نظرة اشتراكية: الوعي بالأخلاق بين المصلحة الجماعية والفردانية
عائد ماجد
2026 / 5 / 15 - 02:47
تتأرجح نوايا البشر في معاملتهم مع المجتمع – مع أي مجتمع كان -، فنرى من البشر من يريد إسعاد غيره أولًا، أو لا يفكر بأذية غيره وإن كان هذا سيعود عليه بمنفعة ما. وبما أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لا يمكن لنا عدم ملاحظة هذه النزعات التي عززتها العديد من المسارات والاتجاهات الفكرية منذ تطور الحضارة الإنسانية وازدهارها. وبعيدًا عن مناقشة هذه المسارات بذاتها، يجب أن نجيب على السؤال المحوري: ما السبب في الفردانية البراجماتية عند بعض البشر، بينما يتمتع بشر آخرون بنظرة أكثر جماعية وأكثر وعيًا بمشاعرهم وأحوالهم؟
وهناك العديد من الأمثلة التي سنطرحها بداعي المثال لا القاعدة العامة، مثل الملكة ماري أنطوانيت، ملكة فرنسا، زوجة الملك لويس، حيث لم يتنازل كلاهما عن الحياة الترفية التي تعودا على عيشها مقابل حل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي مر بها الشعب الفرنسي، حتى تمت الإطاحة بهما في الثورة الفرنسية. وفي الأدب الفرنسي، لكي لا نبتعد كثيرًا، نجد شخصية الأب مونسينور ميريل في رواية البؤساء لـفكتور هوجو، الذي مثل العطف والإنسانية والإخاء، وإن كان يبدو أكثر مثالية من الأشخاص الذين يمكن لنا ملاحظتهم على أرض الواقع.
لذا، من الجيد أن نأخذ أمثلة أكثر واقعية، ففي العالم العربي، وفي العراق تحديدًا، جزء من الناس كانوا يتشفون لما حصل في غزة من جرائم يندى لها جبين الإنسانية، وجزء آخر بين أعلى مراحل التعاطف معهم. ونجد جزءًا من الناس يرى أن اختلاس أعمال الشعب شيء طبيعي ما دام يصب في المصلحة الشخصية لهذا الفرد مهما كان، ونجد جزءًا آخر غير قادر على أخذ الرشوة أصلًا من الناس.
ولا يمكن أن نعيد هذه الاختلافات لأي سبب دون أن نعيدها، بشكل أساسي، للوعي بالأخلاق. فمشكلة الفردانية والبراجماتية والاستغلالية التي تتفشى في العالم بشكل سريع، لا يمكن صدها إلا من خلال رفع وعي الإنسان بالأخلاق. فما هو سبب استغلال الآخرين بشكل براجماتي وانتهازي غير عدم وجود بوصلة أخلاقية لهذا الإنسان تمكنه من معرفة مقدار الضرر الذي سيتركه بحال الفرد المستغل، وعدم قدرته على وضع سؤال أساسي يجب أن يطرحه كل إنسان يريد أن لا يحكم بحكم التعجل: ماذا لو كنت أنا مكانه؟ ماذا لو كان المتشفي على ما يحدث في غزة يمر بالشيء نفسه؟ ماذا لو كان السياسي الظالم للشعب يمر بما يمر به الشعب؟
ولهذا نقف نحن الاشتراكيون وغيرنا من المدركين لمعاناة الطبقات المهمشة بجانبهم، لأننا ندرك معاناة الفلاح في ظل حكومة فاشلة لا تمكنه من الزراعة، ولأننا ندرك معاناة العامل في عمله الشاق، ومعاناة الموظف في مكتبه الضيق، ومعاناة المعلم في مدرسته. لذا فإن مسألة نشر الإنسانية والإخاء هي مسألة وعي لا غير.
فالإنسان ليس كائنًا منفصلًا ولا فرديًا، بل هو كائن اجتماعي تطور بنمط المجتمعات، والإنسان يتطور بذاته كفرد داخل المجتمع. فإن صفات كالكره والاستغلال والأنانية لا يمكن أن تكون فطرية بقدر كونها أمورًا يكتسبها الإنسان من البيئة التي تعلمه التنافسية القاسية، وأن يكون فرديًا ذا نزعة غير واعية بالأخلاق بشكلها الذي يجب أن تكون عليه.
وهذا لا يعني إلغاء الفردية وإنكار شخصية الفرد، بل يعني رفض الفردية الأنانية التي نمت في القرون الماضية بسبب ارتفاع الإنتاج، وارتفاع تسليع حتى المعايير الأخلاقية مقابل زيادة الإنتاج، رغم تطور المجتمع في العديد من جوانبه، لأن العلم يعطينا سهولة للحياة، لكنه لا يعطينا منهجًا نديرها به. لذلك رأينا تقدم العالم الكبير منذ ثورته الصناعية في مجال العلم، ورأينا تراجعه إنسانيًا واجتماعيًا، مما أدى لقيام الحروب والمجازر وتطوير الأسلحة للقيام بهذه الجرائم.
لذلك، فالوعي بالأخلاق تجربة إنسانية يجب رفعها عند الإنسان، لأن المجتمعات الواعية أخلاقيًا هي المجتمعات العادلة مهما قل تنظيمها. فكثرة القوانين، وكثرة الديكتاتورية التي تفرض القوانين، وكثرة البرلمانات التي تشرع القوانين، لا يمكنها أن تخلق مجتمعًا عادلًا، لأنها ببساطة لم تخلق إنسانًا قويمًا أخلاقيًا، مدركًا لمعاناة غيره ومدركًا لشعورهم، لأن القوانين وحدها لا تبني الإنسان، ولا تصنع مجتمعًا عادلًا أفراده يدركون مصالحهم في مصالح غيرهم، لأن هذا ما تفعله الشعوب الواعية بالإنسانية والرابطة بين أفرادها.