حول طبيعة طقس الأضحية في المغرب
محسين الشهباني
2026 / 5 / 18 - 16:35
لا يمكن فهم طقس الأضحية في المغرب بمعزل عن البنية الطبقية والتبعية الإمبريالية التي تحكم بلادنا. فكل طقس اجتماعي، وإن تلبّس بلباس ديني، هو في جوهره تعبير عن علاقات الإنتاج السائدة وعن الصراع الطبقي الدائر داخل المجتمع. والأضحية ليست استثناءً.
إن تقديم القرابين ظاهرة تاريخية أقدم من الإسلام، ارتبطت بعجز الإنسان الأول أمام قوى الطبيعة. ومع تطور المجتمعات الطبقية، تحوّل القربان من أداة لاستعطاف قوى الطبيعة إلى أداة لإعادة إنتاج هيمنة الطبقة السائدة.
في الانتقال من التضحية بالإنسان إلى التضحية بالحيوان، كما في رواية إبراهيم، لم يُلغ جوهر الطقس، بل تغيّر شكله ليتلاءم مع مرحلة سيطرة الديانات وترسيخ فكرة الإله الواحد. وهكذا احتفظ الطقس ببعد رمزي يخدم إعادة إنتاج النظام القائم.
الأضحية في المغرب من شعيرة إلى آلية للضبط الطبقي
في مجتمعنا ، لم تعد الأضحية مجرد شعيرة فردية، بل تحولت إلى مؤسسة اجتماعية قسرية تخدم إعادة إنتاج الهيمنة الطبقية.
البعد الإيديولوجي: صارت الأضحية معياراً للانتماء والهيبة الاجتماعية. من لا يذبح يُوصم بالتقصير، فيدفع الفقير ثمن ذلك من قوته وقوت أبنائه عبر الاستدانة. هذا هو "العنف الرمزي" الذي تمارسه البنية الفوقية لإخضاع الجماهير لمعايير البورجوازية الصغيرة والمتوسطة.
البعد الاقتصادي: يتحول موسم الأضحية إلى سوق موسمي رأسمالي-إقطاعي. الوسطاء، الكسابة، والمضاربون يحتكرون السوق ويضخمون الأسعار، فيمتصون فائض القيمة من الفلاحين الصغار والعمال والكادحين. وهكذا يتحول الطقس الديني إلى قناة لإعادة توزيع الثروة لصالح الطبقات الطفيلية.
البعد السياسي: إن استمرار هذا الطقس على شكله الحالي يخدم التحالف الطبقي الحاكم المكون من البورجوازية الكومبرادورية، البورجوازية البيروقراطية، والإقطاع الحديث. فهو يصرف سخط الجماهير نحو الاستهلاك الفردي والإنفاق الرمزي، ويمنع تحويله إلى وعي طبقي ونضال جماعي ضد التبعية والاستغلال.
إن موقف الدولة المبني على الازدواجية في التعامل مع القضايا من منطلق برغماتي اقتصادي يكشف طبيعتها الطبقية.مثل الخمر فهي تستفيد اقتصادياً من إنتاج وتسويقه ، بينما تجرّم المستهلك وتضبطه أخلاقياً. هذه الازدواجية تعبّر عن انفصال الدولة الاقتصادية التي تخدم السوق الإمبريالي، عن البنية الفوقية الأخلاقية والقانونية التي تضبط الجماهير.
إنها نتيجة استيراد تشريعات فقهية مشرقية وقوانين وضعية استعمارية، وفرضها على مجتمع مغربي واعتباره كتلة رقمية وسوق استهلاكية/زبائن لتصريف ازمات الراسمالية وابرام صفقات مع دول امبرالية لفتح الحدود امام صناعاتها لاستفادة من احتياطي جيش العاطلين كيد عاملة رخيصة وامام سلعها كسوق استهلاكية مفتوحة .
إن استمرار طقس القربان في عصرنا، وامتداده إلى الأضرحة والنذور للجن والسحر، يدل على أن البنية الطبقية التابعة لم تتجاوز مرحلة ما قبل الرأسمالية الصناعية. فالجماهير، في غياب قيادة ثورية، تلجأ إلى الأشكال القديمة لمواجهة القوى التي لا تسيطر عليها.
لكن السؤال الثوري يبقى: لو حوّلت قيمة هذه القرابين إلى دعم للمقاومة الفلسطينية، أو إلى مشاريع إنتاج جماعي في البادية والمدينة، واو ضحايا الفيضانات والزلازل بالحوز والهدم والترحيل بالدار البيضاء أما كان ذلك أجدى من إعادة إنتاج التبعية والاستهلاك؟
إن تحرير الطقس من وظيفته الطبقية لن يتم بالوعظ الأخلاقي، بل بتحطيم علاقات الإنتاج السائدة التي تنتجه. وهذا لا يتأتى إلا عبر بناء الحزب الثوري الطليعي، وتوحيد العمال والفلاحين والفئات الشعبية في جبهة وطنية ديمقراطية، وخوض حرب التحرير الشعبية الطويلة الأمد ضد التحالف الطبقي الحاكم والتبعية الإمبريالية.
الأضحية في المغرب اليوم ليست مجرد عبادة، بل هي:
سوق لإعادة إنتاج تراكم الطبقات الطفيلية.وآلية ضبط اجتماعي وأيديولوجي للجماهير ومظهر من مظاهر التبعية الثقافية والاقتصادية.
وتبقى مهمة الثوريين هي فضح هذا البعد الطبقي، وتحويل كل طقس شعبي من أداة للخضوع إلى أداة لفضح و التعبئة والتحرير. فلا تحر للوطن دون تحر الإنسان المنتج، ولا تحر للإنسان المنتج دون حزب طليعي يقود نضاله حتى النصر.