عبد الكريم قاسم: في نظر الواقع الحيادي


جعفر حيدر
2026 / 4 / 11 - 23:31     

بقلم / جعفر حيدر
يُعدّ الزعيم عبد الكريم قاسم إحدى أكثر الشخصيات تأثيرًا وإثارةً للجدل في تاريخ العراق الحديث، فقد جمع في مسيرته السياسية القصيرة بين روح الثورة ورغبة التغيير الجذري من جهة، وبين الارتباك السياسي وصعوبة إدارة التناقضات الداخلية من جهة أخرى، مما جعل تجربته محط دراسة معمّقة لكل من يبحث في تاريخ الدولة العراقية وصراعاتها. فمن ناحية الإيجابيات، كان قاسم مثالًا نادرًا للنزاهة الشخصية في الحكم، إذ عاش حياة متقشفة بعيدة تمامًا عن مظاهر الفساد، وسكن في مبنى وزارة الدفاع ولم يكوّن ثروة ولم يستغل منصبه يومًا، وهو ما جعله قريبًا من الناس، محبوبًا من الفقراء، وموضع ثقة شريحة واسعة رأت فيه نموذج الحاكم النزيه. كما أقدم على خطوة تاريخية عبر قانون الإصلاح الزراعي الذي وجّه ضربة قوية للإقطاع، ووزّع الأراضي على الفلاحين، وفتح الباب أمام تغيير اجتماعي كبير شمل الريف بأكمله، فكان ذلك القانون أحد أكثر قراراته تأثيرًا في البنية الطبقية للمجتمع العراقي. وإلى جانب ذلك أطلق مشاريع إسكان واسعة للطبقات المحرومة، مثل مدينة الثورة والشعلة وغيرها، وأسهم في إدخال آلاف الأسر الفقيرة إلى إطار حضري أكثر أمانًا، مما عزز من نمو الطبقة الوسطى الصاعدة، وترك آثارًا باقية حتى يومنا هذا. وعلى الصعيد الوطني، تبنى قاسم سياسة مستقلة قائمة على "العراق أولًا"، رافضًا الدخول في وحدة اندماجية متسرعة مع عبد الناصر، ومؤكدًا أن الوحدة لا تُفرض بقرارات فوقية بل تُبنى على أسس حقيقية. وفي عهده صدرت قوانين تقدمية مثل قانون الأحوال الشخصية لعام 1959، الذي اعتبر ثورة اجتماعية لصالح المرأة من خلال الحد من تعدد الزوجات وتنظيم الطلاق ومنح المرأة حقوقًا لم تكن موجودة من قبل، وهو قانون بقي أحد أعمدة التشريع الأسري في العراق لعقود. كما ركز على تحديث الجيش وتوسيع التعليم وبناء مؤسسات الدولة، وكان قريبًا من الناس، ينزل إلى الشارع ويزور الفقراء ويتعامل معهم ببساطة ميزته عن غيره من الحكّام.
لكن في مقابل هذه الإيجابيات الكبيرة، تراكمت سلبيات أثرت بشكل مباشر على استقرار حكمه وعلى مستقبل العراق. فقد كان عبد الكريم قاسم يميل إلى اتخاذ القرار بصورة فردية، وركز السلطات بيده بشكل كبير، مما جعل الدولة تعتمد على شخصه أكثر من اعتمادها على مؤسسات ثابتة، وهذا النمط الفردي تسبب في إضعاف النظام السياسي وجعل الحكم هشًا أمام المؤامرات والصراعات. كما لم ينجح في إدارة الصراع السياسي بين الشيوعيين والقوميين والبعثيين، فسمح تارةً بصعود الشيوعيين ثم اصطدم بهم، وفي الوقت ذاته دخل في مواجهة مع البعثيين والقوميين، مما خلق حالة من الاحتقان السياسي أدت لاحقًا إلى انقلابات ومحاولات اغتيال كادت تطيح بالدولة. ومن الجوانب السلبية أيضًا غياب رؤية اقتصادية شاملة؛ فرغم المشاريع العمرانية، لم يحقق نهضة اقتصادية متكاملة، ولم يستثمر أموال النفط بالشكل الأمثل، وبقيت البطالة والريف الفقير تعاني من أزمات بنيوية. واتسمت خطابات قاسم بالشعبوية المباشرة التي كان يوجّهها للناس متجاوزًا المؤسسات، مما تسبب في اتساع الفجوة بينه وبين النخب السياسية المدنية والعسكرية، وأدى إلى تقليل الدعم المؤسسي له. كما أن سياساته تجاه الجيش خلقت انقسامات بين الضباط، فلم يتمكن من إزالة التحزبات داخل المؤسسة العسكرية، بل اعتمد أحيانًا على الولاء الشخصي، وهو ما سهّل على خصومه داخل الجيش تنفيذ انقلاب 1963. وإلى جانب ذلك، فإن استقلاليته السياسية جعلته أحيانًا في عزلة إقليمية، خصوصًا بعد توتر علاقاته مع عبد الناصر والدول العربية، مما تركه بلا عمق سياسي أو دعم إقليمي في مواجهة خصومه.
وهكذا، فإن تجربة عبد الكريم قاسم كانت مزيجًا من النزاهة والتقدم الاجتماعي والإنجازات الوطنية من جهة، ومن الأخطاء السياسية وضعف إدارة الصراع وعدم بناء نظام مؤسسي من جهة أخرى، مما يجعل تقييمه تاريخيًا عملية معقدة تتطلب فهم الظروف الاجتماعية والسياسية التي أحاطت به، والاعتراف بأن شخصيته جمعت بين القائد المخلص الذي أراد الخير لشعبه، وبين رجل الدولة الذي لم يمتلك الأدوات الكافية لضبط التحولات العاصفة التي شهدها العراق آنذاك.