بوب أفاكيان : في الردّ على أفكار جاهلة و غبيّة ( الجزء 1 )


شادي الشماوي
2026 / 5 / 19 - 22:11     

جريدة " الثورة " عدد 957 ، 18 جانفي 2026
www.revcom.us

مقدّمة : في ختام مقالي السابق بشأن جريدة " النيويورك تايمز " و جرائم الحرب (* )، أشرت إلى التالي :
" قريبا : سلسلة مقالات عن " إعلان الإستقلال " ( و القضايا ذات الصلة ) : خلق و تشويه الواقع و التاريخ – خدمة للفظائع الحقيقيّة و المتكرّرة .
و بعد ذلك : لماذا إلتحق الكثير من السود بالجيش الإتّحادي خلال الحرب الأهليّة ... و ما علاقة ذلك بما يجرى اليوم .
و هذه المقالات بالفعل تصدر قريبا لكن قبل ذلك ، يبدو من المهمّ أن نردّ على فكرتين جاهلتين و غبيّتين ، لسوء الحظّ ، يدافع عنهما عدد كبير من الناس الذين يعتبرون انفسهم " أناس مفكّرين " و / أو " متيقّظين " ... " تقدّميّون " ..." يساريّون " . و الفكرتان الجاهلتان و الغبيّتان هما : 1- لا وجود لشيء إسمه الحقيقة الموضوعيّة ... و ليس حتّى من الممكن معرفة ما هو صحيح ؛ و 2- مهما كان نوع الدولة ، حتّى سلطة الدولة الإشتراكيّة الثوريّة ، فهو شيء فظيع و إضطهاديّ .
الجزء الأوّل : أجل – هناك حقيقة موضوعيّة – و من الممكن معرفة ما هو صحيح :
حاليّا ، واحدة من التعبيرات الأساسيّة الأكثر ضررا لمعارضة الفهم الصحيح و العلمي لما هو صحيح و كيف نبلغ الحقيقة ، هو المفهوم الغالط تماما و الذى تروّج له نسبيّة " هويّة اليقظة " ، بأنّه لا وجود لحقيقة موضوعيّة و بدلا منها هناك " حقائق " خاصة و ذاتيّة مختلفة تتناسب مع " التجربة المعاشة " من طرف مجموعات " مهمّشة " متباينة ، و أنّ فقط شخصا ضمن " مجموعة مهمّشة " معيّنة بوسعه فهم " الحقيقة " بشأن تلك المجموعة و " تجربتها المعاشة " . في رسالتي على وسائل التواصل الاجتماعي عدد 23 ، في السنة الماضية ، 2025 ، رددت على هذا بشكل مباشر :
" لا توجد أشياء مثل " الحقائق " المختلفة بالنسبة إلى الناس المختلفين . يمكن أن تكون تجارب الناس مختلفة ، إلاّ أنّ الحقيقة حول كلّ هذا هي ذاتها بالنسبة إلى الجميع . مرّة أخرى الحقيقة هي ...الحقيقة . "
و يجب أن نقول بوضوح إنّ " التجربة المباشرة ليست ، في حدّ ذاتها ، أساس إدراك الحقيقة . فالتجربة ليست " عتبة " الفهم الصحيح . لا سيما عندما يتعلّق الأمر بأيّ شيء أبعد من مجرّد ظاهرة ، للحصول على فهم صحيح لشيء ما ، لا بدّ من التوغّل تحت عتبة التجربة المباشرة و إنجاز تحليل و تلخيص : تشخيص الواسع الأوسع نطاقا التي تشكّل التجربة المباشرة جزءا منه ، تفحّص النماذج و القوى و الأسباب الكامنة في و المحرّكة للأشياء المعنيّة. و هذا المنهج العلميّ يمكن أن يُطبّقه و يحتاج أن يُطبّقه الناس عامة – ليس فقط بمعنى ما هي تجربة الناس المباشرة بل بالنظر إلى تجربة الإنسانيّة على نطاق واسع .
و مثال أساسيّ – العلاقة بين المريض و الطبيب – يمكن أن تخستعمل لمزيد توضيح هذه المسألة الهامة لمنهج و مقاربة الحقيقية . للمريض " تجربة معاشة " متّصلة بالأعراض التي يعاني منها ، لكنّها ليست الشيء نفسه و فهم أسباب هذه الأعراض و العلاج الممكن . فالفهم و العلاج يتطلّبان العلم – ة خاصة في حال علم الطب – و لذلك ، نحتاج إلى المضيّ إلى طبيب و إلى تطبيق هذا العلم .
في كتابي " إختراقات ..." و في أعمال أخرى ألّفتنا أنا و آخرون ( على موقع أنترنت revcom.us و في المجلّة النظريّة على الأنترنت " تمايزات " ) ، هناك نقاش مطنب للأبستيمولوجيا ( مقاربة المعرفة و الحقيقة ) و خاصة لماذا و كيف من الممكن تحديد ما هو صحيح . ( بعض هذا التحليل و الإحالة على موارد مناسبة ، مضمّن في الهامش ( ** ) في نهاية هذا المقال ) .
و التالي من مقالي " الفلسفة و الثورة " الجزء 1 ( متوفّر على موقع أنترنت revcom.us ) ، يتطرّق لجوهر المسألة :
" بلوغكم عمليّا الحقيقة من عدمه يتحدّد بما إذا كان أو لم يكن فهمكم يتناسب مع – إنعكاس دقيق – للواقع الموضوعي . ( نضرب مثالا بسيطا : إن قال أحدهم أنّ المطر يهطل لكن ليس هناك مطر ، تأكيده ليس صحيحا – لأنّه ليس إنعكاسا صحيحا للواقع الموضوعي . أو ، إذا قال أحدهم أنّ داء الكلب ينتشر بين الناس لأنّ الشيطان يتملّكهم ، أو أنّ الكوفيد غير موجود عمليّا و إنّما وقع إختراعه من طرف الشركات الصيدلانيّة لتكسب المال – فهذه التأكيدات هي أيضا ليست إنعكاسا صحيحا للواقع . لكن ، إن قال شخص داء الكلب سببه فيروس و يمكن فعليّا مواجهته بتلقيح – و الكوفيد فيروس مختلف يمكن التقليل من تأثيراته بتلقيح مختلف – فإنّ هذه التأكيدات إنعكاس صحيح للواقع الموضوعي ، وبالتالي هي حقائق ) . "
فكّروا في هذا : إن لم يكن من الممكن معرفة ما هو صحيح ، لم تكن لتوجد تلاقيح لقتال أعراض الكوفيد ، و لا تلاقيح للتعاطي مع التداعيات المريعة لداء الكلب – و لا وقاية أو علاج للأمراض ، بما في ذلك الجدري و الطاعون اللذان تسبّبا في موت أعداد هائلة من البشر في الماضي . و بالفعل ، كلّ الخطوات التقدّميّة ذات الدلالة ، و ليس فقط في الطب و إنّما أيضا في كافة حقول العلم – و في التقنية ، و عامة تغيير الواقع المادي ، هم الذين أنشؤوا عددا كبيرا من الأشياء التي إعتدنا عليها الآن ، و التي عادة ما نعتبرها أمورا مفروغ منها – كلّ هذا كان من الممكن أن لا يوجد ، إن كان حقّا من غير الممكن معرفة ما هو صحيح .
و حتّى الحواسيب التي يكتب عليها بعض الناس ذلك الهراء حول عدم إمكانيّة معرفة ما هو صحيح ، لم تكن لتوجد إن كان عمليّا من غير الممكن معرفة الحقيقة !
و من الصحيح أنّ بعض الأشياء المريعة نشأت على أساس توصّل بعض الناس إلى الحقيقة بصدد أشياء ذات ذلالة – كما هو الحال بالنسبة إلى تطوير أسلحة نوويّة . لكن ، مهما كان ذلك فظيعا ، فهو مع ذلك تعبير عن الواقع العلمي الأساسي القائل بأنّه من الممكن التوصّل إلى معرفة الحقيقة بشأن الواقع ( بما في ذلك الحقيقة بشأن فظائع الأسلحة النوويّة ) .
و من الصحيح أيضا ، كما أشرت في " إختراقات ..." ، أنّ÷ من غير الممكن معرفة كلّ الحقائق بخصوص كلّ شيء – و بعض الأشياء التي كان يُعتقد أنّها صحيحة تبيّن أنّها ليست كذلك ، في جزء منها أو في جملتها ، نتيجة مواصلة البشر تحصيل المعرفة ، لا سيما بواسطة تطبيق المنهج العلميّ . و هذا التصحيح للأفكار المعتقد سابقا في صحّتها ، لكنّها عمليّا غير صحيحة ، جزء من المراكمة الجارية للمعرفة ( التوصّل إلى الحقيقة الفعليّة للواقع الفعلي و الموضوعي ) . من طرف البشر .
و مرّة أخرى ، من مقالي الحامل لعنوان " الفلسفة و الثورة " ، الجزء 1 :
" و طبعا ، تحديد أنّ شيئا حقيقة – هو عمليّا إنعكاس صحيح للواقع الموضوعي – ليس مجرّد مسألة إعلان أنّ الأمر كذلك. محكّ الحقيقة هو الواقع عينه . و من أجل التركيز الصلب لحقيقة شيء ( فكرة ، نظريّة ، و ما شابه ) من الضروري إنجاز سيرورة قائمة على الدلائل ، إختبار الواقع و تحديد النماذج و القوى والأسباب الكامنة و المحرّكة في الواقع الذى يقع بحثه، مطلقين فرضيّات حول مآل بعض تحرّكات و تغيّرات الواقع و التفاعل الإجرائي و عن وعي مع الواقع لإختبار – إثبات أو تفنيد – الفرضيّات المقترحة .
و في نهاية المطاف ، محكّ أيّ نظريّة إلخ هو ما إذا كانت أم لا ما تعكسه من الواقع أكيد أم لا . و في الوقت نفسه ، النظريّة العلميّة، مستخدمة إستخداما صحيحا ، يمكن – على أساس التجربة و المعرفة التاريخيّتين المراكمتين – أن تعكس بدقّة ما سيكون على الأرجح نتيجة سيرورة تطوّر أشياء . و على سبيل المثال ، هذا هو الأساس الذى عليه يمكن لعلماء المناخ أن يقوموا بتوقّعات صحيحة في الأساس حول ما سيتطوّر إنطلاقا من النزعات التاريخيّة و الحاليّة . و لهذا يمكن التأكيد علميّا أنّ الإطاحة بالرأسماليّة و تعويضها بالشيوعيّة ، من المصالح الجوهريّة لجماهير الإنسانيّة ، و في نهاية المطاف الإنسانيّة ككلّ . "
و مرّة أخرى ، الواقع هو أنّ البشر بلغوا ( و سيواصلون بلوغ ) الحقيقة بشأن عديد الأشياء . و من الحقائق الأكثر أساسيّة و حيويّة يحتاج ليس بعض الناس فحسب و إنّما تحتاج الجماهير الشعبيّة إلى التوصّل إلى فهمها هي حقيقة الطبيعة الجوهريّة ( العلاقات الأساسيّة و الديناميكيّة الأساسيّة و " قوانين حركة " ) النظام الذى نحن مجبرون على الحياة في ظلّه – نظام الرأسماليّة – الإمبرياليّة – و الحقيقة العميقة أنّ هذا النظام لا يمكن إصلاحه ليصبح شيئا إيجابيّا بالنسبة إلى الإنسانيّة ، و على العكس ، يجب و يمكن أن يقع كنسه بواسطة ثورة فعليّة و تعويضه بنظام مغاير جوهريّا و تحريري حقّا : الإشتراكيّة التي تهدف إلى بلوغ الشيوعيّة عبر العالم ، مع إلغاء كافة علاقات الإضطهاد و الإستغلال ، في كافة أنحاء الكوكب . (***)
هوامش المقال :
* العنوان الكامل لهذا المقال ، حول جريدة " النيويويرك تايمز " و جرائم الحرب ، هو " جريدة " النيويورك تايمز " تؤكّد دعمها لجرائم الحرب – عندما تكون جرائم حرب"نا" " نحن " . و هذا المقال متوفّر بالأنجليزيّة على موقع أنترنت revcom.us . [ و هذا المقال متوفّر باللغة العربيّة على صفحات الحوار المتمدّن ، ترجمة شادي الشماوي ].
** و إليكم التالي من كتابي " إختراقات : الإختراق التاريخي لماركس و مزيد الإختراق بفضل الشيوعيّة الجديدة ، خلاصة أساسيّة" [ و هذا الكتاب متوفّر منذ سنوات باللغة العربيّة بمكتبة الحوار المتمدّن ، ترجمة شادي الشماوي ] يشمل نقاشا لما هي الحقيقة و إمكانيّة ( و وسائل ) بلوغ الحقيقة :
" على المركبات الجامعيّة و في غيرها من الأماكن ، لا سيما في صفوف الأنتلجنسيا ( مستخدما المصطلح نوعا ما بأناة ) ، ثمّة مفهوم ، مفهوم مستشرى إلى حدّ كبير ، مفاده أنّ مفهوم الحقيقة ذاته ، في تعارض مع مختلف الروايات و مختلف " الحقائق " مفهوم شمولي جوهريّا - فكرة أنّ أي شخص بوسعه إمتلاك الحقيقة شيء شمولي وهو على وشك أن يكون ، إن لم يكن بعدُ ضمن، إطار الشموليّة . حسنا ، شيء ما يقع تسريبه هنا ، وهو فكرة غير علميّة عن ما هي الحقيقة . ما يقال حقّا هنا أو موضوعيّا ما ينعكس هنا هو مفهوم أنّ الحقيقة مجرّد رواية أخرى و أنّه عندما نقول إنّنا نمسك بالحقيقة ، نحاول أن نفرض روايتنا على شخص آخر ، و لا يجب على أي شخص أن يسعى إلى فرض روايته على أنّها الرواية التي تشمل كلّ شيء . جوهر المسألة و ما هو على كفّة الميزان هنا هو تحديدا : ما هي الحقيقة ؟ الحقيقة هي إنعكاس عملي صحيح للواقع ، بما في ذلك الواقع في حركته و تطوّره . و طبعا ، صحيح أنّ لا أحد بوسعه أبدا أن يمسك بالحقيقة كلّها . و هذا جزء من فهم الواقع فهما صحيحا ، جزء من المنهج العلمي. لكن ، في تعارض مع هذا الإنكار العبثي ( و الخادم للذات ) من قبل أناس أمثال روبار أ. روبين ، صحيح أنّه بوسعنا أن نبلغ تحديدات معيّنة و نهائيّة حول واقع عديد الأشياء الخاصة ، حتّى و علينا دائما أن ننفتح على مزيد التعلّم ، و على إمكانيّة أن بعض ما إعتقدنا أنّه صحيح يمكن أن يتكشّف أنّه ليس صحيحا ، أو تحدث تطوّرات جديدة تعنى أنّ العالم قد تغيّر على نحو يفرض على فهمنا التعديل . و كلّ هذا جزء من المنهج العلمي كذلك . حين نتحدّث عن الحقيقة ، لا نتحدّث عن الحقيقة كحقيقة مطلقة و نهائيّة و لكنّنا لا نتحدّث كذلك عن رواية . نتحدّث عن مقاربة علميّة لفهم الواقع و من ثمّة ، على هذا الأساس ، تغييره . و المقاربة العلميّة لهذه السيرورة من تحليل الواقع و تلخيصه يمكن أن تتوصّل إلى إستنتاجات نهائيّة هامة ، حتّى و هذه السيرورة المستمرّة لا تكتمل أبدا لأنّه ليس بإمكاننا أن نستوعب الواقع كلّه - بما فيه لأنّه في تغيّر مستمرّ و لأنّه ستوجد دائما مظاهر من الواقع لن يكون البشر بعدُ قد توغّلوا فيها حتّى في أي زمن معطى ، فما بالك بالتوصّل إلى فهمها . لذا تسرّبت هذه الفكرة عن الحقيقة على أنّها مفهوم شمولي و كلياني ضمن حزمة كاملة من المفاهيم و المقاربات التي هي ذاتها غير علميّة وغير صحيحة. "
و قد تمّ تناول المسائل المتّصلة بطبيعة الحقيقة و بلوغ فهم الحقيقة كذلك في بحث في مجلّة " تمايزات " عدد 4 : " آجيث : صورة بقايا الماضي " لإيشاك باران و ك ج أي ، لا سيما القسم الرابع ، " هل للحقيقة طابع طبقي ؟ " و القسم السادس ،" بعض النقاط بشأن الفلسفة و العلم "؛ وفي عملي " القيام بالثورة و تحرير الإنسانيّة " ، الجزء 1 ، " أبعد من الأفق الضيّق للحقّ البرجوازي "، خاصة قسم " الماركسيّة كعلم – دحض كارل بوبر " ، و بالأخصّ القسم الفرعي " العلم و الحقائق العلميّة " ( و هذا متوفّر ضمن الأعمال المختارة لبوب أفاكيان على موقع أنترنت revcom.us ).
*** و تجدون نقاشا للديناميكيّة الأساسيّة و ل " قوانين حركة " النظام الرأسمالي ، خاصة كما تطوّر إلى رأسماليّة – إمبرياليّة ، و عدم إمكانيّة إصلاح هذا النظام ، في مقالي " التحوّل الأوّلي إلى رأسمال ... و وضع نهاية إلى رأس المال " . و قد تعمّقت أكثر في هذا في عملي الحديث " الإنسانيّة على حافة هاوية : سير قسري نحو الهاوية أم صياغة طريق للخروج من هذا الجنون ؟ " و بطريقة مطوّلة أكثر في مقال ريموند لوتا في مجلّة " تمايزات " عدد 3 : " حول " القوّة المحرّكة للفوضى " و ديناميكيّة التغيير، نقاش حاد و جدال إستعجالي : النضال من أجل عالم مغاير راديكاليّا و النضال من أجل مقاربة علميّة للواقع ". [ مقال ريموند لوتا متوفّر باللغة العربيّة على صفحات الحوار المتمدّن ، ترجمة شادي الشماوي ]
و يوفّر " دستور الجمهوريّة الإشتراكيّة الجديدة في شمال أمريكا " الذى ألّفته ، رؤية شاملة و خطّة ملموسة من أجل نظام مغاير جوهريّا و تحريريّ حقّا : الإشتراكيّة الهادفة إلى بلوغ الشيوعيّة عبر العالم .
و سيتمّ مزيد نقاش هذا في الجزء الثاني .