-الإغراق التشريعي-… حين تتحول القوانين إلى أداة لمحاصرة العمل النقابي في المنطقة العربية


جهاد عقل
2026 / 5 / 10 - 14:07     

*قراءة تحليلية في التقرير السنوي لانتهاكات الحقوق والحريات النقابية العربية 2025
لم يعد التضييق على الحركة النقابية في المنطقة العربية يتم فقط عبر القمع المباشر أو الاعتقالات أو منع الإضرابات. الجديد ـ وربما الأخطر ـ هو ما يسميه التقرير السنوي الصادر عن الإتحاد العربي للنقابات بـ"الإغراق التشريعي"، أي استخدام القوانين والمراسيم والإجراءات التنظيمية كأدوات لإعادة هندسة المجال النقابي وإفراغه من مضمونه الكفاحي والديمقراطي.
التقرير، الذي جاء بعنوان: "الإغراق التشريعي.. عنواناً جديداً للتضييق على الحقوق والحريات النقابية" ، لا يقدّم فقط سرداً للانتهاكات في عدد من الدول العربية، بل يحاول تفسير التحولات العميقة التي يشهدها العالم العربي في علاقة الدولة وأصحاب العمل بالحركة العمالية، في لحظة تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مع تصاعد السلطوية والحروب وسياسات التقشف وإعادة الهيكلة النيوليبرالية. حيث:” يعكس هذا التقرير الصوت الجماعي للحركة النقابية في المنطقة العربية صوت العمال والعاملات،والعمال المهاجرين، والنقابيين الذين يواصلون تنظيم أنفسهم والدفاع عن حقوقهم رغم بيئات تتسم بالضغط والتقييد المتزايد" كما جاء في كلمة السكرتير التنفيذي للإتحاد العربي للنقابات. د.هند بن عمار ،وأضافت :” كما يبرز إتجاه مقلق يتمثل في التزايد الملحوظ لإستخدام أدوات تشريعية وتنظيمية بما في ذلك القوانين المتعلقة بالأمن والنظام العام والفضاء الرقمي بطرق تؤثر سلباً على القدرة المشروعة للعمال ومنظماتهم على التعبير والتنظيم والمطالبة بحقوقهم..”
ويكتسب التقرير أهمية خاصة لأنه يغطي مساحة عربية واسعة تشمل تونس والمغرب والجزائر وموريتانيا وليبيا ومصر وفلسطين والأردن ولبنان وسوريا والعراق واليمن وسلطنة عمان والكويت والبحرين والسعودية وقطر، ما يجعله بمثابة مرآة إقليمية لوضع الحقوق النقابية في العالم العربي خلال عام 2025.

*من القمع المباشر إلى "القمع القانوني"
أحد أهم الاستنتاجات التي يطرحها التقرير هو أن السلطة في عدد متزايد من الدول العربية لم تعد تعتمد فقط على أدوات المنع الأمني التقليدي، بل باتت تستخدم القانون ذاته كوسيلة لتقييد العمل النقابي.
وهنا تظهر خطورة مفهوم "الإغراق التشريعي”. فبدلاً من منع النقابات بشكل صريح، يتم إتخاذ إجراءات تعيق استقلالية وحرية النشاط النقابي منها، فرض شروط معقدة لتأسيس النقابات،تقييد الحق في الإضراب بإجراءات بيروقراطية شبه مستحيلة،توسيع صلاحيات السلطات الإدارية في مراقبة النقابات،وإغراق الحركة النقابية بسلسلة من النصوص القانونية المتناقضة،واستخدام القضاء والإجراءات الإدارية لتفكيك التنظيمات العمالية أو إضعافها.
بمعنى آخر، تتحول الحرية النقابية من حق دستوري وإنساني إلى امتياز مشروط بموافقة السلطة.وهذا التحول ليس تقنياً أو إدارياً فقط، بل سياسي بامتياز. فالقوانين هنا لا تُستخدم لتنظيم الحق، بل لإعادة تعريفه وتقليصه وإفراغه من محتواه.

*التناقض الكبير-المصادقة على الاتفاقيات الدولية مقابل الانتهاك اليومي
التمهيد الذي حمل عنوان "التناقضات الكبرى" يبدو مفتاحاً أساسياً لفهم واقع المنطقة العربية.فمعظم الدول العربية صادقت على عدد من اتفاقيات منظمة العمل الدولية، وخاصة الاتفاقيتين 87 و98 المتعلقتين بالحريات النقابية والمفاوضة الجماعية، كما تتحدث دساتير عديدة عن ضمان حرية التنظيم والعمل النقابي.لكن الواقع اليومي للوضع النقابي يقول شيئاً آخر،بل تتخذ إجراءات صارمة من قبل السلطات والحكومات منها:نقابيون يُفصلون من أعمالهم،إضرابات تُجرّم أو تُقمع،مفاوضات جماعية تُعطل،تدخلات حكومية في الشؤون النقابية،تضييق على التمويل والتنظيم وقيود على حرية التعبير والتجمع.
هذا التناقض بين النصوص والواقع يكشف أن المشكلة ليست فقط في غياب التشريعات، بل في طبيعة السياسات الاقتصادية والسياسية السائدة، والتي تنظر إلى النقابات المستقلة باعتبارها "عائقاً" أمام برامج الخصخصة والتقشف وإضعاف القطاع العام.

*الاقتصاد المأزوم والعمال كضحايا دائمين
التقرير يأتي في سياق عربي شديد التعقيد،كما جاء في كلمة د. هند بن عمار حيث "يواجه العمال في المنطقة العربية تحديات اقتصادية وإجتماعية متفاقمة،تشمل إرتفاع تكاليف المعيشة،وتراجع في القدرة الشرائية، وإتساع الفوارق الإجتماعية..” بكلمات أخرى ، تضخم وارتفاع أسعار،بطالة واسعة، خصوصاً بين الشباب،تراجع القدرة الشرائية،اتساع الاقتصاد غير المنظم،حروب ونزاعات داخلية ودولية،مديونية متفاقمة،وضغوط متزايدة من المؤسسات المالية الدولية لسداد ديون وفوائد باهظة.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح النقابات هدفاً مباشراً، لأنها تمثل آخر أدوات الدفاع الجماعي عن الأجور والحقوق والحماية الاجتماعية.
ولهذا لا يمكن فصل الهجوم على الحريات النقابية عن الهجوم الأوسع على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. فالسلطة التي تريد تمرير سياسات تقشف قاسية، تحتاج غالباً إلى إضعاف النقابات أولاً.

*فلسطين… الحقوق النقابية تحت النار
في الحالة الفلسطينية، تتخذ الانتهاكات بعداً أكثر مأساوية في ظل الحرب المستمرة والاحتلال والحصار. فالعمال الفلسطينيون يواجهون،القتل والاستهداف المباشر،وفقدان مصادر الرزق،بل وانهيار قطاعات اقتصادية كاملة، هذا بالإضافة الى ارتفاعاً كارثياً في البطالة،وحرماناً واسعاً من أبسط شروط العمل اللائق. ولا يتعلق الأمر فقط بانتهاك حقوق العمال، بل بتدمير البنية الاجتماعية والاقتصادية التي تسمح أصلاً بوجود حياة نقابية طبيعية.
كما أن استهداف الصحفيين والعاملين في الخدمات العامة والبنية التحتية يعكس بوضوح كيف تتحول الحرب إلى عملية تدمير شامل للعمل والحياة والتنظيم المجتمعي. أو كما جاء في التقرير:”تتسم وضعية الحقوق والحريات النقابية في فلسطين عام 2025 بظروف إستثنائية بالغة التعقيد،حيث يتقاطع التضييق الداخلي مع الممارسات القمعية لللإحتلال ،مما جعل العمل النقابي في مواجهة مباشرة مع خطر "التقويض الشامل".

*مناخ إقليمي ضاغط على الحريات
ما يرصده التقرير لا يمكن عزله عن المناخ السياسي الإقليمي الأوسع،صعود السلطوية،تضييق الفضاء المدني،عسكرة الحياة العامة،تنامي نفوذ الشركات الكبرى،وربط "الاستقرار الاقتصادي" بإضعاف الاحتجاجات الاجتماعية."وفي سياقات النزاعات والهشاشة. تتعرض الهياكل النقابية لمزيد من الإضعاف مما يحد من قدرة العمال على الوصول إلى الحماية والتمثيل في لحظات حرجة" كما أكدت هند بن عمار. وفي هذا السياق، تبدو النقابات المستقلة أحد آخر الحواجز أمام تحويل العمال إلى مجرد قوة عمل بلا تمثيل جماعي فعلي.
ولهذا فإن المعركة حول الحريات النقابية ليست معركة فئوية تخص النقابيين وحدهم، بل معركة تتعلق بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحق المجتمعات في التنظيم والمشاركة.

*لماذا يبدو "الإغراق التشريعي"أخطر من القمع التقليدي؟
القمع المباشر يخلق غالباً تضامناً واضحاً ويكشف طبيعة الانتهاك بسهولة.أما "الإغراق التشريعي" فهو أكثر خطورة لأنه،يقدّم التضييق بغطاء قانوني ويحوّل الانتهاك إلى إجراء إداري "طبيعي"، ويستهلك النقابات في معارك قانونية وبيروقراطية طويلة،ويجعل الرأي العام أقل قدرة على رؤية حجم القمع الحقيقي.إنه شكل حديث من السيطرة الناعمة على الحركة النقابية، حيث يصبح القانون أداة لإنتاج الخوف والإرباك والتفكيك.

*الحركة النقابية العربية أمام تحدي جديد
التقرير يبعث برسالة واضحة: الدفاع عن الحريات النقابية اليوم لم يعد مجرد دفاع عن حق الإضراب أو تأسيس النقابات، بل أصبح دفاعاً عن الحق في الوجود النقابي المستقل ذاته.وهذا الوضع يتطلب القيام بتعزيز التضامن العربي والدولي بين النقابات،وتطوير أدوات الرصد والتوثيق،وربط الحقوق النقابية بالحقوق الديمقراطية والاجتماعية الأوسع،والأهم هو مواجهة التشريعات المقيدة بحملات ضغط جماهيرية وقانونية،والانفتاح على العمال الشباب والعاملين في الاقتصاد غير المنظم والمنصات الرقمية. فالتحولات الاقتصادية الجديدة تُستخدم اليوم لإعادة تشكيل سوق العمل بطريقة تُضعف التنظيم الجماعي، ما يجعل تجديد العمل النقابي ضرورة وجودية.

* استمرار النضالات العمالية هو الحل
يكشف التقرير السنوي للاتحاد العربي للنقابات أن المنطقة العربية تدخل مرحلة جديدة من الصراع الاجتماعي، لم تعد فيها المواجهة تدور فقط حول الأجور أو شروط العمل، بل حول الحق في التنظيم ذاته.
إن ظاهرة "الإغراق التشريعي" من قبل السلطات الحاكمة ،ليس مجرد ظاهرة قانونية، بل مشروع سياسي متكامل يهدف إلى ضبط المجال النقابي وإخضاعه وإضعاف قدرته على المقاومة.
ورغم قتامة الصورة، فإن استمرار صدور مثل هذه التقارير، واستمرار النضالات العمالية في مختلف البلدان العربية، يؤكد أن الحركة النقابية ما زالت حاضرة، وأن معركة الدفاع عن الكرامة والعمل اللائق والحريات لم تنتهِ