وفاة الروائية السورية كوليت خوري.. أيقونة الأدب والحرية


فهد المضحكي
2026 / 4 / 18 - 14:03     

في أزقة دمشق العتيقة، وُلدت عام 1931 كوليت خوري لعائلة دمشقية مرموقة، كان جدها فارس الخوري أحد رموز النضال السوري ورئيس الوزراء في عهد الاستقلال، ووالدها وزيرًا لشؤون القرى والبلدات. وبحسب ما ذكر موقع «سوريات»، نشأت في أجواء تعليمية راقية، تلقت تعليمها الأولي في مدرسة راهبات البيزانسون وأكملت الثانوية في المعهد الفرنسي العربي، ثم واصلت دراستها العليا في بيروت ودمشق، حيث نالت الإجازة في اللغة الفرنسية وآدابها، ما منحها مفاتيح لغات عدة بين العربية والفرنسية والإنجليزية.


منذ أيام الشباب، خطّت كوليت أولى خطواتها في الصحافة السورية والعربية، لتصبح صوتًا يصدح بالحرية الأدبية والاجتماعية، كانت الكتابة بالنسبة لها وسيلة للحتجاج والتعبير، ولتصوير ما يختلج في النفس الأنثوية من شغف وحبّ ورغبة في التحرر. قالت كوليت: «لأني شعرت دائمًا بالحاجة إلى التعبير عما يدور في داخلي.. ولم أرغب في الصراخ وأنا ممسكة بسكين، فقد صرخت بأصبعي وصرت كاتبة».

في الخمسينيات، صدرت أولى مجموعاتها الشعرية بالفرنسية بعنوان«عشرون عامًا»، حيث جسدت شعورها بالقيود الاجتماعية وفراغ الحياة، ثم جاءت روايتها الجريئة «أيام معه» (1959)، لتثير صدى واسعًا في المجتمع السوري المحافظ، والتي يُقال إنها فصل من سيرتها الذاتية وتجربتها العاطفية مع الشاعر الراحل نزار قباني، وقد تعرضت

للهجوم لدى صدورها، إذ غرقت شريحة من القرّاء في النميمة بدل قراءة جوهرها الذي يتغنّى بانتصار الحب والحرية والفن، في حادث يكشف كيف بُعاقب النص النسوي حين يقترب من الجسد والاختيار.
تبعها عملها الروائي «ليلة واحدة» (1961)، الذي استكشف حرية المرأة واستقلالها الشخصي متحديًا الأعراف والتقاليد.
امتدت مسيرتها الأدبية لأكثر من ستة عقود، شملت الشعر والرواية والمقالة، ومن أبرز أعمالها: «دمشق بيتي الكبير» (1969)، «الأيام المضيئة» (1984)، و«سنوات الحب والحرب» (2006)، الذي أرحّت فيه لحرب أكتوبر 1973، حاملةً قصص الميدان والجنود وكرامة الشهداء.

إلى جانب الكتابة، كان لها حضور سياسي بارز، إذ خدمت كعضو مستقل في البرلمان السوري بين 1990 و1995، وشغلت منصب مستشارة ثقافية عام 2008، مستمرة في الكتابة في الصحف الرسمية حول الأدب والسياسة.

تشكلت حياتها الشخصية على أرضية علاقة الإلهام مع نزار قباني، التي كانت جزءًا من نسيج أعمالها، الذي نسجت فيه حكاية المرأة السورية بين التقاليد والحرية، بين الحنين والتمرد، لتصبح كوليت خوري أيقونة الأدب والحرية، شاهدة على قوة الكتابة والروح التي لا تُقهر.

في مقالٍ له، نُشر على موقع «العربي الجديد»، يقول الكاتب الصحفي السوري علي سفر إنه إلى جانب الرواية، التي رسّختها في المشهد السوري والعربي، كتبت كوليت خوري نصوصًا قصصية، وجرت محاولات لم تنجح لتقديم أعمالها سينمائيًا، إلا أن إلحاح المرحلة التي كانت تعيشها سورية مع حكم البعثيين، والتي كانت تحوم حول الأيديولوجيا المفصلة على مقاس الحزب، فرض عليها وعلى غيرها من أصحاب التوجهات الليبرالية التعامل مع الواقع

كما هو، والتعايش معه، وفي تصريح لها عام 1972 في مجلة «المعرفة»، التي تصدرها وزارة الثقافة السورية، عبّرت عن رؤيتها للواقع: «وجودي في هذا الوطن قتال. أنا مؤمنة بآرائي ومبادئي، حاولت شرحها في كتاباتي. وتحملت من أجلها ما تحملت. فمنذ كتابي الأول طالبت بتحرر المرأة الاقتصادي الذي يؤدي إلى التحرر المعنوي. أنا أريد أن تعمل المرأة وأن تكسب عيشها، ثم يصبح من السهل أن تتحرر معنويًا. كل هذا في كتاباتي الأولى، حيث لم أعالج إلا موضوع المرأة. أما الآن فأنا أريد أن يتحرر الإنسان في وطني، لم تعد المشكلة مشكلة المرأة وحدها. المشكلة أكبر. إنها مشكلة كيان الإنسان العربي في داخل الوطن وخارجه».

وتعليقًا على ذلك، يقول سفر: اقتراب الكاتبة الراحلة كوليت مع الخطاب الرسمي السائد في عهد حافظ الأسد لم ينعكس إيجابًا على أدبها، بل يمكن ملاحظة تلاشي طليعيته، مع وجود أسماء نسائية أخرى لم تقترب كثيرًا من السلطة، وحافظت على النفور منها، غير أن المشكلة الكبرى لم تأتِ من خلال النص، بل من خلال العلاقة مع رموز الحكم الذي خلق بين السوريين أنفسهم فجوات كبرى، وهكذا عُرفت خوري من خلال علاقاتها مع أسماء بارزة في بنية السلطة، فهي واحدة من أهم الكتّاب الذين دأبوا على المشاركة في الصحافة الرسمية، كما عملت مستشارة لوزير الدفاع الأسبق مصطفى طلاس الذي عُرف عنه الاهتمام بالأدب والثقافة والمساهمة بالكتابة والتأليف. وانتُخبت لمجلس الشعب لدورتين متتاليتين، وفي العام 2006 عينها بشار الأسد مستشارة أدبية، ولم يصدر عنها أي موقف يفصلها عن النظام خلال الثورة السورية، كما جرى منحها جائزة الدولة التقديرية من قبل وزارة الثقافة في العام 2004 قبَيل سقوط النظام.

محصلة قراءة المحطات الكبرى في حياة كوليت خوري تأخذ القارئ نحو الإشكالية التي يعيشها المبدع في علاقته مع موضوعاته، وانعكاس حياته الشخصية في أدبه، وصولًا إلى علاقته مع السلطة مرورًا بقضايا الجمهور الماسة، فإذا ما نجح في بناء توازن بين كل هذه المواقف لربما ينجو ويبقى في مرتبة سامية، لكن الواقع الذي عاشته سورية، وكانت كوليت شاهدة عليه، ظهر شائكًا إلى درجة تجعل النفاذ منه دون أثر أمرًا مستحيلًا، وكانت كوليت مثالًا عما جرى. إنها نموذج للمثقف الذي افتتح عصر التمرد الفردي، لكنه ارتهن في ختامه لثبات السلطة، تاركًا خلفه إرثًا يمزح بين النص وإشكاليات الموقف.

ثمة حوار أجرته معها مجلة «المعرفة» سالفة الذكر، تقول فيه: «ما استطعت يومًا أن أنسلخ عن بيئتي ومجتمعي ومدينتي والوطن. ما استطعت يومًا أن أغني إذا كان قد ارتفع في ذلك اليوم صراخ بيت مجاور. ما استطعت يومًا أن أضحك إذا كنت في ذلك اليوم قد رأيت وجهًا أعرفه يبكي. أنا إنسانة مختلطة بذرات هذه المدينة. لطالما بكيت معها، ولطالما رقصت معها، ولطالما اغتربت معها وفيها.

أنا جزء من هذه المدينة ومن هذا الوطن. وحين أكتب عن أي شيء في العالم، مهما كان بعيدًا، يظل قلبي يزرع بين الأحرف والسطور آهاتي الشخصية وابتساماتي التي هي انعكاسات لهذه المدينة».وفي معرض حديثها عن تصوراتها عن إنسان المستقبل، في العرب والعالم، تقول: كتبت هذه الفكرة في قصتي «دمشق بيتي الكبير». إنسان الغد في الوطن العربي إنسان بأربع عيون، سوف تزرع له عينان إضافيتان. فالعينان اللتان نملك هما للبكاء. يلزمنا عينان إضافيتان لنرى.
وتعتقد أن المشكلة ليست في أن يعيش الإنسان المتحضر في بلاد متخلفة ليست بلاده، ربما كان هذا مريحًا، أما إذا كانت بلاده، فتلك مأساة.


وفي مقابل ذلك، أنني أعلم أن المواطن في هذه البلاد، عليه أن يقاتل ليلًا نهارًا لينال واحدًا من عشرة من حقوقه. فكيف يستطيع مواطن كهذا أن يعطي وأن يبدع وأن ينبغ وأن يتقدم، حين يكون همه الوحيد الدفاع عن نفسه؟!

وإذا اعتبرنا أن الأديب هو نبي صغير، فقط، فأنا لست أديبة. أما إذا اعتبرنا أن الأديب هو فنان فأنا قطعًا أديبة. والذي يسمى «التبشير في الأدب» أسميه أنا «الوضوح» أو التوضيح. أنا أظهر المجتمع كما هو... وأبين علله... وعلى المصلحين أن يجدوا الدواء للداء الذي اكتشفت.


وفي تصورها أن مأساة معظم المثقفين أنهم جبناء يثورون أيام الرخاء ويزيفون أنفسهم (وفي أحسن الأحوال يصمتون) أيام الشدة.

فالكلمة، عندما ينطق بها الأديب، كلمة. لكنها، تصبح رصاصة عندما يستوعبها القارئ. ليس القتال - بمعناه الجسدي - مهمة الأديب. مهمة الأولى أن ينير دروب القتال الصحيحة للأخرين إذ لا يكفي أن يقاتل الإنسان قتالًا أعشى، بل عليه أن يعرف لماذا يقاتل. وهذه مهمة الأديب.


وتستطرد كوليت قائلة: «أنا لست برجوازية. أنا من هؤلاء القلائل في العالم الذين لا ينتمون لطبقة؛ لأنهم يؤمنون بالإنسان ويحترمون الإنسان هولاء القلائل الذين يلتقون على الرغم من اختلاف منشئهم وبيئتهم وطبقاتهم، أولئك الذين اسميهم «النخبة» ومن خلال كتاباتي انتقدت الطبقة البرجوازية لأنني كنت أعرفها، وسأنتقد الطبقة الكادحة لأنني صرت أعرفها. أنا غريبة عنها».

في العاشر من إبريل الحالي 2026، رحلت الأدبية كولت خوري، عن عمر ناهز 95 عامًا، بعد مسيرة حافلة بالعطاء، تاركةً إرثًا أدبيًا بارزًا في الرواية والقصة والشعر يبقى شاهدًا على تجربة إنسانية وأدبية.