سلسلة بوصلة سياسية / ما بعد الديمقراطية: 2- الطريق الثالث وتحولات الديمقراطية الليبرالية


عبد الكريم اوبجا
2026 / 5 / 21 - 17:52     

تبلور مشروع "الطريق الثالث" في سياق تاريخي اتسم بتحولات كبرى عرفها العالم منذ أواخر القرن العشرين، خاصة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وصعود العولمة النيوليبرالية وهيمنة اقتصاد السوق. ففي تلك المرحلة، ظهر وكأن الرأسمالية الليبرالية قد أصبحت النموذج الاقتصادي والسياسي الأكثر واقعية، بينما دخلت الأحزاب الاشتراكية والاجتماعية الديمقراطية في أزمة عميقة بسبب تراجع قدرتها على تقديم بديل اقتصادي وسياسي مقنع داخل عالم متغير بسرعة.

في هذا السياق، طرح أنتوني غيدنز إعادة بناء الديمقراطية الاجتماعية عبر ما سماه "الطريق الثالث"، باعتباره محاولة لتجاوز الثنائية التقليدية بين النيوليبرالية والاشتراكية الكلاسيكية. فالتحولات المرتبطة بالعولمة والثورة التكنولوجية وصعود الفردانية قد جعلت الكثير من مفاهيم اليسار التقليدي غير قادرة على تفسير الواقع الجديد. لذلك دعا إلى بناء نموذج سياسي جديد يجمع بين اقتصاد السوق والعدالة الاجتماعية وتحديث دولة الرفاه والديمقراطية الليبرالية.

وقد ارتكز مشروع الطريق الثالث على فكرة أساسية مفادها أن الدولة لم تعد قادرة على التحكم الكامل في الاقتصاد داخل عالم معولم، وأن المطلوب ليس مواجهة السوق أو تجاوز الرأسمالية، بل إصلاحها وجعلها أكثر "إنسانية" و"كفاءة اجتماعية". ولهذا دعا غيدنز إلى تشجيع المبادرة الفردية، والاستثمار في التعليم والتكوين، وتحديث الإدارة العمومية، وبناء شراكة بين الدولة والسوق، وربط الحقوق الاجتماعية بالمسؤولية الفردية.

وجدت هذه التصورات تعبيرها السياسي العملي في تجارب بارزة، نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، حيث تبنت الأحزاب الاجتماعية الديمقراطية خطابا جديدا يقوم على الوسطية والتوافق والإصلاح التدريجي والتكيف مع العولمة. ففي بريطانيا، قاد توني بلير من خلال حزب "العمال الجديد" (1997-2010)، سياسات "الخطة الجديدة" وبرنامج "الرفاه إلى العمل" بتحويل نظام الرفاه الاجتماعي من نظام يقوم على منح إعانات مالية إلى نظام يشجع ويلزم العاطلين عن العمل على الانخراط في سوق العمل، مع الحفاظ على ضبط مالي صارم ومنح استقلالية لبنك إنجلترا، وتشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص. حققت هذه التجربة نجاحا انتخابيا كبيرا لثلاث دورات متتالية، لكنها واجهت انتقادات شديدة بسبب حرب العراق وتراجع جودة الخدمات العامة.

وفي الولايات المتحدة، فقد ركز بيل كلينتون و"الديمقراطيين الجدد" (1993-2001) على إصلاح نظام الرفاه بربطه بالعمل، واعتماد اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية "نافتا"، وإلغاء بعض القيود على القطاع المالي، مما حقق فائضا في الميزانية الفيدرالية، لكن شهدت فترته ارتفاعا للتفاوتات الاجتماعية والفجوة بين الأغنياء والفقراء رغم النمو الاقتصادي. أما في ألمانيا، فعمد غيرهارد شرودر (1998-2005) على تنفيذ برنامج "أجندة 2010" الذي تضمن إصلاحات جذرية في سوق العمل وزيادة مرونة التوظيف، حيث ساهمت هذه الإصلاحات في تعزيز القدرة التنافسية الألمانية على المدى الطويل، لكنها أثارت احتجاجات نقابية واسعة كلفت شرودر شعبيته.

بشكل عام، حققت سياسات "الطريق الثالث" نجاحا انتخابيا قصير الأمد وأسهمت في تكيف يسار الوسط مع العولمة والاقتصاد الجديد، لكنها تعرضت لانتقادات جراء تحولها إلى "نيوليبرالية بوجوه إنسانية"، فرغم طابعها الإصلاحي، لم تشكل قطيعة حقيقية مع النيوليبرالية، بل تحولت تدريجيا إلى صيغة أكثر ليونة، وبعد أزمة 2008 المالية، تراجع تأثيرها نسبيا.

فالأحزاب التي تبنت هذا النهج قبلت عمليا بمنطق السوق والعولمة المالية، واستمرت في سياسات الخصخصة وتحرير الاقتصاد ومرونة الشغل وتقليص دور الدولة الاجتماعية، وهو ما أدى إلى تراجع الفوارق السياسية والإيديولوجية بين اليمين واليسار التقليدي. وقد ساهم هذا التحول في إضعاف الوظيفة التمثيلية للأحزاب السياسية، وفي تحويل السياسة من مجال للصراع الاجتماعي والإيديولوجي إلى مجال للتدبير التقني والتوافق حول نفس الخيارات الاقتصادية الكبرى، وهو ما سيعرف بمرحلة "ما بعد السياسة" و"ما بعد الديمقراطية".