حصاد التنمية بعد الاستقلال والمدخل للاصلاح
تاج السر عثمان
الحوار المتمدن
-
العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 09:57
المحور:
الادارة و الاقتصاد
١
بعد الاستقلال لم يحدث تغيير يذكر في التركيبة الاقتصادية والاجتماعية التي خلقها المستعمر وازداد الوضع سوءا بسبب عدم الاستقرار السياسي والانقلابات العسكرية، وفشل الأنظمة الحاكمة (المدنية والعسكرية) في التنمية، اضافة لتعميق حرب الجنوب وكارثة انفصاله، وكان الحصاد بعد اكثر من٧٠ عاما من الاستقلال علي النحو التالي:
– انهيار كل البنيات التي خلفها الاستعمار مثل مشروع الجزيرة، والسكك الحديدية، والنقل النهري، والخطوط الجويّة السودانية.
– ديون خارجية تجاوزت 60 مليار دولار.
– عجز غذائي ومجاعات.
– حروب وعدم استقرار داخلي.
– نماذج فاشلة للتصنيع حيث انهارت حتي الصناعات الخفيفة مثل: النسيج والزيوت. الخ.وزاد الأمر تدهورا بعد حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣.
– عدم تحقيق الأهداف المباشرة المنشودة من التنمية الرأسمالية التي قادتها الفئات المدنية والعسكرية في السودان، وكانت هناك آثار سلبية لتضخيم دور الاستثمار في التنمية.
– عدم الثقة بالنفس وتزايد الاعتماد علي الغير.
٢
علي أن الوضع شهد تدهورا سريعا في فترة مايو (1969- 1985م)، ولاسيما بعد التخفيضات المتوالية في الجنية السوداني بعد عام 1978م وتصاعد النشاط الرأسمالي الطفيلي علي حساب النشاط الانتاجي في الصناعة والزراعة، وظهرت فئات الرأسمالية الطفيلية والبنوك الأجنبية التي أسهمت في تدمير الاقتصاد السوداني وتهريب الأموال اللازمة للتنمية الي الخارج ( الفائض الاقتصادي).
٣
وبعد انقلاب 30 يونيو 1989م، ورغم الشعارات الدينية التي رفعها النظام لتحقيق العدالة، الا ان سياسات النظام التي اعتمدت الخصخصة وسحب الدعم عن السلع والخدمات الأساسية أدت الي افقار أغلبية الشعب السوداني حسب الاحصاءات الرسمية 94% يعيشون تحت خط الفقر(التقرير الاستراتيجي 1997م)، وتصاعد النشاط الطفيلي وتدهور الإنتاج الصناعي والزراعي، وتزايدت الهجرة من الأرياف الي المدن، واصبح تبديد الفائض الاقتصادي في الصرف البذخي وتهريبه للخارج والاستثمار في العقارات هو السائد. ولم ينعكس استخراج البترول علي حياة المواطنين العادية، وعلي تطور الزراعة والصناعة وتوفير ودعم خدمات التعليم والصحة، بل تدهورت تلك الخدمات الي درجة الانهيار التام، وأي تنمية يمكن تحقيقها بدون تعليم وصحة؟!!.
كما اختل توزيع الدخل القومي حيث أصبح العشرة الأغني لديه حوالي 60%، وال 40% الأفقر لديهم 8% فقط من الدخل القومي (بروفيسور محمد هاشم عوض: السوداني الدولية، السبت 19/3/ 1994م).
٤
وخلاصة القول: ان التجارب التنموية في السودان فشلت في تجديد البلاد ووضعها علي أعتاب المجتمع الصناعي الزراعي المتطور، رغم عراقة شعب السودان وحضاراته القديمة التي كانت لا تقل تطورا عن الحضارات المعاصرة لها، كما تم الفشل في ترسيخ الديمقراطية والسلام ورفع مستويات المعيشة والارتقاء بخدمات التعليم والصحة والكهرباء والمياه وتوفير البنيات الأساسية اللازمة للتنمية، وأصبح السودان في ذيل قائمة الدول الأكثر تخلفا في العالم، ورغم امكانياته وموارده الزراعية والحيوانية والبترولية والمعدنية والسياحية، وما زالت مهام التنمية قائمة تنتظر الانجاز في ظروف عالمية(العولمة) وداخلية معقدة .
تواصل نضال الحركة الجماهيرية حتى نضجت العوامل الموضوعية والذاتية، مما أدي لقيام ثورة ديسمبر، والتي كان من ضمن مهامها اصلاح الاوضاع الاقتصادية والمعيشية ، في ظل صراع اجتماعي وطبقي يتجلي في هل نسير في التوجه الخارجي و تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي التي كان حصادها هشيما أم نسلك سبيل التوجه الداخلي دون الانعزال عن الخارج، بانتهاج طريق التنمية المستقلة؟.
٥
المدخل للإصلاح بالتنمية المستقلة.
في البداية وقف الحرب واستعادة مسار الثورة وقيام الحكم المدني الديمقراطي وتفكيك التمكين وإعادة ممتلكات الشعب المنهوبة وعدم الإفلات من العقاب وتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية والصحية والأمنية لضمان عودة النازحين لمنازلهم و لقراهم وحواكيرهم وتوفير خدمات المياه والكهرباء والانترنت والتعليم والصحة والدواء والخدمات البيطرية. الخ.
من جانب اخر عندما نتحدث عن التنمية ننطلق من الواقع في تجلياته وتحولاته المختلفة، كما ان طرق التنمية متعددة ويتم فيها تفاعل بين الأصالة والمعاصرة، كما انه عندما نتحدث عن تنمية مستقلة، لايعني ذلك الانعزال عن العالم، كما ان طريق التنمية الرأسمالية الذي سارت عليه البلاد منذ الاستقلال كان فاشلا، وان هذا الطريق استند علي النظريات الغربية حول مفاهيم التخلف والتنمية، وعجزت تلك النظريات عن تفسير التخلف وأهملت الطبيعة الخاصة للبلاد المتخلفة وتراثها وتقاليدها وظروفها الخاصة، ومن خلال النقد للفكر الاقتصادي الغربي التقليدي وفشل مفاهيمه ومقولاته حول التخلف والنمو وعجزها عن تفسير التخلف، ظهرت دعوات بديلة للتنمية المستقلة علي النحو التالي:
*- الاعتماد علي النفس في مواجهة الاعتماد فقط علي المعونات والقروض والاستثمارات.
-: ظهرت فكرة
التوجه الداخلي للتنمية في مواجهة انقسام الاقتصاد الي قسم حديث مرتبط عضويا بالشركات متعددة الجنسيات، وقسم (تقليدي) وتسمي احيانا تنمية متمحورة حول الذات * .
*- الوفاء بالاحتياجات الأساسية في مواجهة اثراء الأقلية وفقر الأغلبية.
*- التنمية البيئية في مواجهة نهب الموارد الطبيعية حتي الاستنفاد.
*- وفي مواجهة النظم العسكرية الديكتاتورية الشمولية، ظهرت فكرة الديمقراطية ومشاركة الجماهير باعتبارها الشرط لنجاح التنمية.
*- التكنولوجيا الملائمة في مواجهة الانبهار بأحدث تكنولوجيا العصر.
*- بناء قاعدة علمية وتكنولوجية وطنية في مواجهة التبعية الناشئة عن الاعتماد علي استيراد تقنيات الانتاج.
*- الأصالة والهوّية الثقافية والحضارية في مواجهة الذوبان في الثقافة أو الحضارة الغربية.
*- الانفلات الجزئي عن الدوران في مسار او فلك النظام العالمي.
*- الاستقلالية بمعني انتقال مركز صنع القرار من الخارج الي الداخل.
وعندما نتحدث عن التنمية في السودان نأخذ في الاعتبار الاتي:-
– السودان دولة متعددة الثقافات والأديان والمناخات والأعراف، ويتميز بمستويات تطور متباينة ومتعددة في أنماط المعيشة وقوي الانتاج وعلاقات الانتاج، وهذا الوضع له انعكاسه في بنية المجتمع الفكرية والثقافية والايديولوجية ويؤثر علي تطوره السياسي.
تأخذ التنمية في الاعتبار هذا الواقع باعتباره مصدر غني واخصاب، وبالتالي يكون النظام السياسي والاجتماعي والثقافي متوافقا مع هذا التعدد، وأن وحدة وتكامل السودان تتم من خلال التنوع واحترام حق كل شعب في تطوير ثقافاته وممارسة شعائره الدينية ومعتقداته، وان يتم التعبير عن ذلك في دستور ديمقراطي يجسد هذا الواقع.
– لايمكن الحديث عن التنمية دون أخذ خصائص وموروثات شعب السودان وتقاليده ودمجها في البناء الثقافي العام، ومساهمتة المتميزة في مجري الحضارة العالمية، تلك الخصائص التي تنطلق من واقع السودان العربي- الافريقي وتعدد دياناته، دون ان يعني ذلك الانغلاق باسم الخصوصية المحلية، ولكن بهدف التطلع الي الأمام والمستقبل.
– اعادة بناء الاقتصاد السوداني علي أساس اعطاء الأسبقية للانتاج الصناعي والزراعي والحيواني، وتشجيع الرأسمالية المنتجة، سواء كان ذلك في قطاع الدولة أو الخاص او التعاوني، والقضاء علي النشاط الطفيلي الضار بالحياة والمجتمع والفكر والثقافة.
– لا يمكن الحديث عن التنمية بدون الديمقراطية اشراك أوسع قطاعات الجماهير في عملية التنمية نفسها التي تهدف الي توفير احتياجات الانسان الأساسية، واحداث التنمية المتوازنة بين أقاليم السودان المختلفة.
- قيام دولة المواطنة التي تسع الجميع غض النظر عن الدين أو العرق أو الثقافة او المعتقد السياسي اوالفلسفي.