هل الشعوب مسؤولة عن هزائمها؟!


ادم عربي
2026 / 4 / 17 - 16:14     

بقلم : د. ادم عربي
يقف الإنسان، في كل زمان ومكان، أمام ثلاث حاجات أساسية لا غنى عنها: الخبز، والحرية، والأمن. غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: أيّ من هذه الثلاثة أصبح يحكم حياة الإنسان العربي، وبأيّها يُطلب منه أن يكتفي؟
منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، عملت القوى المضادة لها،وفي مقدمتها أنظمة الاستبداد،بكل طاقتها على ترسيخ فكرة واحدة في وعي الناس: "الأمن أولاً". لم يكن هذا الشعار بريئاً، بل كان أداةً نفسية وسياسية لتخويف الشعوب التي خرجت تطالب بالحرية والكرامة والعيش الكريم. جرى ضخ هذا الخوف بشكل منهجي، ليس فقط عبر الخطاب، بل أيضاً عبر ممارسات فعلية تُفقد المجتمع إحساسه بالأمان، حتى يترسخ في أذهان الناس أن المطالبة بالحرية، خصوصاً الحرية السياسية، تقود حتماً إلى الفوضى وانعدام الاستقرار. وبذلك يُدفع الناس إلى القبول بالتخلي عن الحرية مقابل استعادة شعورٍ مفقود بالأمن.
هذه الاستراتيجية ليست جديدة، بل هي قاعدة سياسية قديمة استخدمها أعداء الحرية عبر التاريخ. فقد درجت الأنظمة القمعية على خلق تعارضٍ مصطنع بين الحرية والأمن، بحيث يبدو وكأنهما لا يجتمعان. وعندما تُثخن المجتمعات بجراح الفوضى والعنف والجريمة، تصبح أكثر استعداداً لقبول حلولٍ تقوم على تغليب الأمن على الحرية، حتى لو كان الثمن هو تقييد الحقوق السياسية والمدنية. لكن المفارقة أن هذا "الأمن" الذي يُفترض أن يحمي الناس، يتحول إلى كيانٍ نهم، يزداد شراهة كلما التهم مزيداً من الحريات. وفي لحظةٍ ما، قد تجد الشعوب نفسها مضطرة للتنازل عن حريتها بالكامل طلباً للأمن، وهو ما حذّر منه المفكرون، حين اعتبروا أن شعباً يفرّط بحريته مقابل الأمن لا يستحق أياً منهما.وكما قال فرانكلين : إنَّ أيَّ شعب يتخلَّى عن حريته في سبيل الأمن هو شعب لا يستحق الاثنين معاً (الحرية والأمن).
من جهة أخرى، تكشف تجربة الربيع العربي ، في كل بلدان العرب دون استثناء، عن خللٍ جوهري في بنية الثورات نفسها. فحتى أعظم الثورات، وأكثرها عفوية واندفاعاً، محكوم عليها بالفشل إذا لم تُنظَّم. والمفارقة أن التنظيم الوحيد الذي ظهر بوضوح في هذه التجارب كان لدى القوى المضادة للثورة، لا لدى الثوار أنفسهم. هذه القوى عرفت كيف تُدير المعركة على مستوى الوعي، فنجحت في تصوير الثورات على أنها مرادف للفوضى، وتعطيل الحياة، وتفاقم الفقر والبطالة، وانهيار الأمن، وانتشار الجريمة، بل وحتى تفجير الصراعات الطائفية والمذهبية كما في بعض النماذج في المنطقة، وجر المجتمعات إلى حروب أهلية تفتح الباب لتدخلات خارجية.
أما النتيجة النهائية لهذا المسار، فهي إعادة إنتاج أنظمة سلطوية بواجهة مختلفة، شبيهة بنموذج الحاكم الذي يسمح للناس بأن يقولوا ما يشاؤون، بينما يحتفظ لنفسه بحق فعل ما يشاء. وهكذا نعود إلى ما يمكن تسميته "دولة الرقمين" كما دولة  "فردريك": رقم واحد ضخم في القمة، وإلى جانبه، أوعلى يساره  ملايين الأصفار التي لا وزن لها.
وسط هذا المشهد، يبرز خوفا أكثر إيلاماً: أن يحكم التاريخ على هذه التجربة بالفشل ليس فقط بسبب قسوة الأنظمة، بل أيضاً بسبب عجز المجتمعات نفسها. كأن التاريخ قد يقول إن الشعوب التي لم تصل إلى الحرية والدولة المدنية الحديثة لم تفشل فقط لأن الطريق كان صعباً، بل لأنها لم تُحسن الاختيار، أو لم تُرد أن تدفع ثمن التفكير. وهي فكرة قاسية، لكنها تعكس حالة الإحباط من تكرار الأخطاء ذاتها.
أخشى أن يأتي يوم يتكفل فيه "التاريخ" ذاته بالإجابة عن سؤال: لماذا أخفقنا في بلوغ الحرية، وبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، وتحقيق حياةٍ أكرم؟ فيقول ببرود قاسٍ: لأن العرب لم يكونوا جديرين بها؛ إذ لو وضعوا بين خيار الموت وخيار التفكير، لآثروا الموت!
ولعل قسوة التجربة، بما حملته ولا تزال تحمله من مرارة، ستُفضي بنا إلى درسٍ أكثر إيلاماً؛ أن نُدرج، ونحن نتحدث عن "الحقوق"، حقّ الشعوب في البقاء على حالها من التخلف، وكأنها "تستطيب" جهلها وشقاءها.
أما أولئك الضحايا من الشعوب في مصر وسورية وليبيا واليمن وتونس وغيرها، فيُقال إنهم يتحملون القسط الأكبر من مسؤولية ما أصابهم؛ إذ قبلوا أن يكونوا وقودا لصراعات قوى، كان واضحا، بطبيعتها وتاريخها، أنها لن تكون إلا حرباً مفتوحة على كل ما خرجت الشعوب تطالب به
وربما تدفعنا هذه التجارب المريرة، التي لم تنتهِ بعد، إلى إعادة النظر حتى في مفهوم "الحقوق" ذاته، بحيث نضيف إليه حق الشعوب في البقاء على حالها من التخلف، وكأن هذا الخيار أصبح واقعاً مفروضاً لا يمكن تجاهله.
وفي سياق أكثر قسوة، تحمل  الشعوب نفسها قسطاً كبيراً من المسؤولية عما آلت إليه أوضاعها. فالكثير من الضحايا لم يكونوا مجرد ضحايا بريئين، بل شاركوا  ،بوعي أو بدونه ،في صراعات بين قوى لا يمكن أن تكون إلا معادية لأهداف الثورات. لقد تحول الناس إلى وقود في حروب لا تخدمهم، بل تعيد إنتاج القمع بأشكال جديدة.
ويصل هذا المسار إلى ذروته حين تتحول البُنى الاجتماعية والسياسية إلى أشكالٍ حديثة من القبلية. فالأحزاب لم تعد تعبيراً عن برامج وأفكار، بل أصبحت امتداداً للقبائل، والقبائل بدورها لبست لباس الأحزاب. ولكل "قبيلة  حزب" صنمها الخاص الذي تدافع عنه. وكأن التاريخ لم يغادر زمن الوثنية، بل أعاد إنتاجها بصيغ جديدة.
في ظل هذا الواقع، لا يمكن أن تفرز هذه البيئة إلا نوعاً محدداً من السلطة؛ سلطة تتقن قلب الحقائق، وتجعل الكذب يبدو كالحقيقة. وهي سلطة غالباً ما يتربع على رأسها عسكري، يقبل بالديمقراطية على مضض، ويرى في صناديق الاقتراع شيئاً ضيقاً لا يعبّر عن "حبه الشعبي"، ويفضل عليها "تفويضاً" مفتوحاً يمنحه سلطة بلا حدود.
بهذا الشكل، يتضح أن الصراع بين الخبز والحرية والأمن ليس مجرد مسألة ترتيب أولويات، بل هو معركة وعي، تُستخدم فيها أدوات الخوف والتنظيم والتضليل، وتُحسم نتائجها بقدر ما تمتلكه الشعوب من قدرة على التفكير والتنظيم، لا بقدر ما تتعرض له من قمع فقط.