التصنيع العسكري جوهر سياسة الانتاج في الراسمالية الاحتكارية
محمد بودواهي
2026 / 5 / 13 - 18:19
ما دمت على قيد الحياة فاني سوف اناضل من اجل الغد ، الغد المشرق حيث يصبح الانسان القوي الجميل سيدا على جدول التاريخ الجارف فيوجهه نحو افاق لا تحد من الجمال و الغبطة و السعادة . ارنست ماندل
تغول الراسمالية الاحتكارية و المصير المجهول للشعوب ....
ان الانتاج من اجل سوق غير محدود ، في ظروف المنافسة ، يؤدي الى تزايد الانتاج يتيح تخفيض اسعار التكلفة و يتيح بالتالي التغلب على المنافس عن طريق البيع باسعار اقل منه ...
ان هذا الوضع بالضبط هو ما وجد النظام الراسمالي نفسه فيه في مرحلة من مراحل سيرورته التاريخية لما اتسعت فيه دوائر الانتاج بسبب السير قدما في التصنيع العسكري مما جعل المنتوجات الاستهلاكية و السلع الانتاجية تفيض و تكثر مما اوقعه كنظام اقتصادي سياسي في ازمات فرط الانتاج ، و هي ظاهرة رهيبة ( حسب طبيعته الاستغلالية ) لم يشهد لها مثيل من قبل ، و ليست كما كان شان جميع الازمات السابقة للراسمالية ...
فلقد ارتدت ، منذ الحرب العالمية الاولى ، الوظائف الحضارية ( التقدمية ) لنمط الانتاج الراسمالي امام اتجاهاته الانكفائية و التدميرية ، و تحولت قوى الانتاج التي حررتها الراسمالية نفسها بشكل دوري الى قوى مدمرة ذات سلطة مروعة اكثر فاكثر ، و لعل الفاشية و النازية و الحربان العالميتان و الخطر النووي هي مراة ذلك الاتجاه التاريخي العدواني للراسمالية الاحتكارية ...
هذه الراسمالية الاحتكارية هي من تمنع الانسانية اليوم من تسخير كل نهوض علمي و تكنولوجي لحاجات الانسان و الشعوب ، و من مقاومة التخلف و المجاعة في دول ما يسمى بالعالم الثالث ، و من تامين العمل للجميع ، و من منع انفجار حرب عالمية نووية ، و من ترك الشعوب تناضل و تقاوم ضد الانظمة الاستبدادية و الرجعية و العميلة التي تحكمها دون مساعدة هذه الاخيرة و الوقوف بجانبها ...
الراسمالية الاحتكارية و سيادة و سمو التصنيع العسكري ؟؟
فبقدر ما تستمر الحرب الباردة الدائمة تتسم بالبحث الدائب عن تحويل تقني في مجال التسليح ، فاننا نجد عاملا جديدا و مصدرا فوق اقتصادي يغذي التحولات المستمرة في التقنية الانتاجية ، و بذلك فاننا ازاء نتائج فرعية للتقنيات الجديدة التي تطبق اولا على الصعيد العسكري ، و تجد من ثمة بعد فترة تطول او تقصر تطبيقا لها على الصعيد الانتاجي . و لعل معظم الثورات التقنية التي نشهدها في مجال الصناعة و التقنية الانتاجية بشكل عام هي نتاجات فرعية للثورات التقنية في المجال العسكري . و اذا تفحصنا بانتباه 98 في المائة من التحولات التي اصابت التقنيات المطبقة في الانتاج ، نجد ان منشاها عسكري ..فالدول العظمى امريكا و روسيا و بريطانيا و فرنسا و اليابان و غيرها سلكت هذا المسلك الصناعي الاستراتيجي منذ اكثر من قرن و نصف مما مدها بالقوة و اللوجستيك الكافي لتصبح قوى استعمارية غزت كل شعوب الارض ، لتفطن بهذه الرؤية السياسية التسلحية العسكرية الصين بعد ثورتها الشعبية الاشتراكية سنة 1948 مما الحقها بكبار المتحكمين في السياسة الدولية عبر منظمة الامم المتحدة و كل الاطارات الدولية الاخرى ، لتكتشف بعد ذلك هذا المنحى التسلحي كل دول الشرق الاقصى خاصة كوريا الشمالية التي اصبحت دولة نووية و التي تحسب لها الامبريالية الامريكية الف حساب ...والان اتت تركيا و ايران و قبلهما اسرائيل و الكثير من الدول الاوربية التي لا تبدو في الصورة باتم الوضوح نظرا للاستقرار السياسي الدي تعيشه و نظرا لعامل السرية و الشغل في الخفاء الذي تتطلبه مثل هكذا اعمال استراتيجية ...
هناك بالاضافة الى كل هذا ، ظاهرة من طبيعة بنيوية في الاقتصاد الراسمالي في عصر الاحتكارات ذات اثر مباشر على حياة الناس و معيشهم اليومي حيث ان الشركات الاحتكارية الكبرى تمارس رقابة شديدة ان لم تكن كاملة على مجموعة باكملها من الاسواق بخاصة اسواق السلع الانتاجية و السلع الاستهلاكية . و في كل مرة يكون العرض اقل من الطلب تزداد الاسعار بينما تبقى الاسعار مستقرة او تنخفض بشكل غير محسوس كلما تجاوز العرض الطلب بدلا من ان تنخفض ، كما يقع الان و في الفترة الاخيرة في اسعار البنزين و الكازوال في ظل ازمة الخليج و حرب امريكا و اسرائيل على ايران ...انها ظاهرة نلاحظها في الصناعة الثقيلة و صناعة السلع الاستهلاكية ..
و الحركة العمالية ، في ظل وضعها المتراجع جدا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ، تجد نفسها امام خيار اساسي بين سياسة اصلاحات بنى الراسمالية الجديدة التي تتضمن اندماج النقابات في النظام الراسمالي و تحولها الى حراس لتامين السلم الاجتماعي خلال فترة اطغاء الراسمال الثابت ...و سياسة مضادة بصورة جدرية للراسمالية تتبنى اصلاحات معادية للراسمالية في المدى المتوسط ، و تهدف اساسا الى نزع مقاليد السيطرة على الاقتصاد من المجموعات المالية و التروستات و الاحتكارات و وضعها بين ايدي الدولة ، و بناء قطاع عام ذي تاثير حاسم على الصناعة و النقل و التجارة ، و اقامة هذا كله على اساس الرقابة العمالية ، اي قيام ازدواج السلطة في المشروع و في الاقتصاد بمجموعه ، سرعان ما ينتهي الى ازدواج في السلطة السياسية ...
ان الوضع الراهن و النظام السياسي القائم و القوى الفاعلة و الموجودة في الواقع ليست سوى لحظات عابرة في سيرورة التاريخ ... و لعل المناضل الفذ الذي ينظر دائما الى الامام و باصرار قوي نحو التقدم و الازدهار يوجه عقله و حيويته و نشاطه و كذا ارادته نحو المستقبل ، و يراهن بكل شيء على الانقلاب و التغير اللدين لابد ان ياتي بهما الزمن مهما طال خذلانه و استكانته ، و كيانه كله ليس سوى صراع عنيف يخترقه تفاؤل ثوري لا يكاد يحطم او ينضب ، و هو لم يشك مطلقا بضرورة العمل من اجل التغيير و بجدوى انتظاره ...
ان الاعتقاد الاساسي عند كل مناضل شيوعي فذ هو الايمان الراسخ برسالة العمال التاريخية بوصفهم قائدي الثورة الرئيسيين . و وفق هذا الايمان ، فالنظر للطبقة العاملة يجب ان يكون اكثر واقعية و من زاوية نقدية حادة حيث هي على مستوى الواقع فئة معقدة و غير متجانسة فيما بينها ، و تتكون عدة مجموعات لكل منها ماضيه و حاضره ، و لكل منها وعيه السياسي و الاجتماعي و مستواه الثقافي ، و ترتبط كل منها بالبورجوازية الصغيرة و بالفلاحين ، و بسائر روافد الطبقة العاملة نفسها بشتى الارتباطات ، و لكل منها درجة من العجز او من القوة و المقدرة على خوض النضال التحرري الثوري ، و لا يجمع بين فروع هذه الكتلة المتباينة كل التباين ، و المتمايزة كل التمايز فيما بينها الا وضعها البروليتاري في المجتمع و عداؤها للاستغلال الامبريالي الراسمالي ، و وجود درجات متباينة فيما بينها في تقبلها للاشتراكية ، حيث ان الحقيقة الطبقية لديها مكونة من عناصر تقدمية و اخرى رجعية ، و من عناصر واضحة الرؤيا و اخرى متذبذبة ، من عناصر شجاعة و اخرى يسكنها الخوف بقوة ...
لذى ، و في ظل هكذا وضع بئيس على مستوى الوعي لابد من بروز نخبة ماركسية واضحة الرؤيا قادرة على التكوين و منضبطة المبادئ تنصهر بالعمال في اطار حزب شيوعي يقولب تطلعاتهم ، مبتدا بالعمال المتقدمين لكي يتسنى له ان يثقف بواسطتهم العمال المتاخرين ...
انه وضع بئيس حقا و لا يمكن حله الا بتضامن و تنسيق و تنظيم كل شعوب العالم في اطار اممية رابعة او حتى خامسة تنبتق من تجمعات مستقبلية مخطط لها و بعناية فائقة ...و هو الشيء الغير حاصل الان بسبب الحاجة الموضوعية للوعي داخل الطبقة العاملة و حتى داخل طليعتها التي لازالت على هامش التاريخ مع الاسف ...