تحليل الصراع الطبقي: نظرة ماركسية _ اجتماعية


جعفر حيدر
2026 / 4 / 12 - 10:28     

بقلم / جعفر حيدر
إن دراسة الصراع الطبقي في العراق ليست محاولة لخلق التوتر، بل هي سعيٌ لفهم الآليات البنيوية التي تتحكم في توزيع الثروة، والقوة، والموارد وفرص العيش داخل مجتمعٍ يعتمد اقتصاديًا على الريع النفطي، وسياسيًا على نظام محاصصة حزبي–طائفي يوزع النفوذ أكثر مما يوزع العدالة. ولأن العراق بلدٌ خرج من حروب متراكمة، وعقود من الاحتقان والانكسار الاقتصادي والاجتماعي، فإن تتبع مسار الطبقات فيه يشبه تتبع مسار الجروح التي لم تُشفى بعد، حيث تتداخل فيها الدولة مع السوق، والاقتصاد مع السياسة، والعمل مع السلطة. وفي المقاربة الماركسية، لا يُنظر إلى الصراع الطبقي باعتباره صراعًا اختياريًا، بل باعتباره نتيجةً طبيعية لتناقضات موضوعية بين فئات تمتلك وسائل القوة والموارد، وفئات أخرى تُهمَّش وتُهمَل ويُستهلك جهدها من دون حماية أو مقابل عادل. ومن هنا تنطلق الحاجة إلى تحليل القوى الرابحة والمتضررة، لا بوصفها جماعات متصارعة، بل بوصفها تعبيرًا عن خلل بنيوي يتكرر في التجربة العراقية بصورٍ مختلفة منذ الدولة الحديثة حتى اليوم.
تتكون الطبقات الرابحة في العراق من ثلاث كتل رئيسية. الأولى هي البرجوازية الريعية المرتبطة بالدولة، وهي تلك الفئة التي تستفيد من الاقتصاد النفطي عبر العقود، والامتيازات، وتوزيع الوظائف وتعظيم النفوذ السياسي–الاقتصادي. هذه الطبقة لا تعتمد على الإنتاج، بل على إعادة توزيع ثروة الدولة لصالح شبكات النفوذ. أما الكتلة الثانية فهي البرجوازية التجارية، تلك التي حصلت على قوة اقتصادية كبيرة في فترة ما بعد 2003 عبر الاستيراد واحتكار السلع وعلاقاتها المتشابكة مع السلطة السياسية والحزبية. وهي ليست برجوازية صناعية منتجة، بل وسيط تجاري يعيش على تحويل العراق إلى سوق مفتوح مستهلك. والثالثة هي الطبقة السياسية الحزبية، التي تمثل في الواقع طبقة اقتصادية كاملة، لأنها تمتلك القدرة على التحكم بالمال العام، التعيينات، العقود، السلاح، الإعلام، والتمويل. هذه الطبقة تشكّل منظومة ريعية متضامنة، يشدّ بعضها بعضًا، لأنها تدرك أن استمرارها مرتبط باستمرار شكل النظام الذي يمنحها القوة.
في المقابل تقف الطبقات المتضررة، وهي شاسعة وواسعة ومتنوعة. أكبر هذه الطبقات هي الطبقة العاملة الهشّة: العمال، الأجور اليومية، عمال البناء، الخدمات، النقل، العاملون بلا ضمان اجتماعي ولا حماية صحية ولا تمثيل نقابي فعّال. ثم تأتي الطبقة المتعلمة المعطّلة، وهي فئة ضخمة من الشباب والخريجين الذين وجدوا أنفسهم بين شهاداتهم وبين سوق عمل مغلق، محتكر، ومحكوم بالواسطة لا بالكفاءة. ثم الطبقة الفقيرة في أطراف المدن التي تعيش انعدام الخدمات وتقلّب الدخل وفقدان الأمن الاجتماعي. وأخيرًا الفلاحون الذين تراجعت مكانتهم بعد ضعف الزراعة وهجرة الريف وغياب الدعم الحقيقي.
وما يجعل الصراع الطبقي في العراق أكثر تعقيدًا هو أن الدولة نفسها ليست طرفًا محايدًا، بل هي المصدر الرئيس للثروة، مما يجعل كل طبقة تسعى بطريقتها للوصول إلى مركز القرار، لأن من يصل إلى الدولة يصل إلى الموارد. وهنا يتداخل الاقتصاد بالسياسة، وتصبح الوظيفة العامة، لا العمل الخاص، هي الطريق إلى الثروة. هذا ما حول الطبقة السياسية إلى طبقة اقتصادية، وما جعل كثيرًا من الشباب يحلمون بالوظيفة الحكومية لا باعتبارها مصدر استقرار فحسب، بل باعتبارها منجمًا للعيش في بلد يفتقر إلى قطاع خاص مستقر.
ولفهم آليات تشكّل الصراع، يمكن استخدام أدوات التحليل الماركسي التي ترى أن التناقض بين الطبقات ينشأ من الفوارق الاقتصادية، الاحتكار السياسي، غياب المشاركة العادلة، وانعدام العدالة في توزيع الثروة. ويظهر هذا التناقض في العراق في عدة صور: فجوة الرواتب بين الطبقة السياسية والطبقة العاملة؛ غياب فرص العمل أمام الشباب؛ الاعتماد شبه الكامل على النفط؛ تركز المشاريع الحكومية بيد قوى سياسية محددة؛ ضعف النقابات؛ تهميش المواطنين الذين لا يملكون ظهراً حزبياً أو شارعاً مسلحاً يدافع عن مصالحهم.
ومع تصاعد هذه التناقضات، يبدأ ما يسميه ماركس بـ الوعي الطبقي بالتشكّل. لا يظهر الوعي عبر الكتب فقط، بل عبر التجارب اليومية: شاب يرى أن شهادته لا قيمة لها؛ عامل يشعر أن جهده يُستغل؛ مواطن يقارن بين ما يدخل جيبه وما يدخل جيوب السياسيين؛ أسرة تدرك أن لا قيمة لحقها ما لم تكن مرتبطة بجهة نافذة. هذا الوعي لا يؤدي بالضرورة إلى الصراع، لكنه يكشف الظلم ويُظهر الاختلال البنيوي. وقد كانت مظاهرات تشرين مثالاً على لحظة صعود الوعي الطبقي، حيث خرجت مجموعات واسعة من المتضررين —من دون برنامج طبقي واضح— لكنها عبّرت عن تراكم السخط الاجتماعي.
وفي إطار البحث العلمي، يتم تحليل الصراع الطبقي العراقي عبر دراسة الاقتصاد الريعي وكيف خلق برجوازية طفيلية لا تعمل، ودراسة أثر المحاصصة التي جعلت الدولة ملكًا للطبقة السياسية، وتحليل أوضاع الشباب باعتبارهم الفئة الأكثر تضررًا، ثم مقارنة العراق بنماذج أخرى شهدت تناقضات مشابهة، مثل روسيا القيصرية قبل الثورة، أو الدول النفطية التي تحكمها نخب مغلقة. وتصل المقاربة الماركسية إلى نتيجة مهمة وهي أن الصراع الطبقي لا يُعالج بالصمت عنه، بل بفهم جذوره ومعالجة الخلل عبر إصلاحات اقتصادية عادلة، وتمكين الطبقات العاملة، وتقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز مؤسسات الدولة والتوزيع الشفاف للثروة.
إن خلاصة هذا التحليل أن العراق ليس بلدًا ينقصه المال، بل بلد تنقصه العدالة الطبقية؛ وليس بلدًا بلا فرص، بل بلد حُجبت فرصه خلف طبقات سلطوية متمسكة بالدولة كوسيلة للثروة. والطبقات المتضررة ليست ضعيفة، بل مشتتة الوعي والتنظيم، ولو أنها امتلكت الطرق السلمية للدفاع عن حقوقها ومصالحها لكان التوازن الاجتماعي أكثر استقرارًا، ولتراجع الاحتقان الذي يتكرر في كل جيل. وفي النهاية، فإن فهم الصراع الطبقي لا يعني تأجيجه، بل يعني إدراك أن المجتمعات التي تُهمل العدالة مصيرها أن تعيش الاحتقان المستمر، بينما المجتمعات التي تواجه مشكلاتها بشجاعة ووعي تستطيع تحويل التناقضات إلى قوة إصلاحية لا إلى فوضى.