كوبا لاتزال تكتب تاريخها الخاص!
عادل احمد
2026 / 6 / 1 - 18:38
في الآونة الأخيرة، تصاعدت الضغوطات الأمريكية على كوبا، الدولة الجزيرة المحاصرة، لتصل إلى حد التهديد بحملة عسكرية ومحاولة الاجتياح بالقوة. وهذا ليس سوى التعبير الأكثر دقة للسياسة "الترامبية" القائمة على استعادة "الكرامة الأمريكية" المزعومة، وقوة رأسمالها، والحفاظ على مكانتها العسكرية والسياسية، بعد تآكل موقع واشنطن كقوة عظمى بلا منازع.
إن إزاحة كوبا من المشهد السياسي تحمل دلالة عميقة، وذلك لأنها ظلت تتحدى الإمبريالية الأمريكية لعقود، منذ وصول فيدل كاسترو ورفاقه إلى الحكم عام 1959 وإسقاطهم حكومة باتيستا الموالية لواشنطن. فكون هذه الجزيرة الصغيرة قبالة السواحل الأمريكية قادرة على الصمود طوال هذه السنوات، والتحول إلى قلعة لمواجهة السياسات الأمريكية في أمريكا اللاتينية، هو ظاهرة غير مقبولة بالنسبة للولايات المتحدة.
صحيح أن العالم تغير بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتلاشى الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الروسي للجزيرة، إلا أن كوبا ظلت رمزاً للتحدي. صمدت رغم الأوضاع الاقتصادية المزرية التي يعيشها الكوبيون، ورغم الحصار الاقتصادي وآثاره المدمرة، وتفاقم المعاناة والفقر والجوع، ورغم منع وصول التكنولوجيا الحديثة والمتقدمة إليها بسبب هذا الحصار.
في المقابل، جددت كل من الصين وروسيا مؤخراً اهتمامهما بكوبا باعتبارها قلعة في صراعاتهما الاقتصادية والسياسية مع أمريكا، وتحاولان إعادة بناء الدولة الكوبية ضمن استراتيجيتهما في أمريكا اللاتينية، ومن بينها فنزويلا. وإزاء ذلك، قررت الولايات المتحدة إزاحة كل العوائق الصعبة في صراعها مع الصين، بدءاً من بنما، ثم فنزويلا وكولومبيا، وأخيراً كوبا، التي تُعتبر العقبة الأصعب في هذه المواجهة.
كانت كوبا رمزاً لتحدي السياسات الأمريكية، ولا تزال شوكة في عيون الدولة الأمريكية. لم يغير ذلك تعاقب رؤساء أمريكا طوال سنوات حكم كاسترو ورفاقه، ولا استمرار الحصار وسياسات إجهاض النمو الاقتصادي والتجويع الممنهج للشعب الكوبي. هذا التحدي تحول إلى أشبه بـ"حقد سياسي"، فلا يمر يوم دون ان تفبرك مزاعم حول كون كوبا دولة راعية للإرهاب أو خطر على الأمن القومي الأمريكي.
واليوم، ومع بروز الاقتصاد الصيني العملاق، وصل هذا الحقد السياسي والعقدة التاريخية إلى نقطة فاصلة، تدفع أمريكا إلى انتهاج سياسة أكثر عنفاً ووضوحاً في عدائها وأهدافها لإسقاط هذه القلعة بكل الوسائل الممكنة، حتى استعمال القوة المباشرة للإطاحة بحكومة الجزيرة. فإعادة انتخاب ترامب وتوليه السلطة مجدداً في كانون الثاني 2025، وكون كوبا ضمن أول قراراته في يومه الأول، يؤكد سعيه لجعل أمريكا "عظيمة مرة أخرى" والتي تكمن في إخضاع الشعوب والأمم الأخرى، وإجبارها على الدخول في عجلة الاقتصاد الإمبريالي الأمريكي، وتحمل نتائجه الكارثية.
من المهم توضيح أن كوبا واقتصادها لا علاقة لهما بالاشتراكية أو الشيوعية، بل هي رأسمالية دولة فقيرة اقتصادياً. فهي توفر الخدمات للشعب بشكل متساوٍ نسبياً، والتفاوت الطبقي موجود لكنه طفيف بسبب ملكية الدولة لوسائل الإنتاج الصناعي والزراعي وجميع الخدمات الاجتماعية. لكن بسبب الحصار الاقتصادي وعدم وصول التكنولوجيا، فإن ما تقدمه الدولة من مأكل وملبس ومأوى لم يعد يكفي شعباً يتزايد عددهم باستمرار. ومع سيادة الجوع، تنتفي قدرة المجتمع على خلق اقتصاد متين يلبي احتياجاته. ولهذا السبب يتوزع الفقر بين أبناء المجتمع الكوبي، ولكن مع عدم وجود حواضن إجرامية أو بيئة للاحتيال. ورغم الفقر، يتمتع الشعب الكوبي بالكرامة، كما أن مستويات التعليم والخدمات الطبية متقدمة.
لنقارن كوبا ببقية جزر الكاريبي التي تقيم علاقات جيدة مع أمريكا والغرب؛ مثل جمهورية الدومينيكان، جامايكا، هايتي، سانت لوسيا، بربادوس وغيرها. هذه الجزر يعمها الفقر المدقع والفارق الطبقي بأبشع صوره. الأغنياء هناك يتمتعون بكل وسائل الرفاهية، ولهم ارتباطات بكارتيلات المخدرات الأمريكية، بينما الأغلبية الساحقة تتضور جوعاً، وتنتشر الجريمة والأوبئة بين الطبقات الفقيرة. فلماذا تريد أمريكا والسياسة الترامبية تحويل كوبا إلى مثيلاتها الكاريبية؟ ولماذا تحاول استثمار رأس المال الأمريكي في كوبا لتنمية أرباح الشركات الكبرى، على أن يكون نصيب الفقراء من الكوبيين هو المزيد من الفقر؟ إن ادعاءات ترامب حول فشل الدولة الكوبية اقتصادياً وسياسياً ليست سوى أكذوبة كبيرة، هدفها الأساسي جني الأرباح في الأسواق الكوبية واستنزاف دماء العمال والكادحين فيها.
إن وقوف الإنسانية المعاصرة بوجه السياسات الأمريكية في كوبا وفنزويلا وإيران وكولومبيا، وتدخلاتها في كل مكان، هو واجب إنساني لكل الأحرار والشرفاء. ويجب إيقاف هذه السياسات التي تحرم الشعوب من تقرير مصيرها. والعالم دون هذه السياسات المتغطرسة سيكون أقل خطورة. صحيح أن دولاً إمبريالية أخرى كفرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا والصين تمارس أيضاً سياساتها العدوانية، لكن أمريكا اليوم هي الأخطر بلا منازع. إن ما نراه من حرب روسية أوكرانية، والحورب التي تشنها إسرائيل في الشرق الأوسط، وحرب إيران، كلها تعبّر عن امتداد لهذه العنجهية الأمريكية. إن نموذج التحدي الكوبي، وإرادة الصمود بوجه أمريكا والغرب، هو ما تحتاجه الطبقة العاملة العالمية كمثال يحتذى به في النضال بوجه الرأسمالية العالمية، وفي مقدمتها أمريكا.