في تحولات المسألة الطبقية: من اغتراب العامل إلى اغتراب الإنسان المعاصر
أحمد زكرد
2026 / 5 / 1 - 06:58
لم تعد المسألة الطبقية في العالم المعاصر تُختزل في ذلك التصور الكلاسيكي الذي يقسم المجتمع إلى طبقة مالكة لوسائل الإنتاج وطبقة لا تملك سوى قوة عملها، بل تحولت إلى بنية معقدة تتداخل فيها السلطة الاقتصادية بالتقنية والإعلام والمعرفة والرقمنة. لقد تغيرت أشكال السيطرة، غير أن جوهر التفاوت ظل قائمًا، بل ربما ازداد عمقًا وخفاءً. ومن ثم، فإن الحديث عن القضايا العمالية والطبقية اليوم لا يعني استعادة خطاب قديم بقدر ما يقتضي إعادة التفكير في مصير الإنسان داخل حضارة جعلت من السوق أفقًا شاملًا للوجود.
لقد كان Karl Marx يرى أن الرأسمالية تؤسس علاقتها بالعامل على الاستغلال (Exploitation)، حيث يتحول العمل إلى سلعة، ويغدو العامل غريبًا عن نتاجه وعن ذاته وعن الآخرين. غير أن ما يميز الرأسمالية المعاصرة هو أنها لم تعد تكتفي باستغلال الجهد العضلي، بل امتدت إلى استعمار الوعي والزمن والرغبة. فالإنسان اليوم لا يُستنزف داخل المصنع فقط، بل داخل الفضاء الرقمي أيضًا؛ داخل التطبيقات، والإعلانات، ومنصات العمل المرن، والشبكات التي تراقب سلوكه وتحول معطياته الشخصية إلى رأسمال قابل للاستثمار.
إننا أمام انتقال من مجتمع الانضباط الذي حلله Michel Foucault إلى مجتمع التحكم (Société de contrôle) كما صاغ ملامحه Gilles Deleuze؛ حيث لم تعد السلطة تمارس قهرها عبر المؤسسات المغلقة فقط، بل عبر أنظمة رقمية ناعمة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية. لقد أصبح العامل المعاصر خاضعًا لرقابة غير مرئية، تقيس إنتاجيته، وتحدد قيمته، وتراقب حتى إيقاع حضوره داخل الزمن الاقتصادي. وهكذا انتقل الإنسان من وضعية العامل المستغَل إلى وضعية الفرد المُدار خوارزميًا.
غير أن أخطر ما أنتجته الرأسمالية المتأخرة ليس فقط تعميق الفوارق الطبقية، بل تحويل الهشاشة إلى قدر جماعي. فالعقود المؤقتة، والعمل الجزئي، واقتصاد المنصات، كلها أشكال جديدة لما يمكن تسميته بـ"الوجود المعلّق". إن الفرد لم يعد يملك يقين المستقبل، بل يعيش داخل قلق دائم؛ قلق فقدان العمل، وقلق التهميش، وقلق السقوط الاجتماعي. ومن هنا لم تعد الطبقة العاملة حكرًا على عمال المصانع، بل اتسعت لتشمل فئات واسعة من الموظفين والعاملين الرقميين وحاملي الشهادات الذين يعيشون هشاشة مقنعة تحت أسماء براقة مثل "المرونة المهنية" و"الاستقلالية الفردية".
لقد أدرك Zygmunt Bauman هذه التحولات حين تحدث عن "الحداثة السائلة" (Modernité liquide)؛ أي ذلك العالم الذي فقدت فيه العلاقات والعمل والهويات استقرارها. ففي مجتمع السيولة، يصبح الإنسان كائنًا قابلاً للاستبدال في أي لحظة، وتغدو القيمة الإنسانية رهينة بالمنفعة الاقتصادية. وهنا تتجلى المأساة المعاصرة: إن الإنسان الذي كان يفترض أن تحرره التقنية صار مهددًا بأن يُختزل إلى وظيفة رقمية داخل منظومة لا تعترف إلا بالأداء والربح.
وإذا كان القرن التاسع عشر قد عرف صراعًا واضحًا بين البرجوازية والبروليتاريا، فإن الصراع الطبقي اليوم أصبح أكثر تعقيدًا وتشظيًا. فالرأسمال لم يعد مجرد ملكية مادية، بل أصبح احتكارًا للبيانات والمعرفة والتكنولوجيا. إن الشركات الرقمية الكبرى لا تسيطر فقط على الأسواق، بل تعيد تشكيل الوعي الجماعي ذاته، وتنتج أنماط الرغبة والاستهلاك، بحيث يتحول الإنسان تدريجيًا إلى مستهلك دائم حتى وهو يعتقد أنه يمارس حريته الفردية.
ومن هنا فإن الأزمة الراهنة ليست أزمة اقتصادية فحسب، بل أزمة أنطولوجية وأخلاقية أيضًا. لقد فقد العمل معناه الإنساني وتحول عند كثيرين إلى مجرد آلية للبقاء. أما الإنسان المعاصر، فقد وجد نفسه ممزقًا بين مطلب الإنتاج اللامتناهي وحاجته العميقة إلى المعنى والاعتراف والاستقرار. ولذلك تتصاعد اليوم مشاعر العزلة والاحتراق النفسي وفقدان الانتماء، وكأن الحضارة الحديثة، رغم وفرة وسائلها، تعجز عن إنتاج الطمأنينة الإنسانية.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: من يملك وسائل الإنتاج؟ بل أصبح: من يملك القدرة على تشكيل الواقع والوعي والمستقبل؟ ذلك أن السلطة الحقيقية في العصر الرقمي لم تعد اقتصادية فقط، بل صارت سلطة تتحكم في تدفق المعلومات وفي تشكيل الرغبات وتوجيه السلوك البشري. وهنا تكمن خطورة المرحلة الراهنة، لأن الإنسان قد يفقد حريته دون أن يشعر بذلك، مادامت الهيمنة تمارس عليه في صورة راحة واستهلاك واتصال دائم.
ومع ذلك، فإن التفكير الفلسفي في المسألة الطبقية لا ينبغي أن ينتهي إلى العدمية أو الاستسلام، بل إلى مساءلة الأسس التي يقوم عليها النظام الاجتماعي المعاصر. فكل حضارة تجعل الربح معيارها الأعلى تنتهي إلى تحويل الإنسان إلى وسيلة، بينما تقتضي الكرامة الإنسانية أن يكون الإنسان غاية في ذاته، وفق التعبير الأخلاقي الذي بلوره Immanuel Kant. لذلك تبدو الحاجة اليوم ملحة إلى إعادة بناء أفق إنساني جديد، يعيد الاعتبار لقيم العدالة والتضامن والمعنى، ويضع التقنية في خدمة الإنسان بدل أن تجعل الإنسان تابعًا لمنطقها.
إن القضية الطبقية في عصرنا لم تختفِ، بل أصبحت أكثر تعقيدًا وعمقًا. إنها لم تعد فقط قضية أجور وظروف عمل، بل قضية تتعلق بمصير الإنسان داخل عالم يتحول فيه كل شيء إلى سلعة: العمل، والزمن، والعلاقات، وحتى الذات الإنسانية نفسها. ومن ثم، فإن الدفاع عن العدالة الاجتماعية اليوم هو في جوهره دفاع عن المعنى الإنساني في مواجهة عالم مهدد بأن يفقد روحه تحت هيمنة السوق والتقنية.