-قيادة التضاد: إيران بين فك الارتباط وأوهام الفتنة-


احمد صالح سلوم
2026 / 5 / 16 - 21:08     

في ضرورة تجاوز الظاهر

ليس القائد عند الأمم كالقطعة الشطرنج تُدفع على رقعة مرسومة سلفاً، بل هو معادلة تُصنع من التراب الوطني والدم والجغرافيا. حين ننظر إلى إيران منذ 1979، لا نرى تناوب رجال بقدر ما نرى جغرافيا سياسية متحركة، تفرضها لحظة تاريخية ثم تفرض نفسها عليها. فما أخطأ فيه المستشرقون الجدد، وسائل إعلام عابرة للقوميات، ومن خلفهم أجهزة استخبارات تلهث خلف "الرجل القوي" أو "الانشقاق المرتقب"، هو ظنهم أن القيادة الإيرانية تخضع لمنطق القصور الرئاسية الغربية. كلا. إنها تخضع لمنطق التكامل البنيوي بين مؤسسة الولاية الفقهيه، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، ومجلس صيانة الدستور، وهيئات التخطيط الاستراتيجي التي لا تظهر في نشرات الأخبار. هذا التكامل هو الذي جعل إيران، رغم كل العقوبات، تبدو اليوم وكأنها دولة صاعدة – بل نموذجاً للعالم الثالث في تمرّده على "الخطوط الحمراء" الغربية.

الخميني والظروف الموضوعية كولادة قسرية للسيادة

لم يختر الإمام الخميني "النأي بالنفس" عن الغرب حباً بالعزلة، بل اكتشف أن النظام العالمي (بريتون وودز، سويفت، هيمنة الدولار) لا يترك للدول الطرفية سوى دور منتج للمواد الأولية ومستهلك للتقنيات. فكانت الرؤية الثورية: إما استقلال كامل أو انحلال كامل.
في عهده، تأسست "اقتصاد المقاومة" كفكرة جنينية: ترشيد الواردات، تأميم الصناعات الكبرى، وإنشاء بنك مركزي بصلاحيات استثنائية للتحكم في الصرف. لم يكن اقتصاداً مثالياً – فقد عانى من تشوهات الريع النفطي وضعف الإنتاجية الزراعية – لكنه وضع البنية العقلية لفك الارتباط. وهو ما عبر عنه سمير أمين لاحقاً: "الاشتراكية في بلد واحد وهم، لكن فك الارتباط التدريجي شرط للبقاء".

خامنئي "الأب" والتحول إلى دولة المهمات المستحيلة

بعد حرب الثماني سنوات، ورث خامنئي دولة منهكة لكنها فخورة بثباتها. هنا بدأت المرحلة الأكثر تعقيداً: كيف تنتقل من شعارات "تصدير الثورة" إلى بناء مؤسسات تنموية قادرة على الصمود في عالم أحادي القطب؟
الذين قرأوا عهده كمجرد "تصلب أيديولوجي" أخطأوا. في الحقيقة، انفتحت إيران بهدوء على روسيا والصين، ودخلت في مفاوضات نووية لا لأنها تريد التنازل، بل لأنها أرادت شرعية دولية للتخصيب – وهو ما حصلت عليه جزئياً في خطة العمل الشاملة المشتركة (2015) قبل أن تنسفها واشنطن. كما أسست هيئة الأركان الاقتصادية التي رسمت خرائط طريق للصناعات الدفاعية والفضاء والنانو تكنولوجي، وهي صناعات لا تخصب الناتج المحلي بالصورة المباشرة، لكنها تعيد تعريف السيادة الوطنية: أن تصنع صاروخك بنفسك ولو كان أغلبه من أجزاء محظورة، هو أن تمتلك أداة المساومة في المفاوضات.

مرحلة الانتقال أو "الابن" كتوقع استخباراتي

هنا نصل إلى نقطة حساسة. كل التقارير الاستخباراتية الغربية منذ 2018 راحت ترسم سيناريوهات "صراع على الخلافة" بين مجتبى خامنئي وآخرين. لكن من أين جاءت هذه السيناريوهات؟ أساساً من توقع أن المؤسسات الإيرانية تعمل كالعوائل الملكية – وهذا قياس فاسد. مجتبى خامنئي، بحسب أوسع التسريبات غير المؤكدة، كان يدير ملفات أمنية واستخباراتية كبرى، وهو ما جعله يظهر في الكواليس كـ"ظل القائد". لكن لا دليل على أنه يمسك بزمام القيادة اليوم. الذي نعرفه يقيناً هو أن إيران دخلت مرحلة صنع القرار الجماعي بفعل الضغط: كل قرار استراتيجي – تعميق التخصيب، التوقيع على اتفاقية 25 عاماً مع الصين، أو الرد على اغتيال سليماني – يُعرض على دوائر متعددة: المرشد، المجلس الأعلى للأمن القومي، قادة الحرس الثوري، ولجنة خبراء القيادة. بمعنى آخر، الحديث عن "حكم شخص واحد" هو تبسيط تنقصه المهنية التحليلية، بل هو خدمة لرواية الفتنة التي تريدها المؤسسات الصهيونية لضرب التكامل الإيراني.

المؤشرات الاقتصادية – كيف تبدو الدولة الصاعدة حقاً؟

دعنا نتجاوز مؤشرات البنك الدولي (التي تصممها مراكز أبحاث واشنطن) ونتجه إلى مؤشرات غير تقليدية:

· نسبة التصنيع المحلي للأسلحة: 85% (وحسب تقديرات "جينز ديفينس" و"معهد ستوكهولم لأبحاث السلام"، إيران اليوم قادرة على صنع طائرة بدون طيار معقدة، نظام دفاع جوي محلي، وصاروخ باليستي دقيق. هذا ليس اقتصاداً متخلفاً، بل اقتصاد "دفاعي تنموي").
· عدد شركات المعرفة في مجال النفط والغاز: تجاوز الألف شركة، معظمها يعمل تحت عقوبات عبر وسائط محلية. وهذا يعني تسرب تكنولوجي عكسي: شركات صينية وروسية تبيع تراخيصاً ومعرفة، لكن التشغيل إيراني بالكامل.
· الربط مع محور المقاومة: ليس مجرد تمويل عسكري، بل إنشاء أسواق مشتركة صغيرة (مع سوريا الاسد والعراق واليمن) لتداول السلع الأساسية بعيداً عن الدولار. الريال الإيراني إلى جانب الليرة السورية والدينار العراقي – لوحة تجريبية لنظام نقدي متعدد الأقطاب.

نعم هناك عجز مزدوج (موازنة وتجاري) وتضخم يتجاوز 40% في بعض الأشهر. لكن هذا التضخم ليس تقليدياً: سببه الأساسي العقوبات التي تشل حركة النقد الأجنبي، وليس سوء الإدارة. إذن، إيران ليست "دولة صاعدة" بمعنى النمور الآسيوية، بل بمعنى دولة تقاوم بشراسة ضد الرأسمالية الاستغلالية، وتدفع ثمن هذه المقاومة يومياً.

شبكة التحالفات البنيوية – الصين وروسيا والمقاومة

أكثر ما يخيف الغرب في إيران اليوم هو تحولها من حليف تكتيكي (نبني صواريخ ونشتري قمحاً) إلى شريك بنيوي. ما معنى بنيوي؟

· مع الصين: اتفاق 2021-2046 لا يتحدث فقط عن نفط مقابل استثمارات، بل عن معايرة العملات (اليوان-ريال)، وربط أنظمة دفع (سويفت صيني بديل)، ونقل تقنيات الجيل الخامس للاتصالات. الصين لا تستثمر في إيران حباً بها، بل لأنها تريد ممراً برياً من آسيا الوسطى إلى البحر المتوسط، وإيران هي البوابة.
· مع روسيا: ليست مجرد أسلحة. هناك تنسيق في أوبك+ للتحكم بأسعار النفط، وتنسيق عسكري مع القوقاز، ومشروع خطوط غاز تعبر بحر قزوين لتموين أوروبا (عندما تعود العلاقات). روسيا تحتاج إلى إيران كطرف في "حرب العصب" ضد الأطلسي.
· مع محور المقاومة: هذه أكبر تحفة جيوسياسية للقيادة الإيرانية. تحويل أطراف غير دولة (حزب الله، الحوثيون، الحشد الشعبي) إلى وحدات رادعة تمتلك صواريخ دقيقة ومطارات وموانئ صغيرة، يعني أن إيران مددت عمقها الاستراتيجي خارج حدودها. اليوم لا يمكن شن حرب على إيران دون حرق المنطقة بأسرها.

اختراق الخطوط الحمراء – التنمية، النووي، العلاقة مع الشرق

ما هي "الخطوط الحمراء" التي يضعها الغرب للعالم الثالث؟

1. ألا تمتلك مشروعاً نووياً كاملاً (تخصيب، وتخصيب، ثم تخصيب) – وهذا هو بالضبط ما فعلته إيران.
2. ألا تستقل عن الدولار – إيران باعت نفطها باليوان، والروبل، وحتى بالذهب، منذ 2012.
3. ألا تشكل تكتلاً مع أعداء الغرب – وهي الآن عضو في مجموعة بريكس الموسعة، ومنظمة شنغهاي، وتنسق مع دول كثيرة .
كل اختراق لهذه الخطوط كان يُفترض أن تقابل بقصف أو غزو. لكن إيران صمدت، ليس لأنها أقوى عسكرياً من أميركا (كلا)، بل لأنها أدارت توقيتات التصعيد بمهارة: كلما اقتربت من القنبلة، عرضت مفاوضات؛ كلما شددت العقوبات، عمقت التهريب عبر حدود برية وبحرية. هذا هو فن البقاء في لعبة الكبار.

ثمن القيادة – شهداء وصبر استراتيجي

الغرب يتحدث عن "التضحيات" في سياق إنساني عابر، لكن إيران تتعامل مع الشهادة كحقيقة مؤسساتية. القادة الذين اغتيلوا – سليماني، فخري زاده، طهراني مقدم – ليسوا أفراداً، بل رموز لدولة تنتخب موت قادتها علناً وتستمر. هذا غير طبيعي في السياسة الغربية: الوزير الذي يُقتل يعني انهيار حكومة. في إيران، الاغتيال يُترجم إلى وحدة داخلية وتصعيد مزدوج.
و"إيثار القيادة" هنا ليس أدبياً، بل هو ترجمة عملية لـ"فك الارتباط": أن توافق على أن يصبح قادتك أهدافاً، مقابل أن تحتفظ بقدرتك على تخصيب اليورانيوم. أي قيادة في العالم الثالث تطمح لنفس المستوى يجب أن تدرك أن الخطوط الحمراء تُخترق بالجثث، لا بالبيانات الصحفية.

نقد الفتنة – العبارات الاستخباراتية كسلاح ضد التكامل

كل ما سبق – من خميني إلى خامنئي (الأب) إلى مرحلة صنع القرار الجماعي – يعيدني إلى الغرض الأساسي لهذه المادة: تفكيك الرواية الاستخباراتية الغربية الصهيونية التي تريد تصدير انطباع "خلاف داخل القيادة الإيرانية". لماذا؟
لأن عدو البنيوية التكاملية هو التشرذم. كيان الاحتلال لا يستطيع هزيمة إيران عسكرياً، لكنه يستطيع – بواسطة منصات إعلامية واختراقات سيبرانية وشبكات عملاء – تضخيم أي خلاف صغير بين المرشد ومجلس الخبراء، أو بين الحرس الثوري والجيش النظامي، أو بين الرئيس والبرلمان. هذه الاختلافات موجودة في أي دولة، لكنها في إيران تُقرأ كـ"صراع على السلطة" بينما هي في الحقيقة توزيع وظيفي للأدوار.
المطلوب من الباحث الجاد، ومن الصحفي المحترف، ألا يكون ناقلاً لأخبار "مصادر مطلعة" يسميها الغرب "معارضة إيرانية"، بل أن يرى المشهد ككل: دولة نامية، محاصرة، طموحة، يعمل فيها مئات الآلاف من الخبراء والمسؤولين والعسكريين، يختلفون ويتفقون، لكنهم متحدون على أمر واحد: فك ارتباط إيران عن المنظومة الرأسمالية الغربية.


أفق سمير أمين بين الحلم والصمود

في النهاية، إيران ليست الجنة الاشتراكية التي حلم بها سمير أمين، فهي لا تزال ريعية، طبقية، وعليها انتقادات داخلية كبيرة. لكنها التجربة الأكثر جدية في العالم الثالث لتطبيق فك الارتباط ليس كشعار، بل كبرنامج يومي يصطدم بالعقوبات والاغتيالات والتهديدات.
أفق أمين كان يتحدث عن "تفكيك النظام العالمي من الداخل"، أي بناء بدائل جزئية (بنك التنمية الجنوبي، عملات إقليمية، سلاسل إنتاج مستقلة) حتى ينهار هيكل الرأسمالية الاحتكارية. إيران، مع الصين وروسيا ومحور المقاومة، تسير في هذا الطريق – ولو ببطء، ولو بتردد، ولو بثمن بشري هائل.
أما الادعاءات بـ"الفتنة بين القادة" فهي مجرد حبر على ورق، يُكتب في مكاتب تل أبيب ولندن و وول ستريت ، ليُستهلك سريعاً. الحقيقة الميدانية الوحيدة: إيران ماضية في اختراق خطوطها الحمراء، ومن يريد أن يفهم القيادة هناك، عليه ألا يبحث عن اسم، بل عن هندسة مؤسسية تُنتج القرار بالقوة رغم كل الظروف الموضوعية.

........
قسم دراسات سمير امين في بيت الثقافة البلجيكي العربي ـ لييج ـ بلجيكا