من المصنع إلى الحيّز العام: التحولات الفكرية في قضية العامل


هيوا عمر
2026 / 5 / 12 - 08:49     


(الجزء الثاني)

عندما تخرج قضية العامل من حدود المصنع الضيقة لتقتحم فضاء الدولة والسياسة، نكون أمام الرؤية "اللينينية" التي اعتبرت أن الوعي الثوري يحتاج بالضرورة إلى تنظيم وحزب طليعي؛ وهذا ما يحول الحركة من مجرد نضال مهني مبيّت إلى حراك ثوري شامل. وفي السياق ذاته، أضاف "أنطونيو غرامشي" مفهوم "الهيمنة" (Hegemony)، مستنتجاً أن الطبقة الرأسمالية لا تحكم فقط عبر أدوات القوة التابعة للدولة، بل من خلال سلطة الثقافة، والتربية، والتأثير في العقول والوعي. هنا، حوّل غرامشي قضية العامل إلى قضية "ثقافية ومعرفية" لمواجهة الهيمنة البرجوازية، مدركاً وجود فضاء جديد يمثل في آن واحد مصدراً لقوة البرجوازية وميداناً لنضال الطبقة العاملة.

ومع التحولات الجديدة في العلاقة بين النظرية والممارسة وتراكم الخبرات في النصف الثاني من القرن العشرين، أحدث "اليسار الجديد" (مدرسة فرانكفورت، هيربرت ماركوزه وآخرون) تغييراً جوهرياً في النظرة إلى قضية العامل. ففي كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد"، رأى ماركوزه أن العامل في المجتمع الصناعي المتقدم قد "ذاب" داخل النظام من خلال "الاستهلاك والرفاهية"، مما أدى إلى فقدانه لقدرته وقوته الثورية. وهذا الفهم لا ينفصل عن رؤى غرامشي حول مصادر الهيمنة والوعي الزائف.

لم يعد "اليسار الجديد" يحصر "القضية" في عامل المصنع فحسب، بل صنّف الطلاب، والأقليات، والنساء، والمثقفين كقوى فاعلة للتغيير الاجتماعي والسياسي. فقد آمنوا بأن الاضطهاد لا يقتصر على جدران المصنع، بل يتجلى في "تفاصيل الحياة اليومية"؛ فبمجرد خروج الإنسان من منزله، يتحول الفضاء العام كله إلى ميدان للاضطهاد، من الاقتصاد وصولاً إلى الثقافة. وبينما ترى الماركسية الكلاسيكية في العامل محركاً للثورة ومخلصاً للبشرية، يرى "اليسار الجديد" في العامل ضحيةً لنظام شمولي، محاولاً توسيع نطاق القضية لتشمل كافة الطبقات الرازحة تحت نير الظلم الثقافي والسياسي والاقتصادي.

هذا التحول دفع بقضية العامل في الفكر اليساري نحو قضايا "العدالة العالمية"، و"حماية البيئة"، ومواجهة "استلاب الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي". ومن هذا المنطلق، تتجسد أزمة بيئة العمل في ظواهر الاستغلال والانتهاكات المستمرة لحقوق العاملين.

أما في فكر "سلافوي جيجك" والتوجهات اليسارية المعاصرة، فقد طرأت تغييرات لافتة على مكانة الطبقة العاملة. يرى جيجك أنه في عصر الرأسمالية المعولمة، أصبحت الطبقة العاملة الكلاسيكية (عمال المصانع) تتمتع بامتيازات مقارنة بفئات أخرى قُذف بها تماماً خارج النظام. "البروليتاريا" الحقيقية اليوم هم سكان العشوائيات والملايين الذين يعيشون على هوامش المدن الكبرى دون حقوق قانونية أو ضمانات؛ هم العاطلون عن العمل والمهاجرون الذين ينظر إليهم النظام كـ "نفائض" أو فضلات. يذهب جيجك إلى أن البروليتاري هو من جُرّد من "جوهره" (على سبيل المثال: العامل الذي أصبحت معلوماته، وجيناته، وحتى بيئته ملكاً للشركات الكبرى). لدى جيجك، لم تعد الطبقة العاملة مجرد "قوة منتجة"، بل هي تلك "الفجوة أو النقطة غير المرئية" التي يعجز النظام عن احتوائها أو السيطرة عليها.

وبالحديث عن "العمل الفكري والعاطفي"، فإن العمل في هذا العصر لم يعد يقتصر على إنتاج سلع مادية، بل امتد لإنتاج المعلومات، والعلاقات، والمشاعر (مثل موظفي وسائل التواصل الاجتماعي، وقطاعات الخدمات، والممرضين). وعندما يُنظر إلى المجتمع بوصفه "مصنعاً"، فإن العمل لا يبقى حبيس الجدران، بل يصبح المجتمع بأسره مصنعاً كبيراً. فنحن، وعبر استخدامنا للإنترنت، نقوم بإنتاج البيانات والمعلومات للشركات الكبرى؛ أي أننا جميعاً "عمال" دون أن نشعر بذلك.

لذا، يستخدم اليساريون الجدد مصطلحات أوسع من كلمة "طبقة". وهذا يعني أن قوة المواجهة لا تقتصر على نوع واحد من العمال، بل تتشكل من: عمال المصانع، موظفي التكنولوجيا، الحركات النسوية، الناشطين البيئيين، والأقليات العرقية والقومية، والذين يلتقون جميعاً في نقطة واحدة: مواجهة "إمبراطورية الرأسمالية".

ختاماً، يشير مصطلح "البريكاريا" (Precariat) إلى طبقة جديدة تتسم أعمالها بغياب الأمان الوظيفي (عقود مؤقتة، عمل بالساعة، افتقار للضمانات). هذه الطبقة في تزايد مستمر حول العالم، وباتت تشكل خطراً كبيراً على استقرار الرأسمالية. وإذا أمعنا النظر، سنجد أن هذه الظاهرة في كوردستان تشهد تصاعداً يوماً بعد يوم، وتطال آلاف الأشخاص.

-----------