اليسار الجديد: رؤية وإعادة تعريف


عائد ماجد
2026 / 4 / 21 - 14:10     

في ظل صعود القوى الإمبريالية نحو قيادة العالم، و"رعايتها للديمقراطية" في كل أنحاء العالم، عانى اليسار المناضل العديد من التقلبات في وجه النظام العالمي الجديد، والعديد من الانتكاسات، كان أكبرها انحدار اليسار المناضل بوجه قوى العالم الإمبريالية والمجتمع الدولي واليسار الزائف الداعم لهذا النظام العالمي الرجعي الذي بدأ بشكله الحالي منذ بداية التسعينات، واستمر بسيطرة الولايات المتحدة عليه. وفي الجانب الآخر من هذا الازدهار، أخذ اليسار المناضل بالذبول والتراجع شيئاً فشيئاً في ظل إسكاتِه وإسكاتِ ناشطيه ومناضليه الأحرار المستمرين بالنضال، وفي ظل ارتفاع الأنظمة المُدارة بالذوق الأمريكي أو برغبة الولايات المتحدة، التي أخذت على عاتقها "حماية الديمقراطية". ونفس هذا الشعار تم اتخاذه كشماعة لهذه الأنظمة العدائية وشن هجماتها الهمجية وحروبها على الشعوب المسالمة والفقيرة بشكل دائم.

اليسار اليوم يعاني من مشاكل أكثر بكثير من المشاكل التي كان يعاني منها بعد الثورة الصناعية الأوروبية، وهذا لأن اليسار يأخذ دائماً جانب المستضعفين القريب من إرادة الشعوب وحقوقهم وقضاياهم، لذلك هو في الجانب الأقل وحشية والأكثر محاربة من قِبل قوى الرجعية العالمية المستبدة. فبعد الثورة الصناعية، أخذ اليسار على عاتقه أن يحلل ويفكك البنية الاقتصادية العالمية وطريقة استغلالها للإنسان، والعمل على طريقة تحرير الإنسان من هذا الاستبداد ومن هذا الظلم. لذلك نرى أن اليسار المناضل هو دائماً المدافع عن المساواة والحقوق والحريات. حتى في هذا العصر الذي تسيطر فيه الولايات المتحدة ودول العالم الرجعي على النظام العالمي، أخذ اليسار يدافع عن مبادئه السامية ويستمر في الصمود بوجه القوى السياسية الرجعية والاستبدادية، والحفاظ على قضاياه الأساسية دون تشتت أو انهيار أمام القوى التي تحاول كتم هذا الصوت المعترض المناضل، الرافض للقرارات التي تُجرّد الإنسان من إنسانيته وحريته الفعلية، والتي تحاول هذه القوى بشكل دائم طمسها وتشويهها وتقديم رؤى مشوهة بديلة عن المفاهيم الحقيقية.

مشكلة الوعي هي مشكلة عملاقة تحيط باليسار كتحدٍّ أساسي؛ لأن اليسار، من خلال قراءتي للواقع الآن، يحتوي على خطاب رجعي لا يتناسب مع روحه نفسها. فإن اليسار اليوم يخاطب الناس بمشاكل فات عصرها؛ لم يعد الأمر أمرَ عاملِ مصنع كما كان، بل تطورت البنية الاقتصادية التي يعود لها اليساري اليوم وينظر لأجلها، واختلفت وتغيرت، وباتت أكثر تعقيداً. فيمكن أن يكون خطابك هذا مجدياً داخل البنية الشعبية في القرن العشرين أو التاسع عشر، ولكنه رجعي في العصر الحالي. تكوين الوعي يجب أن يتم من خلال خطاب يساري محافظ على روح النضال المستمرة فيه.

سبب الانحدار اليساري اليوم هو قوة الطرف الذي يجب مقاومته مقارنة بالطرف المقاوم. إن الطرف اليساري يعاني من كل انتكاساته بسبب هذه المعضلة التي تحيط به، وهي أن اليسار يسكن الماضي الذي رحل ولا يعيش الحاضر الذي عليه مواكبته بالطريقة التي يجب أن يواكبه بها. فالخطاب اليساري اليوم لا يخلو من الكلمات الصعبة واللغة الجافة التي لا تعبّر عمّن يدافع عنهم اليسار. فهذا الانحدار، إذا فسرناه، أعلى من كونه مجرد انحدار في ميزان القوى، بل هو انحدار في مفاهيم اليسار. لذا، واجب اليساريين المناضلين اليوم في كل أنحاء العالم هو الاتحاد لأجل ركوب سكة الصراع وتغيير ما سعى اليسار إلى تغييره، والتخلص من هذه اللغة البرجوازية في خطابه إن صح التعبير. فيجب أن يكون الخطاب اليساري أقرب إلى اللغة اليومية وقضاياها، وهذه هي الضرورة القصوى لليسار اليوم، وهي إعادة تشكيل رؤيته بما يتناسب مع التحديات الحالية التي تحيط به وبثواره المناضلين، لأن اللغة البرجوازية يجب أن تبقى بعيدة عن طريق نضالنا.