التي تعالج إجهاد مقاومة العقاقير مسعّرة أسعارا خارج متناول الناس و خارج حتّى ما يمكن أن تصرفه حكوماتهم كما أنّ الأدوية سرعان ما تُصبح غير موجودة .
و كتب غرين ، " من الهند إلى بوليفيا و من كمبوديا إلى أثيوبيا ، الأمم التي يكون فيها الدخل متدنّيا أو متوسّطا تتواصل فيها نسب الوفايات جرّاء مرض السلّ أعلى من تلك التي في الولايات المتّحدة ما قبل عهد المضادات الحيويّة ... الأمر كما لو أنّ العلاج غير موجود ". نسب مرض السلّ في أثيوبيا أعلى من النسب التي كانت في الولايات المتّحدة سنة 1882 عندما تمّ إكتشاف البكتيريا التي تتسبّب في المرض .
و في حين أنّ الطُرق التي تعاطت بها القوى العظمى مع مرض السلّ طرق رهيبة ، فإنّ جواب نظام ترامب الفاشيّ يمضي إلى أبعد من ذلك ؛ إنّه فاسد و إبادي جماعيّ . و قد قطع ترامب تمويل برامج توفّر أيّ مساعدة للبلدان الفقيرة و جعل الولايات المتّحدة تغادر منظّمة الصحّة العالميّة . و حسب دراسة أجراها معهد هارفارت تي هش تشان للصحّة العامة و معهد جامعة بستن للصحّة العامة ، ستتسبّب إجراءات ترامب في 8.9 مليون حالة مرض سلّ للأطفال و أكثر من 1.5 وفاة في صفوف الأطفال طوال العشر سنوات القادمة .
و يحاجج غرين بأنّ القاتل الحقيقي لم يعد البكتيريا و إنّما العلاقات الإقتصاديّة و السياسيّة : الإستغلال و الإستعمار و العنصريّة و الفقر . غير أنّه يرى الحلّ في منظّمات الإغاثة العالميّة مثل أطبّاء بلا حدود و شركاء في الصحّة التي توفّر رعاية صحّية للناس في البلدان الفقيرة و في المساعدات الطبّية من الحكومات و المنظّمات غير الحكوميّة ، و في رغبة الناس في عالم أكثر عدلا .
و بينما يمكن لمثل هذه التحرّكات أن تحسّن من ظروف الناس بطرق محدودة ، فإنّ الواقع هو أنّنا نواجه نظاما قائما على الإستغلال و النهب العالميّين و تحرّكه المنافسة بلا رحمة من أجل تحقيق الأرباح . لا يتعلّق الأمر بالناس و إنّما بالنظام الاقتصادي و حساباته ل " فعاليّة التكاليف " و " الربحيّة " المحدّدين لما يقع إنتاجه .
و في حين أنّ هناك الكثير يمكن تعلّمه من شخص مثل جون غرين ، لإجتثاث عديد الفظائع التي يفرزها بلا هوادة هذا النظام ، و إنشاء نمط حياة جديد تماما ، نحن في حاجة إلى الغوص تحت السطح و إلى فهم أنّ المشكل الحقيقي يكمن في النظام الرأسمالي – الإمبريالي و الحلّ يكمن في ثورة قائمة على الشيوعيّة الجديدة .
و مثلما قال بوب أفاكيان في رسالته للسنة الجديدة 2025 :
" هذا النظام عبثيّ تماما – عبثيّ إجراميّا و وحشيّا – و فات أوانه كلّيا : لقد إنتهى تاريخ صلوحيّته ، فات وقت كان بوسعه فيه أن يؤدّي إلى أيّ شيء إيجابيّ بالنسبة إلى الإنسانيّة – و بالعكس ، بات يقف حاجزا مباشرا أمام تطوّر الإنسانيّة من كلّ هذا الجنون و الفظائع و العذابات غير الضروريّة . "
نحتاج و نطالب بنمط حياة جديد تماما و نظام مغاير جوهريّا !