القانون الوضعي وبشرية النص: مراجعة في فلسفة التشريع الحديث.
مصطفى محمود مقلد
2026 / 4 / 19 - 20:54
يدور الجدل في الأوساط الحقوقية حول حدود العلاقة بين "الشريعة الإسلامية" وبين "القوانين الوضعية"، وغالباً ما ينحصر النقاش بين تيارين: أحدهما يحاول تجميد النصوص عند فهم تاريخي معين، والآخر يحاول فصل الدين عن القانون فصلاً عضوياً بدعوى "بشرية التشريع". وبين هذا وذاك، تبرز حاجة ملحة لصياغة رؤية قانونية حديثة، تدرك أن الشريعة ليست "برنامجاً إجرائياً" جامداً، بل هي "دستور قيمي" يمنح القانون روحه وهويته.
من أكبر المغالطات المنطقية المنادية بفصل الدين عن القانون هي الادعاء بأن القانون "بشري نسبي محض". والحقيقة العلمية في فلسفة القانون تؤكد أنه لا يوجد قانون في العالم نبت بمعزل عن "القيم الأخلاقية" للمجتمع.
إن مفاهيم مثل "العدل"، "الحرية"، و"رفع الضرر" هي في أصلها قيم ميتافيزيقية دينية، تحولت عبر العصور إلى نصوص إجرائية. وفي مجتمعاتنا، تمثل الشريعة "المرجعية الأخلاقية" العليا؛ فهي لا تضع "لوائح تقنية" لإدارة المرور أو السياحة، بل تضع "المعيار القيمي" الذي يحمي الإنسان
الشريعة الإسلامية بتركيزها على "القطعيات" في الثوابت وترك "الظنيات" للاجتهاد، قد منحت الإنسان أعظم تكريم، وهو حق "التنظيم البشري".
فالشريعة لم تأتِ لتكون "كتالوجاً" يحوي تفاصيل الصناعات والعلوم، بل جاءت لترسم "حدود الأمان" الأخلاقية. المهمة البشرية هنا ليست في ملاحقة النصوص، بل في "تقنين المقاصد"؛ أي تحويل قيم المودة والرحمة والعدل إلى نصوص قانونية تستعين بآخر ما وصل إليه "علم الاجتماع" و"علم النفس"، وهو ما لا يتناقض مع الدين، بل هو جوهر "السياسة الشرعية" التي تدور حيثما دارت مصلحة العباد
يزعم البعض أن "الاجتهاد" هو مجرد لفظ مرادف للتفكير البشري العام، محاولين تجريده من خصوصيته. والواقع أن الاجتهاد القانوني هو الجسر الذي يعبر عليه "المطلق الإلهي" ليلتقي بـ "النسبي البشري".
عندما نصيغ قانوناً حديثاً للأحوال الشخصية يراعي "مصلحة الطفل الفضلى" بناءً على دراسات نفسية معاصرة، نحن لا "نستورد" قانوناً غريباً، بل نفعل مقصد الشريعة في "حفظ النسل" بأدوات علمية حديثة. فالاجتهاد هو الذي يمنح القوانين الوضعية "شرعيتها المجتمعية" و"مرونتها الزمنية".
إن الدولة الحديثة في ملفات مثل (الاقتصاد، التكنولوجيا، الهندسة الوراثية) لا تحتاج فقط إلى "برامج تكنوقراطية"، بل تحتاج قبل ذلك إلى "بوصلة أخلاقية".
الفصل التام بين الدين والقانون يفرغ المجتمع من مناعته الوجدانية. فالشريعة لا تضع برنامجاً سياسياً ضيقاً، بل تضع "إطاراً دستورياً" يمنع القانون من أن يصبح مجرد أداة في يد القوة، ويجعل من "العدالة الاجتماعية" و"كرامة الإنسان" غاية لا تقبل المساومة.
لقد آن الأوان إلى تجاوز الثنائيات القطبية (دين/قانون) نحو رؤية "تكاملية". رؤية ترى في الشريعة مصدر الإلهام الأخلاقي، وفي العلوم الحديثة (اجتماعاً ونفساً وتقنية) أدوات التنفيذ.
إن "الاجتهاد المقاصدي" هو سبيلنا الوحيد لبناء دولة قانونية تحترم عقل الإنسان وتقدس كرامته، دون أن تنبتّ عن جذورها الروحية التي تشكل جوهر هويتها.